الرئيسية » طلال سلمان »   08 أيار 2016

| | |
حوار بعد معركة الكرامة وقبل أيلول الأسود مـع فتـح والفدائيـين
طلال سلمان

هذه صفحات من حوار قديم لم يكن مقدراً له أن يصدر في كتاب، وهو يتضمن بعض الملامح الشخصية وبعض جوانب تفكير ياسر عرفات، هذا القائد الذي قدر له أن يسهم في صنع مرحلة هي غاية في الأهمية من تاريخ القضية والأمة

بين عمان والزرقاء وإربد والكريمة والشونة والكرامة والسلط والمفرق وجرش طفت على قواعد المقاتلين، والتقيت قادة معظم التنظيمات ابتداء بقياديي «فتح» وانتهاء بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، و«طلائع حرب التحرير الشعبية»، وبالطبع، منظمة التحرير الفلسطينية بلجنتها التنفيذية المرتبكة وجيشها المتمرد وقوات التحرير الشعبية التابعة له.

 

وأزعم أني عدت وقد ازددت تجرداً بالنسبة لسائر فصائل الكفاح المسلح، في حين تعاظم ولائي لقضية الثورة التي تعيش الآن بداياتها الصعبة والخطرة والحماسية أيضاً.

ولقد اخترت أن أعرض حصيلة رحلتي من خلال الحوار وليس من خلال الوصف، مفترضاً أن كثرة من زملائي الصحافيين قد قاموا بمهمة الوصف خير قيام حتى ليتساءل من يأتي بعدهم، بلسان عنترة العبسي: «هل غادر الشعراء من متردم»!

كذلك اخترت أن أبدأ بعرض آراء ياسر عرفات أولاً. فماذا يقول، إذن، أبو عمار؟!

فيما يلي حصيلة مناقشة مفتوحة معه امتدت نحواً من أربع ساعات، وأرجو أن تكون أمينة في تقديم صورة متكاملة عنه وعن أفكاره التي هي، بشكل عام، أفكار «حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح».

******

حين انتصبتُ واقفاً، بعد تجاوزي باب الكهف الواطئ، جاءني صوته مرحباً ومعتذراً:

ـ أهلاً. تعرف أننا في حالة استنفار، وهذا يضطرنا إلى تعديل وإلغاء الكثير من تحركاتنا ولقاءاتنا. آسف، لقد جعلتك تنتظر في النهار بعض الوقت...

وبينما كنت أشد على يده الدقيقة الأصابع بشكل ملحوظ أضاف ضاحكاً:

ـ ولكنك ثأرت لنفسك فوراً، فجعلتني أنتظرك مساء دون أن تجيء... واحدة بواحدة.

ـ قلت: نبدأ. إذن، من جديد..

سلّمت على الرجال وجلست على الكرسي الأبيض اليتيم في الجانب الآخر من الطاولة الصغيرة التي تتراكم فوقها وحولها الأشياء: الكلاشينكوف وجهاز الإرسال وراديو ترانزيستور وبعض الأوراق والأكواب وعلبة سجاير «كمال» تناولها أبو عمار ليقدم لي واحدة منها:

ـ دخن...

ـ ألا تدخّن أنت؟

يبتسم وهو يهزّ رأسه نفياً. وأتطلع ملياً إلى الوجه الصغير والمتناقض إلى حد كبير مع الصورة الأولى التي نشرت له، ربما لأنه الآن بغير النظارتين السوداوين: العينان لامعتان متحركتان أبداً، الأنف أفطس، والشاربان على سجيتهما، ودونهما الشفتان الغليظتان اللتان تذكرانك بشخصية «المصري أفندي» الشهيرة، وعلى الرأس الحطّة.. أما الملابس فعادية تماماً، بمعنى أنها كتلك التي يلبسها أي مقاتل آخر...

ـ قال بسرعة: لست أفهم لماذا هذا التركيز على فتح؟ الكل يطالب فتح، والبعض يندفع إلى حد الهجوم الصريح على فتح. وفي كل مرة يكون الاتهام مختلفاً: مرة نحن إخوان مسلمون، ومرة ثانية نحن شيوعيون صينيون، وثالثة نحن أتباع للبعثيين، وبعد 5 حزيران قيل إننا ناصريون، بينما يصر البعض على اعتبارنا دائرين في فلك السعوديين.. لماذا؟! وكيف يمكن أن نكون كل هذا في آن معاً، طبعاً، نحن لا نجد ضرورة لدحض هذه التهم لأنها تحمل بذور كذبها في ذاتها، ويكفي تناقضها دليلاً وبينة...

وقبل أن أطرح سؤالاً جديداً تضيء ابتسامة عريضة وجه أبي عمار وهو يستطرد فيقول:

ـ الآن اختلف الحال بالطبع وصارت تنظم فينا قصائد المديح والتمجيد، وصرنا في نظر المتهمين والمشككين أبطالاً أعادوا إلى هذه الأمة ثقتها بنفسها وأملها بالنصر بينما هي غارقة في عار الهزيمة.

خارجاً من أحد كهوف الأغوار (١٩٦٩)ـ قلت: البعض يفسّر الاتهامات الموجهة إليكم وتناقضها، بأنه نتيجة طبيعية لعدم تحديدكم لهويتكم فكرياً.

اعتدل أبو عمار في جلسته وعلّق على الفور:

ـ دخلنا في لبّ الموضوع... لنتفق أولاً على معاني الكلمات: ماذا يُقصد بالهوية؟! أن أخرج على الناس ببيان أعلن فيه إيماني بالماركسية؟! هل هذا هو المطلوب مني فعلاً في هذه المرحلة؟! الكل يسأل عن المضمون الاجتماعي لحركتنا ولهذه الثورة الوليد... هل هذا أوان تحديد مضمون اجتماعي؟! ألسنا بعد، في مرحلة تحرّر وطني؟ كيف يُراد مني، إذن، أن أحرم طبقات كثيرة من شعب فلسطين من المشاركة في النضال لتحريرها؟!

وتدخّلت مناقشاً.. قلت:

ـ فلنحدّد، في الوقت نفسه، طبيعة القوى التي نقاتلها. العدو هو إسرائيل والصهيونية والقوى الاستعمارية والامبريالية التي تساندها.

قاطعني أبو عمار: ـ في العادة يشبهون إسرائيل بأنها مخفر أمامي لحراسة المصالح الاستعمارية في الوطن العربي.. أنا أفضل تشبيهها بشركة الهند الشرقية..

ـ إذن فالمعركة ليست فقط ضد دولة إسرائيل، وإنما هي كذلك ضد كافة أنماط الوجود الاستعماري في الأرض العربية، وهي بهذا المعنى معركة لا تخص الفلسطينيين وحدهم وإنما هي تخص كل العرب. إن إسرائيل تحتل الآن بالإضافة إلى فلسطين أراضي مصرية وسورية، والكل يعرف أنها طامعة بلبنان، وأن مشاريعها التوسعية تشمل شرق الأردن والعراق وكل مصر وبعض الجزيرة العربية..

قال أبو عمار:

ـ هذا صحيح، ولكنني فلسطيني أولاً. وأنا كفلسطيني مشرد ولاجئ، بلا وطن ولا أرض. هل يطلب مني أن أستكين وأنام حتى تتفجر الثورة العربية الشاملة؟! أبداً.. عليّ أن أقاتل من أجل استعادة وطني. على الآخرين، طبعاً، أن يقاتلوا، ولكن لا أحد يستطيع أن يفرض الثورة على غيره، كل عليه بنفسه، على شعب سوريا أن يقاتل لتحرير أرضه المحتلة، وعلى شعب مصر أن يقاتل لاستعادة شبه جزيرة سيناء، أما أنا فمعركتي هنا.. على أرض فلسطين ومن أجلها.

ـ لكنك لا تعيش في صحراء، أنت تتحرك من خلال ظروف موضوعية محددة فرضها ذلك الوجود الاستعماري، بعضها امتداد له وبعضها الآخر رد فعل منطلقه إرادة التحرير..

قال أبو عمار وهو يشير إلى المدفع الرشاش السوفياتي الصنع والمنتصب على طرف الطاولة الصغيرة مكملاً منطقه:

ـ بالنسبة لي، كفلسطيني، فقد حسمت الأمر واخترت طريقي لمواجهة هذا الوجود الاستعماري... بالسلاح وحده ستكون مواجهتي له.

ـ أنت حر طبعاً في اختيارك، لكنك ستصطدم قطعاً بجملة الأوضاع العربية الراهنة..

اكتست لهجة أبي عمار شيئاً من الحدة وهو يقول:

ـ بل لقد حدث مثل هذا الصدام فعلاً. قبل 5 حزيران كنا نتهم بأننا نريد توريط الدول العربية في حرب هي غير مستعدة لها، وقيل إننا ـ كعملاء لحلف السنتو! ـ نتآمر لإحراج الأنظمة التقدمية تمهيداً لإسقاطها فوق ساحة القضية الفلسطينية. وبعد 5 حزيران قيل لنا: «إذا أطلقتم رصاصة واحدة اعتبرناكم مجرمين وخونة.. إن عملكم غير المسؤول، الآن، سيؤدي إلى تدمير الأمة العربية فاهدأوا وكفوا عن عبثكم وإلا..».

اتسعت ابتسامة ياسر عرفات حتى غطت وجهه كله، ورفع ذراعيه وهو يقول ضاحكا:

ـ لولا أن حركتنا أصيلة وتعبر عن ضمير شعبنا وإرادته في تحرير وطنه لعلقنا على أعواد المشانق في أكثر من عاصمة عربية بتهمة الخيانة العظمى.

ـ إذن؟!

ورنت نبرة القوة في صوت أبي عمار وهو يقول:

ـ في البداية كان يمكن لهذه الأوضاع العربية أن تعكس سلبياتها علينا بحيث تربك مسيرتنا أو تعطلها، لكن الحال هي غير الحال الآن. لقد بتنا أقوياء... أقوياء أكثر مما يتصورون وأكثر مما تتصورون جميعا. وليس مصدر قوتنا السلاح أو عدد الرجال الذين يحملونه، على وفرتهم، وإنما المصدر الأساسي لقوتنا هو هذا التعاطف العارم الذي نلقاه من الجماهير العربية في كل مكان.

قد تسألني هنا: لماذا، إذن ترفعون شعار عدم التدخل في الشؤون العربية. أعرف أن هذا الشعار يثير لغطاً ويستغله البعض للتشكيك فينا. ولكن دعني أقل لك شيئاً: إننا أكثر الناس تدخلاً في الشؤون العربية على الصعيد العملي: إننا نفرض أنفسنا ووجودنا على كل الحكومات العربية، ونفرض عليها تلبية طلباتنا جميعاً. كل ما نريده منها نحصل عليه، وليس هذا بأي حال دليل ضعف وإنما على العكس تماماً. ما يهمني من الأنظمة العربية هو ما يتعلق بالثورة وبفلسطين، فإذا ما أُعطيته انتفت ضرورة التصادم معها، أما إذا مُنع عني ما أريده فإننا لا نسكت.

هكذا هو موقفنا بالنسبة للأردن، على دقته الفائقة، وتشابكه بالظروف الموضوعية القائمة هنا.

لم يخطر ببالنا يوما أن نقول للملك حسين: أقِل هذا الوزير وعيّن لنا ذاك.. ولا طلبنا منه طرد ضابط أو عزل محافظ، إلى ما هنالك من الشؤون الداخلية البحتة.. ولكننا، من جهة أخرى، نمارس حقنا في حماية أنفسنا ووجودنا واستمرار عملنا هنا.

******

أحضر أحد الرجال شاياً، وجاءوا بعشاء للمقاتل الذي رافقني، وقال لي أبو عمار:

ـ أتتعشّى؟ كلنا نأكل هنا مع بعضنا بعضاً.. لا طبقية ولا طبقات بيننا، فطمّن جماعة اليسار..

اعتذرت مبتسماً قبل أن أقول:

ـ دعنا نفرغ من النقطة الأولى، ولسوف يطول حديثنا حول اليسار.

إن النمط الراهن لعلاقات الأنظمة العربية، على اختلاف اتجاهاتها، بالمنظمات الفدائية مرشح للانهيار في أي لحظة.. ولو حدث وتم الاتفاق على «حل سياسي» لتغيرت الصورة كلياً، ولصار همّ الأنظمة ـ تكريساً وتحقيقاً للحل العتيد ـ أن تصفي العمل الفدائي..

وقاطعني أبو عمار ليقول:

ـ هذا وارد طبعاً، ولا أخفيك أننا نعيش في حالة تنبه ويقظة دائماً لأننا نتوقع ضربات جديدة بقصد تصفيتنا في كل لحظة. ونعرف أيضاً أن بعض الأنظمة العربية تستخدمنا، في اتصالاتها الدولية، ورقة مساومة للوصول إلى الحل السياسي العتيد بأقل خسائر وتنازلات ممكنة.. لكن ما لا تعرفه تلك الأنظمة أننا بتنا أقوى من أية محاولة لتصفيتنا. إننا، ونقولها بصراحة، القوة الثالثة هنا.. نأتي مباشرة بعد الجيش الأردني والقوات العراقية العاملة في الأردن، وقبل القوات السعودية المتواجدة حالياً في الضفة الشرقية. هذا من حيث القوة والتسليح، ثم هناك المساندة الشعبية الكاسحة لنا داخل الأردن وخارجه والنابعة من تصميم هذه الأمة على رفض الهزيمة وإرادة النصر فيها..

كوفية الفدائي

لدى الفلسطينيين، مثل معظم العرب، غطاء الرأس. ويسمى غطاء الرأس بأسماء مختلفة. فهناك:

* الحطة أو القضاضة. وهي غطاء أبيض يوضع فوقه العقال الأسود المصنوع من شعر الماعز (المرْعز).

* السلك ويسمونها «الفترة» أو «الشماخ» في الخليج. والشماخ من الرأس الشامخ.

* الكوفية وهي غطاء الرأس باللونين الأسود والأبيض.

والحكة هي ما يحط على الرأس، أي يوضع عليه. والأرجح ان الكوفية جاءت من الكوفة حيث كان أهل هذه المدينة الريفية يصنعونها بإتقان. أما السلك فقد سمي بهذا الاسم لأن الكوفية كانت ترسم مثل الأسلاك المتقاطعة (مشبّكة).

ظهرت الكوفية أول مرة على رؤوس المتطوعين في الجيش العربي الذين دخلوا إلى دمشق في سنة 1917 بعد هزيمة الدولة العثمانية. وفي ثورة 1936 التي جاء معظم المقاتلين فيها من الأرياف، أي فلاحون، ظهرت بيانات تدعو جميع السكان إلى وضع الكوفية السوداء والبيضاء على الرأس. وكان المقصود منع المحتل الانكليزي من اعتقال الناس لأن الجيش البريطاني كان يركز في دورياته على أبناء الفلاحين ويستثني حاسري الرأس أو معتمري الطرابيش، فالمعروف أن حاسري الرأس كانوا في معظمهم من أبناء الجاليات الأجنبية المقيمة في فلسطين، أو من أبناء المدن المقلدين لهؤلاء. أما معتمري الطرابيش فينتمي كثير منهم إلى فئة موظفي الدولة (الأفندية). وكان الصغار والفتيان يهتفون في ثورة 1936: «الكوفية بخمس قروش والنذل لابس طربوش» أو «حطة وعقال بسبع قروش وعرص إليّ بيلبس طربوش».

في 1/1/1965 صارت الكوفية رمزاً للكفاح الفلسطيني المسلح، وما عادت مجرد غطاء للرأس، بل غطاء للوجه، أي للسرية. ومع ياسر عرفات صارت تدعى «حطة أبو عمار» ورمزاً عالمياً للقضية الفلسطينية، وارتداها الشبان في العالم بحيث صارت رمزاً للتضامن الأممي مع فلسطين.

غير ان بعض مصممي الأزياء استغلها في تصاميمه من غير أي مراعاة للبعد الثقافي للكوفية، بل اعتبرها مجرد إكسسوار. وفي المرحلة الأخيرة عمدت حركة حماس إلى صنع كوفيات بالأخضر والأبيض بدلاً من الأسود والأبيض. حتى ان اثنين من مصممي الأزياء الإسرائيليين غابي بن حاييم وموكي هارئيل صنعا في سنة 2008 كوفية زرقاء وبيضاء، أي بألوان العلم الإسرائيلي، واستخدما النجمة السداسية في التطريز. وليس من التبجح في شيء أن أقول: إننا نحن من أكد إرادة النصر في هذه الأمة. بعد 5 حزيران وجدنا من تحرك وأعلن، بالرصاص، أن الحرب لم تنته، وأن شعب فلسطين ما زال حياً، وأن الأمة العربية أقوى من الهزيمة..

لقد كانت ثورتنا هي الإعلان المضيء عن إرادتنا الجبارة التي ترى في سائر الحلول السياسية استسلاماً ولا شيء غير الاستسلام.

عدنا إلى الموضوع مع قول أبي عمار:

ـ عجيب اتهامنا بالقطرية في حين أننا، عملياً، قد ألغينا التجزئة. إننا لا نعترف بالحدود. إن رجالنا ينتقلون من قطر عربي إلى آخر ببطاقاتهم الصادرة عن فتح فحسب. ونحن نعمل في كل أرض عربية، وحيثما تواجد فلسطينيون. ولنا قواعدنا في سوريا، وندرّب قواتنا في العراق وفي مصر (وفي الصين أيضاً وفي فيتنام) وفي الجزائر وحيثما توفرت لنا الفرص. ولنا نشاطات مثمرة في السعودية والكويت وسائر أنحاء الخليج. وليس معقولاً أن ندفع عنا تهمة القطرية بالعمل مثلاً لخلع الملك فيصل، أو لتبديل نظام الحكم في قطر أو في البحرين أو في أي قطر عربي آخر. ولسنا مستعدين، بالطبع، لمناقشة هذا النظام أو ذاك حول رأيه واجتهاداته الخاصة في المذاهب السياسية.. كما أننا لسنا مستعدين لتحديد مواقفنا من أي نظام على أساس نظرته للاشتراكية مثلاً..

قلت: ها قد ولجنا بوابة الحديث عن اليسار..

ارتفع صوت «الختيار» وهو يقول:

ـ الكل يسأل هل نحن من أهل اليمين أم أننا من أهل اليسار، الصحافيون الأجانب يسألون، أول ما يسألون، عن هذه النقطة. وإخواننا القوميون العرب يتهموننا باليمينية. لقد قرأت في «الحرية» قبل أيام، تحليلاً يقول ما معناه، أننا سنخون قضية الكفاح المسلح حتماً بحكم تكويننا الطبقي..

التفت أبو عمار إلى الرجال من حوله وضحك فضحكوا وهو يسألهم بعامية هي خليط من الفلسطينية والمصرية: ـ يا جماعة أنا ناسي أملاك أبويا فين.. تعرفوها إنتو؟!

وعندما هدأ الرجال واستعادوا وقارهم، أكمل أبو عمار يقول:

ـ والله ليس بين رجال الفتح رأسماليون ومحتكرون وبورجوازيون. هل طفت بالقواعد؟ هل رأيت بين المقاتلين أثرياء؟! إنهم جميعاً من الفقراء المسحوقين. بل انهم أفقر أهل الأرض قاطبة، فهم كفلسطينيين يفترقون ليس فقط إلى أسباب الحياة وإنما أيضاً إلى الوطن ذاته، وهذا أفظع أنواع الفقر.

قلت: ـ أنت الآن تؤكد سلامة ما يقول به أهل اليسار.

واندفع أبو عمار يقول بشيء من الحدّة الممزوجة بالتأثر:

ـ أنا لاجئ. نحن شعب من اللاجئين. هل تعرف معنى أن تكون لاجئاً. أنا إنسان فاقد كل شيء. ليس لديّ أي شيء. حتى وطني أُخذ مني وطردت منه. ما معنى اليسار واليمين في كفاحي لتحرير وطني. إنني أريد هذا الوطن ولو حرره لي الأبالسة، وكفلسطيني لست أملك من الوقت ما أنفقه في النقاش والمفاضلة بين اليسار واليمين.

هل أنا في مركز يمكنني من رفض مشاركة أو مساعدة أي إنسان؟!

هل يُطلب مني، مثلاً، أن أرفض فلوس السعوديين بحجة أنهم من أهل اليمين؟! ولكنني بفلوس هؤلاء أشتري أسلحة من الصين... فماذا يسمى عملي هذا، يسارية أم يمينية رجعية؟!

القضية بسيطة جداً بالنسبة لي وللفلسطينيين ولا ضرورة للتعقيدات فيها. لقد طردنا من وطننا الذي اغتصبه شعب آخر بقوة السلاح وبدعم الاستعمار، وواجبنا ـ وحقنا طبعاً ـ أن نعمل لتحرير هذا الوطن واستعادته بقوة السلاح أيضاً.

أكثر من هذا: إن الحديث عن المضمون الاجتماعي لحركة المقاومة، في الوقت الراهن إنما يصدر عن يسار تبشيري، ويتم على طفولة يسارية فحسب.

نحن في مرحلة تحرر وطني. وفي مثل هذه المرحلة يجب أن تجمّد الخلافات المذهبية التي تصبح، بالفعل، نوعاً من الترف الفكري، حتى تحسم القضية بالتحرير، وبعدها يمكننا أن نختلف ما طاب لنا الاختلاف حول اليسار واليمين والاشتراكية والليبرالية وما إلى ذلك.

ثم أننا لسنا حزباً. نحن مجموعة من الفلسطينيين الذين اكتشفوا، ربما قبل غيرهم، أن وطنهم لن يعود إليهم إلا إذا قاتلوا لاستعادته.. وهكذا حملنا السلاح وبدأنا القتال بغير أن نجهد أنفسنا في التفكير عما يعنيه عملنا بالتحليل الإيديولوجي له.

جماهير الشعب. ولكني لن أهتمّ طبعاً بفحصه للتأكد هل هو من كبار التجار أم هو من صغار الكسبة، فلا فرق عندي بين هؤلاء وأولئك إلا بمقدار إخلاصهم لقضية الثورة.

أعرف أن كثيرين يتقوّلون عليّ ويزعمون أن ماليتنا كلها إنما تأتي من «الرجعية العربية» لأننا ـ على حد زعمهم ـ إخوان مسلمون، ولكن ثق إن النسبة العظمى من أموال فتح إنما تأتي من التبرعات الشعبية.. وهذا لا يعني بالطبع أننا نرفض المساعدات الأخرى سواء أجاءتنا من أقصى اليمين أم من أقصى اليسار...

******

جاءونا بالشاي للمرة الثالثة.. ودعاني أبو عمار إلى إيقاف المناقشة لدقائق.

كانت الساعة قد قاربت الثانية بعد منتصف الليل، والكل ساهر يقظ. وقلت لأبي عمار:

ـ لقد شغلتك وقتاً طويلاً..

قال «الختيار»:

ـ أبداً. أهلاً بك دائماً، ومرحباً بكل نقاش.

******

ودّعت الرجال وخرجت، بصحبة مقاتلين، قاصداً عمان. ولما بلغتها خطر لي أن «أداهم» مكتب فتح الرئيسي في جبل اللويبدة.. ونفذت الخاطرة، وترجلت من السيارة ونزلت الدرجات الضيقة، ودخلت فإذا بي أجد أكثر ممن توقعت من الرجال: كان هناك «أبو اياد»، من أركان فتح، و«أبو خالد» من أركان الجبهة الشعبية، ومعهما الأخ «ضمير» أو كمال ناصر سابقاً.. وبينما أنا أبدأ في رواية تفاصيل لقائي بياسر عرفات في واحدة من القواعد بنواحي السلط، دفع أحدهم الباب بعنف ودخل... والتفت فإذا الداخل «الختيار» نفسه!

ابتسمت وهو يقول:

ـ لو أنك قلت لي إنك ستعود إلى عمان لصحبتك معي..

وابتسمتُ وابتسم الجميع بينما أبو عمار مشيراً إليّ:

ـ لقد ذبحني. طاردني بحكاية اليسار حتى أنهكني. لست أدري من كشف له سرّي وأبلغه أني ضعيف يسارياً فركّز هجومه على هذه الثغرة بكل ضراوة..

صمت قليلاً ثم التفت إلى «أبي خالد» قائلاً:

ـ يبدو أنك من حرّضه عليّ..

وقبل أن يجيبه اندفع الأخ «ضمير» يقول:

ـ الحقيقة يا أبا عمار إننا جميعاً، بالفشل الرهيب الذي مُنينا به عبر تجاربنا الحزبية، آخر من يحق له التحدث عن اليسار.. ومن التبجح الفارغ أن يزعم أي منا، نحن الذين نعيش في ظل فتح وبحمايتها وبفضل وجودها، انه أكثر يسارية منكم.

وامتدّ بعد ملحوظة «الضمير» حديث آخر ليس هنا مجال نشره، وإن كان الحوار مع «فتح» قد ظل بعد كل ما قاله أبو عمار مفتوحاً... وما زال.

راجع: طلال سلمان، مع فتح والفدائيين، بيروت: دار العودة، ١٩٦٩.

 

مشاركة: