الرئيسية » الياس خوري »  

| | |
الجريمة الأخلاقية
الياس خوري

أريد أن أفترض جدلا أن القيادة الفلسطينية تتثعلب، وأنها تلعب مع إسرائيل لعبة سحب سمّ التأييد الأميركي المطلق للدولة العبرية. أريد أن أصدّق ما لا يصدّق، مفترضا ان تذاكي السلطة الفلسطينية سوف يوصل الى احداث شرخ في العلاقات الامريكية- الاسرائيلية، رغم علمي ان هذا الشرخ مسألة امريكية داخلية، ترتبط بموازين القوى هناك، ولا يمتلك الفلسطينيون اي تأثير عليها.

حتى لو قبلنا بهذين الافتراضين، وهما افتراضان وهميان، فإن الأمر الذي اصدرته السلطة الى ممثل فلسطين في مجلس حقوق الانسان في جنيف ابراهيم خريشة، بطلب تأجيل مناقشة تقرير غولدستون الى آذار (مارس) 2010، هو جريمة اخلاقية، بكل ما في الكلمة من معنى.

 

انه اولا صفعة لضحايا العدوان الاسرائيلي الوحشي، وهو ثانيا اهانة للقضاء الدولي، وهو ثالثا طعنة لجميع اصحاب الضمائر الحية في العالم، ولمؤسسات الدفاع عن حقوق الانسان، وللحملة الدولية لمقاطعة اسرائيل.

لكنها ليست صفعة سياسية فقط، اذ لو كانت كذلك لما اتخذت شكل الجريمة. فالخطاب الاستسلامي ليس جديدا في فلسطين والعالم العربي، بل يكاد ان يكون الموضة الدارجة. انها صفعة اخلاقية في الدرجة الأولى. اي ان القيادة الفلسطينية التي اصدرت هذا القرار المستغرب والمستهجن، تمسّ اليوم ما يجب ان لا يُسمح لأحد بالمساس به، وتقدم لاسرائيل وجيشها وعنصرييها، خدمة مجانية لا تقدر بثمن.

الجريمة ليست اجرائية فقط، اي انها لا تتعلق بقضية تبني تقرير غولدستون الذي يتهم اسرائيل بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الانسانية بأغلبية ساحقة، ثم تحويله الى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي كان من المرجح ان تحيل القضية الى المحكمة الجنائية الدولية، حيث سيجد سفاحو الجيش الاسرائيلي انفسهم خلف القضبان، للمرة الاولى في تاريخهم الملوث بدماء الابرياء، لكنها جريمة مبدئية، وهنا بيت القصيد.

وللذين يتجاهلون النضال المرير الذي خاضته الثقافة الفلسطينية، بمؤرخيها ومفكريها وادبائها، نقول ان فكرة فلسطين، كما بلورها النضال الفلسطيني طوال الاعوام التي تلت النكبة، تقوم على التفوق الاخلاقي للضحية على الجلاد.

كان هذا التفوق بديهيا، لولا الشروط المعقّدة للصراع العربي- الاسرائيلي، وارتباط وجود اسرائيل في الثقافة الغربية بالمحرقة النازية. كذبت اسرائيل طوال الوقت، حتى انها نجحت في تسمية جرائم النكبة الفلسطينية، حرب الاستقلال. لذا كان التحدي امام ‘ضحية الضحية‘ كبيرا، كي يكشف النقاب عن الحقيقة اولا، وكي يؤسس لفكرة فلسطين ثانيا، وهي فكرة قائمة على العدالة والمساواة والنضال ضد العنصرية.

هذا النضال الطويل الذي ساهم فيه مثقفون غربيون كبار، وصل اليوم الى عتبة التحقق، عبر تقرير صاغه قاض يهودي من جنوب افريقيا. يجسد غولدستون مثلث الضحية، فهو كيهودي يدين جرائم اسرائيل، وكجنوب افريقي، يعرف ويلات التمييز العنصري، وكقاض، يدافع عن العدالة فيصير مدافعا عن الضحية الفلسطينية.

تقرير غولدستون لحظة سياسية وثقافية كبرى في التاريخ الفلسطيني، والتضحية به في مناورات سياسية صغيرة وبلهاء، يدلّ ليس على العقم السياسي فقط، بل على عقم اخلاقي وثقافي كبير تعاني منه القوى السياسية الفلسطينية.

ما يجب ان لا يغيب عن بالنا لحظة، ان معركة فلسطين اخلاقية في الجوهر. جميع اوجه الصراع ومقاومة الاحتلال ترتبط بهذا الجانب. واذا فقد الفلسطينيون التفوق الاخلاقي على الاحتلال فانهم سيفقدون كل شيء دفعة واحدة.

من هنا يجب ان لا تسمح الثقافة الفلسطينية وقوى المجتمع المدني للسلطة بالتلاعب بهذا الجانب. ويجب ان يكون الرد حاسما وقاطعا، والا فإن السياسيين الذين يتميزون بضيق الأفق، سوف يتنازلون عن جوهر فكرة فلسطين.

ما جرى في جنيف لسيس خطأ او مناورة سياسية، ما جرى جريمة موصوفة يجب ادانة مرتكبيها وردعهم، كي لا يجد الفلسطينيون انفسهم بلا وطن ولا قضية.

 

 

 

مشاركة: