0 في يوم دراسي حول "المستجدات الداعمة لبناء إستراتيجية قادرة على تحقيق الأهداف الفلسطينية" المركز الفلسطيني لابحاث السياسات
الرئيسية » برنامج الدراسات الفلسطينية » ندوات »  

| | |
في يوم دراسي حول "المستجدات الداعمة لبناء إستراتيجية قادرة على تحقيق الأهداف الفلسطينية"

في يوم دراسي حول "المستجدات الداعمة لبناء إستراتيجية قادرة على تحقيق الأهداف الفلسطينية"

أوراق ودراسات ورؤى ونقاشات حول "الربيع العربي"

والمصالحة و"الحراك الشبابي" والمفاوضات
رام الله: نظم المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية، بالتعاون مع مؤسسة "هنريش بل" الألمانية، قبل أيام، في كل من رام الله وغزة، عبر آلية الربط الالكتروني (الفيديو كونفرنس)، يوماً دراسياً تحت عنوان "المستجدات الداعمة لبناء استراتيجية فلسطينية قادرة على تحقيق الأهداف الفلسطينية"، اشتمل على عديد المحاور توزعت في أربع جلسات، كانت الأولى تحت عنوان "الربيع العربي وتأثيره على القضية الفلسطينية"، والثانية حول "المصالحة الفلسطينية"، فيما طرحت الثالثة تساؤلاً مفاده "الحراك الشبابي: من أين وإلى أين"؟ قبل الاختتام بجلسة حملت عنوان "وقف المفاوضات والخيارات البديلة".

 

وشدد هاني المصري، المدير العام للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية، على أهمية بلورة استراتيجية فلسطينية جديدة، وسياسات جديدة "كونها وحدها التي تجعلنا قادرين على توظيف المتغيرات فيما يتعلق بربيع الثورات العربية، والمصالحة الفلسطينية، والحراك الشبابي، ووقف المفاوضات، لصالح القضية الفلسطينية، ودرء الأخطار الجسيمة التي تتهددها".. وقال في كلمته في انطلاق اليوم الدراسي: الأخطار المحدقة بالقضية الفلسطينية قد تدفع المنطقة نحو الفوضى والمجهول والتطرف وعدم الاستقرار، مشدداً على أن هذا اليوم الدراسي يأتي للتدارس في القضايا المستجدة بعمق، و"الخروج بنتائج تساعدنا في أداء مهماتنا الوطنية"، عبر عرض وتحليل المتغيرات والمستجدات وانعكاساتها وتأثيراتها، وكيفية استثمارها إيجاباً لتحقيق الأهداف الفلسطينية.

من جهته، شدد يواخيم بول، مدير عام مؤسسة "هنريش بل" في الأراضي الفلسطينية، على أن اليوم الدراسي يتناول العديد من المحاور المهمة بالنسبة للفلسطينيين بل والمنطقة بأسرها، وقال: نحن في ألمانيا، كعموم أوروبا، نسعى أن نكون على قرب ونتابع عن كثب ما يحدث من تغيرات وتحولات في المنطقة منذ مطلع العام الحالي، ونسعى لفهم انعكاسات هذه التحولات على مختلف الصعد، خاصة ما يتعلق بالتنمية، وأيضاً بالسياسة الخارجية لأوروبا .. نحن نتساءل أيضاً إذا ما كان الأوروبيون سيغيرون من سياستهم الخارجية تجاه المنطقة بعد التغيرات والتحولات التي تشهدها منذ مطلع العام الحالي، مع إدراكنا بالاختلافات داخل الجسم الأوروبي بخصوص عديد القضايا في المنطقة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، وبالتالي يشكل هذا اليوم الدراسي فرصة مهمة للتعرف أكثر على تأثير هذه التغييرات على الفلسطينيين، وتوجههم نحو بناء استراتيجية جديدة، خاصة في الأشهر الثلاثة المقبلة.

الجلسة الأولى

وكانت الجلسة الأولى التي أدارها مدير البحوث في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية خليل شاهين في رام الله، والكاتب هاني حبيب في غزة، بعنوان "الربيع العربي وتأثيره على القضية الفلسطينية"، وفيها شدد ياسر عثمان، سفير جمهورية مصر العربية لدى السلطة الفلسطينية، على أن الثورات العربية بالتأكيد ستصب في مصلحة القضية الفلسطينية .. وقال: لكن هذا التأكيد مشروط ومرتبط بمدى زمني، فالمرحلة الزمنية التي سيستغرقها نجاح الثورات العربية هي التحدي الأساسي برأيي للقضية الفلسطينية.

وأضاف عثمان: للثورة المصرية خصوصيتها، فعلى الرغم من أنها لا تزال في مرحلة بناء نظام جديد، واستكمال عناصر نجاحها، إلا أنها لم تدخل في مرحلة انكفاء على الذات، فمصر منذ تنحي الرئيس السابق وسقوط النظام السابق انخرطت في دور خارجي فعال، وهذا الانخراط الفعال كانت له عدة أسباب، فمصر كدولة محورية في المنكقة لا تملك خيار الانكفاء على الذات، أو الانتظار لحين بناء نظام جديد للتحرك خارجياً، وبالتالي كانت المعادلة أنه يجب استكمال عناصر البناء الداخلي مع صياغة سياسة خارجية جديدة تتيح لمصر الحفاظ على مصالحها الخارجية، خاصة في الدوائر الحيوية بالنسبة لمصر، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والدائرة العربية، ودائرة حوض النيل، وبالتالي تحركت مصر بالتوازي على هذه المحاور الخارجية مع تحركاتها المتواصلة للبناء الداخلي.

وتابع: فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كانت هناك محاولة لبناء سياسة خارجية جديدة تلبي متطلبات المرحلة الجديدة .. لم يتم إلى الآن استكمال بناء سياسة مصرية خارجية جديدة فهي في حالة تطور مستمر، ولا يمكن الانتهاء من صياغة سياسة خارجية جديدة لمصر إلا بعد الانتهاء من عملية البناء الداخلي فيها، وأعني الانتخابات على مستوى رئاسة الجمهورية، ومجلس الشعب، وغيرها، لكن يمكننا الحديث عن ملامح لهذه السياسة الخارجية الجديدة التي تعتمد على البعد القومي بالأساس، وعلى ما يراه الرأي العام الداخلي في مصر، ومقاومة الضغوط الخارجية وعدم الاستجابة لها، حيث لم يعد ثمة مصالح ضيقة في مصر ما بعد الثورة، بل مصالح عامة تعمل الدولة المصرية على تلبيتها، بالإضافة إلى مبادئ ثورة 25 يناير التي ستكون في صلب السياسة الخارجية المصرية.

وأضاف عثمان: انخرطت مصر في عملية المصالحة الفلسطينية، وتم التوقيع على اتفاقية المصالحة، لكن هذه هي الخطوة الأولى، فمرحلة التنفيذ هي الأصعب، وتم فتح معبر رفح، وأخذت مصر قراراً بمساندة القيادة الفلسطينية في قرارها بالذهاب إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود العام 1967.

واستعرض الباحث داود تلحمي مواقف متعددة حول انعكاسات الثورات العربية على المنطقة برمتها، من بينها ما قاله عاموس يادلين مسؤول الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق في ندوة بمقر مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، "المعروفة بقربها من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة"، نهاية آذار الماضي، قال فيها بأن للثورات العربية دلالات كبيرة، وهي بكل تأكيد أهم حدث في المنطقة منذ سبيعنيات القرن الماضي، وتأثيراتها على إسرائيل ستكون كبيرة ودراماتيكية.

وقال تلحمي: الثورة الشعبية المصرية، شكلت منعطفاً هاماً في تاريخ المنطقة والصراع العربي الإسرائيلي، وبالنسبة لنا كفلسطينيين هي نقطة تحول هامة في مسيرة الشعب الفلسطيني التحررية المعاصرة الصعبة منذ أواخر السبيعينات في القرن الماضي، فاتفاقات كامب ديفيد والمعاهدة الثنائية بعدها أخرجت مصر الكبيرة من حلبة الصراع، وبالتالي تم نزع العجلة الأكبر والأهم في السيارة العربية التي كان من المفترض أن تسير باتجاه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها إسرائيل في حرب العام 1967، وتثبيت الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.. الآن العجلة التي تعطلت مرشحة للعودة بقوة إلى مكانها الطبيعي، وإن كان بشكل تدريجي، ما يشكل سنداً كبيراً وهاماً لنضال الشعب الفلسطيني وشعوب الجبهة الشرقية والشمالية الأخرى لاسترداد أرضها وحقوقها.. لا أعني بذلك أن مصر الجديدة ستقوم بالضرورة بإلغاء اتفاقيات كامب ديفيد والمعاهدة الثنائية مع إسرائيل والدخول في حرب جديدة معها، فذلك ليس وارداً، على الأقل في الأمد القريب، كما أن الحرب بمفهومها الكلاسيكي لم تعد السلاح الوحيد المتوفر لدى الشعب المصري والشعوب العربية الأخرى.. المهم لنا أن الشعب المصري اقتحم مسرح القرار السياسي، رغم التحديات الكبيرة على المستويين الداخلي والخارجي، ولهذا تأثيراته الإيجابية على القضية الفلسطينية، فنحن نعلم جيداً مشاعر شعب مصر ومواقفه تجاه شعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية.. الآن نشعر في فلسطين بأننا دخلنا مرحلة جديدة وهامة في مسيرتنا التحررية، وأن عموم المنطقة تشهد انعطافة كبيرة، تتفتح خلالها آفاق واسعة أمامنا، تستدعي رؤية فلسطينية جديدة تدفع نحو استراتيجية نضالية تستنهض عناصر القوة في الوضع الفلسطيني، وتتسلح بالإنجاز الكبير الذي حققته الثورات والانتفاضات الشعبية العربية.

من جهته، شدد د. عاطف أبو سيف، رئيس تحرير فصلية "سياسات"، على أن "الربيع العربي شكل تحولاً هاماً في الإقليم الأقل استقراراً"، وأن "التحولات التي طرأت على بعض النظم السياسية المحورية في الإقليم تشكل فرصة هامة لفتح صندوق الأسئلة حول مستقبل العلاقات الإقليمية كما مستقبل الدولة الوطنية في المنطقة".. وقال: الموقع الهام الذي تحتله القضية الفلسطينية في العلاقات العربية العربية، وفي السياسات الإقليمية، بجانب موقع الدول التي ضربتها وتضربها رياح التغيير ودورها المحوري في الإقليم يجعل من التفاعل بين هذه التحولات وبين القضية الفلسطينية مشروعاً، والبحث فيه هاماً، فانعكاسات التحولات على السياق الفلسطينية حتمية، وانكشف جزء منها في الفترة الأخيرة على قصرها.

وتحدث أبو سيف عن تأثير روح الثورة فلسطينياً عبر هبة 15 آذار الجماهيرية المطالبة بإنهاء الانقسام، مؤكداً أن "حالة السكون التي فضلتها إسرائيل وتمتعت بها هلال العقدين الماضيين لن تدوم كثيراً، وستجد إسرائيل نفسها ملزمة في مواجهة تبعات التحولات العربية الإقليمية بعد أن ترسو سفن هذه التحولات على شاطئ الديمقراطية".

بدوره، استعرض انطوان شلحت، الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، الموقف الإسرائيلي من الثورات العربية.. وقال: قبل اندلاع الثورات العربية، خاصة الثورة المصرية، كان أحد كبار المستشرقين في إسرائيل قال إن الوضع الحالي الذي تجد إسرائيل نفسها في خضمه وضع مريح من ناحية نسبية، خاصة على الصعيد الأمني.

وأضاف شلحت: وكما أن الثورات العربية ستمر بعدة مراحل، فإن الموقف الإسرائيلي منها سيمر هو الآخر بمراحل عدة، ومهما تكن هذه المراحل هناك مرحلتان يجب التوقف عندهما، فعندما اندلع ثورة 25 يناير كانت ردة الفعل الإسرائيلية هي استشعار الخطر من هذه الثورة لأمرين الأول يتعلق بإلغاء اتفاق السلام الإسرائيلي المصري، والثاني حدوث تقارب ما بين مصر الثورة وما بين إيران، حيث ما زالت إسرائيل تعتبر إيران الخطر المصيري الوحيد الذي يتهددها، وهو ما عبر عنه الجنرال عاموس يادلين في مؤتمر قبل قرابة العشرة أيام .. الآن هناك شبه تأكد لدى إسرائيل من أن مصر لن تقدم على إلغاء اتفاق السلام، خاصة في ضوء إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية لذلك صراحة، لكن هناك تخوفا إسرائيليا بأن تتوقف عملية تجييش هذا الاتفاق لدفع ما يسمى بالسلام الإسرائيلي قدماً، فهذا الاتفاق وفق المنظور الإسرائيلي هو الركن الرئيس لما يعرف بالسلام الإسرائيلي.

وتابع: في الآونة الأخيرة دخلت على الخط ثورات أخرى، حيث لم تتوقف المسألة عند الثورة المصرية، أكثرها أهمية في القراءة الإسرائيلية هي الثورة أو الانتفاضة السورية.. ما تفعله إسرائيل إزاء الثورة السورية في الفترة الأخيرة هو أنها تشن حملة إعلامية منهجية حول ضلوع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في حماية كرسي بشار الأسد المهتز، وقمع حركات الاحتجاج، ومحاولة الاستفادة من بروز ملامح صراع إيراني تركي لإنهاء أزمتها التي تفاقمت مع تركيا، والتي بلغت ذروتها إثر سيطرتها على أسطول الحرية في أيار من العام 2010، مشيراً إلى أن السيناريو الأمثل الذي تحبذه إسرائيل في سورية، وورد على لسان رئيس الموساد السابق مئير داغان، هو أن يحل نظام سني مؤيد لواشنطن في سورية محل نظام الأسد، بما يتيح لإسرائيل إمكان تسوية النزاع الحدودي في الجولان، والاعتماد على الهلال الشمالي (سورية وتركيا) في الصراع ضد إيران، كبديل أو مكمل للحلف الذي ضعف مع مصر بعد ثورة 25 يناير.

الجلسة الثانية

وفي جلسة "المصالحة الفلسطينية"، التي أدارها المحاضر في جامعة بيرزيت د. مجدي المالكي في رام الله، والباحث محمد حجازي في غزة، كانت بداية الحديث لمحمد المدني، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي قال: لا يستقيم التفكير في بناء إستراتيجية تلبي التطلعات الوطنية الفلسطينية دونما طيٍ لصفحة الانقسام مرة واحدة والى الأبد. يخطئ بعضنا أحياناً في تناول الموضوع، عند تفسير وتبرير الاتجاه إلى المصالحة، إذ يربط ما بين استعادة الوحدة الفلسطينية من جهة والحركة السياسية الفلسطينية باتجاه الأمم المتحدة من جهة مقابلة، وكأن الوحدة الفلسطينية ليست سوى إجراء تكتيكي في خدمة هدف أكبر.. أي تسويف في تحقيق المصالحة سيبعدنا حتماً شوطاً بعيداً عن أهدافنا الوطنية في الحرية والاستقلال.

وأضاف المدني: لم يتأسس الانقسام على خطأ هنا أو هفوة هناك، بل جاء نتيجة اختلاف حاد في الرؤية والتوجهات والتحالفات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى عوامل محلية أخرى مثل غياب ثقافة الديمقراطية ونقص النضج السياسي وسهولة الاحتكام إلى السلاح لحل المشكلات الداخلية، وهذا يعني ان استعادة الوحدة ليست أمراً يمكن تحقيقه بمراجعة بسيطة أو بقرار عاجل.. ثمة شروط وظروف لا بد من توفرها قبل التأكد من أن المصالحة تمضي بخطى ثابتة نحو الوحدة.. لقد تحققت الآن بعض من هذه الشروط، ونوجزها بالحراك الشعبي الشبابي الذي مارس ضغوطاً على الفصائل الفلسطينية، والتحولات السريعة في العالم العربي، وهو ما فرض على القوى الفلسطينية مراجعة مواقفها وتحالفاتها في ضوء تلك التحولات، وازدياد وزن وتأثير الدور المصري في الساحة العربية، والمأزق الحاد الذي تواجهه عملية السلام في المنطقة نتيجة السياسات العنصرية المتهورة لليمين الإسرائيلي، وتراجع الإدارة الأميركية عن تعهداتها للفلسطينيين.. لقد هيأت هذه الشروط مناخاً مناسباً للشروع في المصالحة، والتقطت القاهرة الفرصة السانحة فدعت الطرفين، "فتح" و"حماس"، إلى اجتماع حاسم كانت نتيجته الاتفاق الذي تم التوصل إليه، ويجب أن نشير هنا إلى أن المناخ الايجابي وحده ليس كافياً لإتمام هذه العملية الشاقة، بل لابد من قرارات واضحة وإجراءات حاسمة من كلا الطرفين.

وشدد على أنه "ما لم نضع حساباتنا التنظيمية جانباً، وما لم نفهم أن وحدتنا هي الشرط الأول لقدرتنا على النهوض بمهامنا الوطنية، وما لم نتطلع إلى مصالحنا الوطنية كأساس لرسم توجهاتنا السياسية، وما لم نعيد ترتيب أولوياتنا في ضوء الواقع المتبدل أمامنا، فإن مصير المصالحة سيكون غامضاً ومتأرجحاً وغير مؤكد.. ليس بالضرورة أن يكون مشابهاً لمصير اتفاق مكة، حيث واجه الأخير فشلاً ذريعاً، لكن ليس بالضرورة أيضاً استعادة الوحدة الكاملة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني النموذجي.. قد يؤدي الاتفاق الجديد إلى استطالة اللحظة الراهنة، بمعنى الحفاظ على المناخ الايجابي دون المضي في الإجراءات الفعلية المؤدية للوحدة".

وأضاف: نعتقد جازمين أن تجاوز العقبات الأولى في طريق المصالحة سيجعل من تجاوز العقبات اللاحقة أمراً أكثر سهولة نسبياً.. الاتفاق على الحكومة ورئيسها سيؤدي لاحقاً إلى إحياء دور المجلس التشريعي وتشكيل الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية ومعالجة الأوضاع الأمنية الناشئة عن الانقسام.. من المستحيل قبول الوضع القائم كما هو، لأن قبوله يعني أن المصالحة لا تزيد عن كونها مصافحة، لكن الدخول في تفاصيل استعادة الوحدة على الصعيد الأمني والمؤسساتي وعلى صعيد المنظمة دون اجتياز عقبة الانتخابات يبدو أمراً صعباً ومستبعداً، ولذلك جاءت أجندة المصالحة لتعطي الأولويه لتشكيل حكومة توافقية تحضر للانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني.

من جهته، رأى إسماعيل الأشقر، عضو المجلس التشريعي، أن "الانقسام لم يتم بشكل مفاجئ، أو يحدث بين عشية وضحاها، بل كانت له أسباب وجذور لعل أهمها وجود برنامجين مختلفين على الساحة الفلسطينية، الأول: برنامج التسوية السياسية والمفاوضات الذي تتبناه حركة فتح وفصائل منظمة التحرير، والآخر: برنامج المقاومة والجهاد الذي تتبناه حركة حماس وفصائل المقاومة على الساحة الفلسطينية".

وأضاف: لعل من أهم الأسباب التي أدت لتوقيع اتفاق المصالحة هو تغيير النظام المصري بعد الحراك العربي الذي أدى إلى ذهاب الرئيس حسني مبارك، كما أن وصول مبادرات التسوية السياسية إلى الحائط، وانسداد جميع الآفاق أمام أي حراك سياسي، أدى إلى بحث أصحاب التسوية عن خيارات أخرى، وهذا هو السبب الثاني، ومن بين الأسباب التي دفعت إلى المصالحة، ضغط الشارع الفلسطيني على كلا الحركتين بإنهاء الانقسام والاستفادة من الحراك العربي والتغيرات الإستراتيجية بذهاب أنظمة دكتاتورية أساءت للقضية الفلسطينية إساءة بالغة وكسب هذا التعاطف العربي والجماهيري تجاه القضية الفلسطينية، والآثار السلبية السيئة للانقسام والتي أثرت على تركيبة المجتمع الفلسطيني.

وشدد الأشقر على ضرورة وضع الاتفاق موضع التنفيذ عبر اجتماع الإطار القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية، لوضع الأسس والآليات للمجلس الوطني الفلسطيني، ومعالجة القضايا المصيرية في الشأن السياسي والوطني واتخاذ القرارات بشأنها بالتوافق، ومتابعة تنفيذ القرارات المنبثقة عن الحوار، بحيث ينعقد الاجتماع الأول لهذا الإطار في القاهرة لبحث آليات عمله، وعبر تشكيل حكومة التوافق الوطني، وتتلخص مهامها بتهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وللمجلس الوطني، والإشراف علي معالجة قضايا المصالحة الداخلية الناتجة عن حالة الانقسام، ومتابعة عمليات إعادة إعمار قطاع غزة وإنهاء الحصار، ومتابعة تنفيذ ما ورد في اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني، ومعالجة القضايا المدنية والمشاكل الإدارية الناجمة عن الانقسام، وتوحيد مؤسسات السلطة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وتسوية أوضاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والخيرية، علاوة على ضرورة تفعيل المجلس التشريعي في الضفة وغزة، وإغلاق ملف المعتقلين السياسيين.

بدوره، ذهب الكاتب والباحث طلال عوكل، إلى أن "حركة حماس حاولت في السنوات الأربع الماضية أن تنجح في الجمع بين السلطة والمقاومة، لكنها اصطدمت كما اصطدمت فتح من قبل بصعوبة بل وربما استحالة هذه المعادلة في ظل معطيات ووقائع الصراع مع الاحتلال وفي ظل التمزق والتباعد الجغرافي بين المناطق المحتلة منذ عام 1967، والتي يفترض أن تكون ميدان تحقق الدولة الفلسطينية، وعليه اضطرت حركة حماس للالتزام بتهدئة غير منسق عليها مع الاحتلال، وإلزام الفصائل الأخرى بعدم تجاوز هذا الالتزام، ما يرفع علامة استفهام حول برنامج المقاومة، وحيث جاءت النتيجة العملية، تفيد بتآكل منطق وأداوت المقاومة، وتآكل القدرة على ممارسة السلطة وأداء واجباتها تجاه المجتمع على نحو مقبول شعبيا، وفي ظل صمت المقاومة على خلفية التهدئة، بدا وكأن حركة حماس في غزة تدير جماعة ولا تدير مجتمعا، ذلك أن إدارة المجتمع تحتاج إلى ميزانيات، وإلى انفتاح على العالم الخارجي، وتحتاج إلى شراكات سياسية ومجتمعية وهذه كلها عوامل لم تتوفر للحركة سواء لأسباب ذاتية أو موضوعية.

وأضاف عوكل: على الجانب الآخر، فإن الانقسام يقوض شرعية السلطة ومؤسساتها ورئيسها، ويفقد حركة فتح القدرة على توحد الشرعية العربية حول منظمة التحرير الفلسطينية، ويهدد أيضا بتناقض الدعم السياسي والمالي والشعبي للسلطة والمنظمة وحركة فتح .. لقد أصاب حركة فتح ما أصاب حماس من تناقض في شعبيتها، وفي ثقة الجمهور بالفصائل عموما، كما أنه لا يمكن مواصلتها الحديث عن المشروع الوطني الفلسطيني، ومواجهة التحديات المطروحة، بما في ذلك استحقاق سبتمبر أو حتى استحقاق استئناف المفاوضات إن وقع، طالما أن علامة استفهام كبرى ترتفع فوق رأس الشرعية والتمثيل الفلسطيني.

الجلسة الثالثة

وتناولت الجلسة الثالثة التي أدارها الناشط السياسي عمر عساف في رام الله، والباحثة هداية شمعون في غزة، ملف "الحراك الشبابي"، وتحدث فيه عدد من الناشطين من الشباب، كان أولهم فادي قرعان، الذي قال: علينا إعادة التفكير في الأهداف الفلسطينية لتوحيد الشعب الفلسطيني كله تحت شعار واحد، وللخروج من النهج التقني والفني الذي نجحت اسرائيل والولايات المتحدة بفرضه على القضية الفلسطينية من خلال المفاوضات، ولننتقل من خطاب الضحية التي لا تعرف ما تريد، وإنما تعرف فقط ما لا تريد، إلى خطاب تحرري، ولتفادي الوقوع في فخ وقعت فيه عدة شعوب، وهو استبدال ظلم المستعمر بظلم حاكم مستبد محلي الصنع، ولاعادة قضيتنا سياسياً وإعلامياً إلى مكانها كاستمرار للحركات التحررية الأخرى في التاريخ الإنساني، ولتكون خطوة في اعادة تثقيف الشباب الفلسطيني عن قضيته بشكل جذري وتحرري لا يدور حول تاريخ شعبنا والمجازر التي ارتكبت ضده فقط، ولنتفادى الوصول إلى حلول جزئية تتبين لنا وكأنها تحقق أهدافنا الوطنية ولكنها في الحقيقة تبعدنا عن الأهداف التاريخية لكفاحنا.

وحول الحراك الشبابي، قال سامر أبو رحمة: نحن تجمع مجموعات شبابية مستقلة ناشطة في المجتمع على الأرض وعبر الانترنت، تهدف لانهاء الانقسام الفلسطيني عبر حملة ضغط شعبي في جميع أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، وهدفنا العام العمل على تعزيز وتوحيد جهود الفلسطينيين لإنهاء الاحتلال من خلال تجاوز كارثة الانقسام السياسي ونتائجه، وذلك عبر تأمين أوسع مشاركة شعبية ممكنة لاعادة بناء اللحمة والوحدة الوطنية بين كافة قوى الشعب الفلسطيني، وحماية مشروعه الوطني، مشيراً إلى أن معظم أسماء المجموعات استمدت من تواريخ مهمة للفعالية أو لأحداث كبرى، فخمسة حزيران تأخر إطلاق اسمها لحين التواصل مع الضفة وإطلاق اسم المجموعة بدأت هنا، في حين شباب آذار انطلاقا من تاريخ الفعالية.

وفي ورقتها، التي عرضتها الناشطة هالة الشعيبي، تحدثت أسماء الغول عن تجربة التحركات الاحتجاجية الشبابية في قطاع غزة، والتي بدأت اجتماعية في بعضها، وضد قمع الحريات في أخرى، وسياسية أحياناً .. وقالت: الحراك الشبابي في غزة بدأ مع تبلور فكرة أسلمة المجتمع التي كانت تحاول حركة حماس بقيادتها لحكومة غزة فرضها بشكل واضح بعد الحرب الاسرائيلية على غزة والفراغ السياسي الذي اتسع عندها ما جعلها تتفرغ للشؤون الخاصة للمواطنين والحريات الفردية، الأمر الذي بذكرني بما بتجربة الحكومة السودانية حين أثيرت قضية الصحافية لبنى الحسين، والحكم بجلدها لأنها ارتدت بنطالا وكان هذا بعد الفشل السياسي والاقتصادي الذي واجهته الحكومة السودانية آنذاك، وتبلورت بداية عبر حركة اصحى الشبابية، لتأتي بعدها المفاجأة من غزة أعلى صوتاً وهو أول بيان يخرج عن شباب "الجايبو" أو "شباب نحو التغيير" على "الفيس بوك"، وقالوا بقوة انهم يريدون التخلص من فتح وحماس وإسرائيل لأنهم ثلاثة احتلالات قضوا على أحلام الشباب الفلسطيني، وتصدر خبر بيانهم معظم الصحف العالمية دون أن يفصحوا عن أسمائهم، وسرعان ما تأثرت هذه المجموعة بثورتي تونس ومصر وكذلك بقية المجموعات والمبادرات مثل إصحى، ونظرة، وصورة، ويوتوبيا، والتي كلما زاد الخناق على غزة والحصار الاسلاموي كلما برزت أكثر وأكثر، بثوب ثقافي أو نضالي أو اغاثي، واستمدت هي الأخرى قوتها في بداية العام الحالي من ثورتي تونس ومصر، وبدأ استخدام الانترنت يتجه بشكل اكبر نحو مناصرة القضايا الحقوقية وأصبح للعديد من الشباب حسابات على "تويتر" ومدونات وزاد استخدام "اليوتيوب".

وفي ذات الإطار، قال نائل المقادمة، رئيس الاتحاد العام للهيئات الشبابية في غزة: الحركات الشبابية الفلسطينية ليست دون جذور أو مقطعة الأوصال، بل هي نتاج تفاعل دائم في المجتمع الفلسطيني، الذي يتمتع بنسبة فتوة عالية، وهذا التفاعل وإن كان يخبو أحياناً ويشتد في أحيان أخرى، فإنه يمتاز بالديمومة، مشيراً إلى أن للانقسام كان له الأثر السلبي الكبير على الشباب الفلسطيني، حيث انقسموا فيما بينهم، وانعكس هذا جلياً في التشكيلات الشبابية الأخيرة، التي بعضها من "فتح"، وبعضها من "حماس"، أو حركات يسارية، أو مستقلين إلى حد ما.

الجلسة الرابعة

وفي الجلسة الأخيرة لليوم الدراسي حول "المفاوضات والخيارات البديلة"، وأدارها هاني المصري في رام الله، ومنسق شبكات المنظمات الأهلية في غزة محسن أبو رمضان، قال عوض عبد الفتاح، أمين عام حزب التجمع الوطني داخل الخط الأخضر: إسرائيل تتوقع انتفاضة ثالثة، وهي تحضر نفسها لذلك، ولا أدري إن كان الفلسطينيون مستعدون لمثل هذا الانفجار.. يمكن تلخيص التوقع الإسرائيلي بأن عشرات الآلاف سيقتحمون الجدار وربما يهدمونه، وعشرات الآلاف أو أكثر سيقتحمون الحدود، أي من اللاجئين، وهناك "عرب 48" الذين سينتفضون بشكل ربما أعنف من مشاركتهم في انتفاضة العام 2000.. البيئة السياسية الراهنة تتغير حول إسرائيل، حيث تتسع دائرة العداء بالنسبة لها، ويقلقها الآن دخول اللاجئين كعنصر في الصراع، حيث يتحول حق العودة من مجرد حلم وحنين إلى برنامج عمل، وهو ما لم يكن متوقعاً بالنسبة لإسرائيل أو للنظام السياسي الفلسطيني الرسمي، وهو عنصر جديد في الصراع يرعبها إضافة إلى التحولات العربية.. الغريب أن النظام السياسي الفلسطيني الرسمي نظر إلى هذه التحولات التي هي عناصر قوة للقضية الفلسطينية بشيء أو كثير من الريبة.

وأضاف عبد الفتاح: لقد أهمل الفلسطينيون داخل الخط الأخضر لفترة طويلة، ولم تهتم القيادات الفلسطينية بمكانتهم ودورهم في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي فترة لاحقة تم التعامل معهم بصورة خاطئة.. لابد من التعامل مع هؤلاء الفلسطينيين على أنهم جزء من الصراع، وجزء من الحل، ولابد أن يكون لهم دور في الاستراتيجية الفلسطينية التي يجري الحديث عنها في المنتديات والأحزاب الفلسطينية.

من جانبه، تحدث د. محمد غزال، الأستاذ في جامعة النجاح الوطنية، عن بدائل المفاوضات، وجاء في ورقته: لا بد من التأكيد على أن السلطة الفلسطينية وإن طرحت إعلاميا بعض الكلمات المتعلقة بالبدائل، إلا أن قلبها وهواها لا يزال مع المفاوضات، والمفاوضات فقط. وليس أدل على ذلك من سرعة استجابة السلطة لأية مبادرة تتضمن المفاوضات، ومنها المبادرة الفرنسية الأخيرة.

وأضاف حول نية القيادة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة لانتزاع اعتراف بدولة مستقلة على حدود العام 1967 في أيلول المقبل: ليس من الصعب ادراك أن هذا الخيار لن ينجح إن كان خيارا بديلا ووحيدا للعملية التفاوضية، فبالاضافة إلى الفيتو الأميركي والتحركات الأميركية الإسرائيلية الأخيرة الساعية لإجهاضه، وهو ما يكاد يؤكد احتمالية الفشل أكثر من احتمالية النجاح، فإن الإعداد الفلسطيني والعربي لهذه الخطوة لا يبدو متناسبا مع أهميتها المعلنة.

وحول خيار حل السلطة، قال: ليست هي المرة الأولى التي يعلن فيها مسؤولون فلسطينيون عن هذا البديل، ولم يكن أحد ليستطيع أن يرى أية نسبة من الجدية في اعلاناتهم تلك.. وفي رأيي أن حل السلطة خطوة لن تلجأ لها السلطة نفسها وستجد في الآلاف من موظفي هذه السلطة الذين ربطوا حياتهم برواتبها وميزاتها ومصالحها من يقف أمام هذا القرار، ويرفضه أكثر من الاحتلال.

ويخلص غزال إلى أن "قضية معقدة مثل القضية الفلسطينية لن تحل إلا باعتماد البديل الشامل الجامع لمجموعة كبيرة من البدائل بحيث يصهر مجموعة رؤى يضعها مجموعة من الخبراء تغطي مساحات شاسعة في حيز المكان ومساحات عميقة في عمر الزمان.. يجب إعادة القضية الفلسطينية إلى اطارها الصحيح والحقيقي، فهي قضية أرض احتلت و طرد أهلها منها، ومن بقي منهم في الأرض المحتلة فهو يعيش تحت الاحتلال مهما تغير طعم هذا الاحتلال ونكهته".

أما الكاتب والأكاديمي د. إبراهيم أبراش، فقال: العمل السياسي، خصوصا في حالة كالحالة الفلسطينية، فعل مركب ومعقد، تكون فيه كل الخيارات مطروحة.. ومن هنا فإن المفاوضات والمقاومة وإعادة النظر بوظائف السلطة والذهاب للأمم المتحدة كلها أمور مترابطة وتسير جنبا لجنب، فالعلاقة بين هذه الأمور ليست علاقة تعارض أو أن كلا منها بديل للآخر بل علاقة تكاملية.. وما يُمكِن من الاستفادة من كل منها هو وجود إستراتيجية وطنية تنسق وتوفق بينها.. المشكلة لا تكمن في أي من هذه الوسائل النضالية والسياسية بل تكمن في النظام السياسي الفلسطيني وتكمن في أزمة القيادة والمرجعيات لهذا النظام. ما يجري داخل النظام السياسي الفلسطيني من تفاعلات يؤثر سلبا أو إيجابا على الموقف الدولي من القضية الفلسطينية، فالمجتمع الدولي لا يمنح حقوقا سياسية للشعوب تلقائيا بل يُضطر للاعتراف بحقوق الشعوب التي تناضل دفاعا عن حقوقها ويُضطر للتدخل إذا ما شعر أن السلم والأمن الدوليين مهددان بالخطر.

وشدد أبراش على ضرورة إنجاح المصالحة الفلسطينية ليس كمصالحة بين "فتح" و"حماس" بل كمصالحة تعيد بناء المشروع الوطني استراتيجيا، وعلى ضرورة التمسك بخيار السلام والتسوية السلمية، خصوصا في ظل هذه المرحلة التي تشهد متغيرات عربية مفتوحة على كل الاحتمالات، وعلى أن القول بخيار التسوية السلمية وبالمفاوضات كآلية من آلياتها لا يتعارض مع تفعيل المقاومة الشعبية السلمية سواء على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل أو داخل الضفة والقدس، خصوصا إن كان هناك إصرار فلسطيني على الذهاب للأمم المتحدة في أيلول. كما شدد على ضرورة تغيير طاقم المفاوضات بإشراك القوى السياسية الأخرى في عملية التفاوض، وبتغيير فلسفة المفاوضات، وعلى الإصرار على الذهاب لمجلس الأمن أو الجمعية العامة سواء لاستصدار قرار ملزم أو اعتراف واضح بدولة فلسطينية مستقلة على كامل الضفة الغربية وعاصمتها القدس الشرقية، أو رفع الصفة التمثيلية من مراقب لعضوية كاملة، بغض النظر إن تمت العودة للمفاوضات أم لا، ذلك أن هذا القرار سيشكل مرجعية دولية ملزمة لأية مفاوضات قادمة، على أن يشتمل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين حتى لا يكون هذا القرار أو التوصية محطة من محطات التنازل.

واختتمت الجلسة بمداخلة للدكتور صائب عريقات، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس الوفد الفلسطيني المفاوض، والتي تطرق فيها إلى عدد من الأمور ذات العلاقة بتطورات الأوضاع السياسية على أكثر من صعيد، من بينها "استحقاق أيلول"، وقال: هناك من يقول أن أيلول سيكون موعداً للإعلان عن الدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا غير صحيح، حيث تم إعلان الاستقلال في الجزائر العام 1988، وهناك من يقول إننا ذاهبون للحصول على اعتراف من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بنا، وهذا أمر خاطئ، حيث أن اعتراف الدول أمر سيادي خاص بكل دولة، ولهذا اعترفت بنا عديد الدول في أميركا اللاتينية وغيرها.. ما نحن بصدد القيام به في أيلول هو المطالبة بعضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، ولذا أيلول سيكون البداية وليس النهاية، وهنا أؤكد أن تسعة أعضاء في مجلس الأمن بتركيبته الحالية يعترفون بدولة فلسطين، وبالتالي لدينا النصاب لتمرير القرار حال عدم استخدام حق النقض (الفيتو).. نحن لسنا بصدد قرار، بل نحن بصدد تقديم طلب عضوية لدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا حق لنا، لأن مكانة فلسطين كدولة في القانون الدولي أقرت في العام 1947.

وأضاف: الأسئلة المطروحة علينا الآن ماذا لو استخدمت الولايات المتحدة "الفيتو"؟ ومنذ العام 1946 إلى الآن استخدم "الفيتو" على عضويات للدول 59 مرة، 51 مارسها الاتحاد السوفييتي السابق، ومرتان للصين، وست مرات للولايات المتحدة الأميركية، فاليابان على سبيل المثال تعرضت للفيتو على عضويتها في الأمم المتحدة.. المسائل سياسية بامتياز أكثر منها قانونية دون التقليل من الشق القانوني.

وتابع عريقات: علينا الآن الابتعاد عن التكتيك وعن المناورة، وأن نعمل باتجاه إستراتيجية فلسطينية تستثمر الدعم الدولي الكبير للقضية الفلسطينية، والعزلة التي تعاني منها إسرائيل هذه الأيام.. لا مجال لنا لتحقيق ما نريد في الأمم المتحدة دون المصالحة الفلسطينية.. فلا يمكن تقديم طلب عضوية كدولة على حدود العام 1967 ونحن على ما نحن عليه الآن، وبالتالي يجب تحقيق المصالحة الفلسطينية، لأن فلسطين أكبر من "فتح" و"حماس"، وإذا كان العكس سيكون فهذه مشكلة.. الأمر الآخر الذي نريده هو الحصول على الدعم العربي في خطوتنا هذه، خاصة أن قيام فلسطين وعودتها إلى خريطة الجغرافيا لن يكون إلا لمزيد من الدعم والازدهار والرقي للدول العربية، ويجب ألا يتم تصدير الخوف إلى أية جهة عربية في حال نجاح هذه الخطوة، مشيراً إلى أهمية تصويت الاتحاد الأفريقي بالإجماع لمساندة فلسطين في هذا الطلب، وكذلك منظمة التعاون الإسلامي، وقمة عدم الانحياز، إضافة إلى الصين وروسيا، مشيراً إلى تحركات فلسطينية على صعيد الاعتراف بالدولة الفلسطينية في العديد من دول العالم بقاراته المختلفة بالتوازي مع تقديم طلب العضوية للأمم المتحدة، فلو تقدمت القيادة بطلب عضوية رمزي وعليه أكثر من 150 توقيعاً لدول أعضاء في الأمم المتحدة، فهذا بحد ذاته رسالة للأطراف التي تتربص بنا لـ"فيتو"، وما إلى ذلك.

وأضاف: وفق المواد المعتمدة للتوجه إلى مجلس الأمن، علينا تقديم الطلب بما لا يتجاوز منتصف تموز الحالي، علماُ أن أيا من دول العالم لم تلتزم بنصوص هذه المواد، فأربعة أيام فقط فصلت ما بين عضوية مونتنيغرو وتقديمها للطلب، في حين احتجز طلب مقدونيا لتسعة أشهر.. هناك خطأ يتكرر بأنه لو توجهنا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقمنا بتفعيل القرار 377 (الاتحاد من أجل السلام)، وحصلنا على ثلثي الأصوات، بإمكاننا الحصول على عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، وهذا أمر خاطئ، فلا عضوية دون إقرار من مجلس الأمن.

وكشف عريقات أن القيادة الفلسطينية دعت لجنة المتابعة العربية للاجتماع الشهر الجاري، لاتخاذ قرار عربي جماعي يتعلق بتوقيت توجه القيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير لتقديم طلب عضوية لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، "خاصة مع وجود آلة ضغط غير مسبوقة في التاريخ علينا ليس فقط لعدم التوجه إلى مجلس الأمن، فثمة آلة إحباط هي الفيتو الأميركي، بل أيضاً فيما يتعلق بالتوجه إلى الجمعية العامة، وحتى الحصول على دولة ليست عضواً، كالفاتيكان، والانتقال إلى هذا المكسب بدلاً من صفة المراقب الحالية، بل إن عددا من الدول الصديقة وتعترف بفلسطين طالبتنا بالتريث كي لا تقع في الإحراج، لكن حقنا في الاستقلال لا يخضع للمفاوضات.. المفاوضات وسيلة وليست هدفاً، والسلوك التفاوضي للأمم والشعوب يختلف باختلاف الظروف، لكن لا اختلاف في تحديد منظومة المصالح للشعوب التي تعرف ما تريده بعيداً عن الشعارات التي لا طائل منها والتنازلات التي لا كرامة معها".

وألمح عريقات إلى "مطالب أروبية متوقعة بدعم حصولنا على درجة أعلى في عضوية الأمم المتحدة، شريطة تنازلنا عن العضوية الكاملة بالتعهد بعدم التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لهذا الخصوص، وبالتالي هناك إيجابيات وسلبيات سواء في التوجه إلى الجمعية العامة أولاً ومن ثم مجلس الأمن، أو العكس"، داعياً إلى استنهاض العقول الفلسطينية للمشاركة في هذا النقاش.

وقال: التحولات الحاصلة في الوطن العربي تصب في صالح القضية الفلسطينية.. المواطن العربي بات يقول بصوت مرتفع "أريد أن أرى بعيني، وأتحدث بلساني، وأسمع بأذني"، وأي إنسان يقول بأن العربي غير مستعد للديمقراطية عنصري بامتياز.. يجب ألا نخشى من التحولات الديمقراطية، بل البحث عن ركائز للسير معها قدماً.

وأضاف عريقات: يمكن مساءلة المفاوض الفلسطيني على الوقت الذي أضاعه في المفاوضات، ويمكن التغني بصموده وثباته على ما أقره له القانون الدولي.. كان بإمكان الرئيس الشهيد ياسر عرفات الموافقة على عرض "كامب ديفيد" على 92% من الضفة و100% من غزة ولا يقتل محاصراً في المقاطعة، وكان بإمكان الرئيس محمود عباس القبول بكامل الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة دون القدس الشرقية كاملة، أو عودة اللاجئين.. إسرائيل تدرك تماماً الآن ما الذي ينطوي عليه حصول فلسطين على عضوية في الأمم المتحدة، وخطورة ذلك عليها، وكذلك يدركون ماذا سنحقق من مكاسب حتى في حال رفع تمثيلنا من عضو مراقب إلى دولة غير عضو، لذلك هناك خمسة مراكز إسرائيلية تعمل ليل نهار لتعطيلنا عن هذه المساعي.. لا أرى أي تناقض بين مساعينا هذه وبين الحفاظ على حل الدولتين.. نحن لا نريد مواجهة مع الولايات المتحدة أو صراعاً مع بعض دول أوروبا، بل نريد من العالم مساندتنا في إعادة فلسطين إلى جغرافيا العالم، متحدثاً عن مواقف عديدة تحدت فيها القيادة الفلسطينية الضغوطات الأميركية والدولية الممارسة عليها، وكانت شديدة للغاية ولا تزال، موجهاً الدعوة لجميع الفلسطينيين للالتفاف حول القيادة الفلسطينية في مسعاها بالتوجه إلى طلب العضوية كدولة في الأمم المتحدة.

(انتهى)

الصورة: من الجلسة الختامية لليوم الدراسي.

 

مشاركة: