الرئيسية »   14 تموز 2018

| | |
هل بمقدور الفلسطينيين وحدهم إسقاط "صفقة القرن؟

باسم زبيدي 

منذ إفصاح ترامب عن رغبته بحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في نطاق حل إقليمي أوسع بين اسرائيل ومحيطها العربي، تتوالى المواقف والتحليلات ازاء ذلك الحل الذي أصبح يعرف بصفقة القرن والذي لم يعلن عنه رسميا بعد. وتنقسم تلك المواقف والتحليلات ازاء تلك "الصفقة" بين معارض ومؤيد وصامت ومتردد. من البديهي ان يكون الفلسطينيون من المعارضين لها كونها تأتي، وفق ما رشح من تسريبات، لتبتلع ما تبقى لهم من حقوق وطنية، كافحوا من أجلها عقود طويلة. كما من البديهي أيضا أن تكون اسرائيل من المؤيدين لها بحماسة والمبتهجين بها، ليس فقط كونها ستنقلها من دولة محتلّة وطارئة الى دولة "شرعيّة" وأصيلة في المنطقة، وإنما أيضا لانها ستجعل منها كيانا صديقا وحليفا للعرب بوجه الآخرين من "فرس" وأتراك وغيرهم. 

هذا المقال يحاول الاجابة على السؤال التالي: هل بمقدور الفلسطينيين التصدي لهذه الصفقة التي أسميها مبادرة/خطة؟ ما أزعمه هو ان التصدي لها وإسقاطها أمر صعب، ان لم نقل أنه مستحيل، لثلاثة أسباب. الأول يرتبط بحقيقة ان جوهر تلك المبادرة/الخطة هو قديم أنتجته وتبنّته الإدارات الأمريكية المتعاقبة ولم يتمكن الفلسطينيون سابقا من التصدي لها بنجاح، والثاني ان الفلسطييين اليوم هم اقل قدرة من أي وقت مضى للتصدي لِما لا يرغبون من صيغ سياسية، حيث يفتقدون الحد الادنى من المقومات والأدوات اللازمة لإسقاط تلك المبادرة، والثالث امتلاك اسرائيل القدرة وموارد القوة المتنوعة المطلوبة لمنع إسقاطها رغم رفضها من قِبَل الفلسطينيين.  

العنصر الأول يرتبط بطبيعة تلك المبادرة التي هي بجوهرها أمريكية بالعموم أكثر منها ترامبية المنشأ، وتأتي كتتتويج نوعي لسنوات طويلة من الجهود الاسرائيلية واليهودية الجبّارة التي هدفت الى دفع الولايات المتحدة إلى الإنحياز التام لاسرائيل، الأمر الذي اقتضى مناصبة الفلسطينيين العداء والتنكر لحقوقهم الوطنية، بصرف النظر عن من يسكن البيت الأبيض او من يسيطر على غرفتيْ البرلمان الأمريكي، سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين. هذه المبادرة تأتي اذن كمحصلة لجهد منظم وتدريجي وتراكمي وتحمل مضامينها بصمات الإنحياز لجميع الادارات الامريكية السابقة دون استثناء. 

التقاطع بين توجهات الادارات الامريكية المختلفة هو اعظم بكثير مما هو مُختَلفٌ عليه بخصوص اسرائيل، ما يعني ان مبادرة ترامب لا يمكن ان تكون الا محط إجماع في مؤسسات الحكم ودوائر صناعة القرار ومستويات التأثير المختلفة. فهي ليست سوى ترجمة لما هو مشترك بين الادارات المختلفة إزاء اسرائيل منذ نشأتها، سواء تمثّل ذلك بمعارضة ترومان وايزنهاور الشديدة لعودة اللاجئين الفلسطينيين، أو باعتبار جون كندي العلاقة مع اسرائيل التزاما امريكيا وطنيا، أو دعوة ليندون جونسون الى توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية، او بتولي كيسنجر اليهودي الصهيوني ملف الصراع بين اسرائيل والعرب في فترة ولاية نيكسون، أو بإخراج وتحييد كارتر لمصر من دائرة الصراع عبر اتفاقات كامب ديفيد، أو بتقديم ريغان الدعم اللامحدود لاسرائيل لمواجهة التمدد الشيوعي في المنطقة، أو باستناد إدارة بوش الاب كليا الى الشروط الاسرائيلية فيما أسماه صنع السلام مع الفلسطينيين، أو بإحاطة بل كلينتون نفسه بالصهاينة مثل مدير ال "سي آي اي" "جيمس وولسي" و رئيس البنتاغون "ليه آسبين" وصمته المطبق ازاء الجرائم الاسرائيلية، وهو ذات الرئيس الذي اعتبره بعض الفلسطينيين صديقا لهم، أو بتفكيك إدارة بوش الإبن للعراق ودعمه لشارون في محاصرة ياسر عرفات والتخلص منه لاحقا، ووقف المساعدات شبه الكامل للفلسطينيين بعد فوز حركة حماس عام 2006، أو بزيادة اوباما مخصصات الدعم لاسرائيل لتصل 4 مليارات دولار سنويا!

مبادرة ترامب اذن ليست جديدة كما يظن البعض، فهي تعكس ذات الانحياز الامريكيي التام التقليدي لاسرائيل، وهي لا تخرج عن ذلك الا شكليا، بحكم وجود رئيس يتسم بصراحة ملفتة أكثر ممن سبقه من رؤساء، حملته على إماطة اللثام عن كُنه العلاقة الامريكية الاسرائيلية بعيد عن الديبلوماسية والمجاملة وربما التضليل الذي مارسه من سبقه من رؤساء أمريكيين. 

ما اقصده هنا هو ان ما لدى ترامب من ميول سياسية وما يتلوها من مواقف تجاه اسرائيل وصراعها مع الفلسطينيين لا يجوز فهمه بمعزل عما تم التمهيد له من قبل المسؤولين الامريكيين في الإدارات المختلفة منذ تأسيس دولة الاحتلال. بمعنى، انه رئيس مؤتمن على تركة سياسية لا يستطيع تجاهلها، وهي أحد أهم ثوابت السياسة الخارجية الامريكية. الخلاصة هنا هي ان جوهر هذه المبادرة ثابت لا يتغير بتغير الاشخاص، كونه يُمثل المصالح المشتركة، ما يجعل من غير المتخيل أن ينجح أي رئيس أمريكي بتغييره، حتى لو كان أسودا كأوباما أو امراة كهيلاري كلينتون التي كانت قاب قوسين من الفوز بالرئاسة الامريكية.

ان مبادرة ترامب هي في الواقع ليست أكثر من إعادة انتاج لمواقف الادارات الامريكية السابقة ازاء اسرائيل، فهي تؤكد ذات المرتكزات التقليدية التي تنبثق من أولوية الحفاظ على الامن الاسرائيلي والتعهد ببقائها دولة يهودية، هي الأقوى في المنطقة عسكريا واقتصاديا، وتمكينها من من بلوغ ذروة القدرة على رفض ما لا ترغب وفرض ما تريده بالقوة على الفلسطينيين. من البديهي ان يقتضي ذلك تنكرا أمريكيا تاما لحقوق الفلسطينيين، حتى بحدودها الدنيا، بما في ذلك معارضة حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وعدم العودة الى حدود عام 1967، وقبول القدس كعاصمة لاسرائيل، ومنح الفلسطينيين حكما ذاتيا لا أكثر، رغم تسميته دولة أحيانا، وكذلك التطبيع مع البلدان العربية والتعاون الاقتصادي الاقليمي وإنهاء الصراع في المنطقة ككل. هذه المرتكزات دون غيرها، ترى بها الولايات المتحدة اليوم أساسا وحيدا لتسوية الصراع بين اسرائيل والفلسطينيين.  

بناء على ما تقدم، يصير السؤال ما السيء الجديد في مبادرة ترامب ولم يكن حاضرا في مواقف الادارات الامريكية السابقة؟ أظن ان الاجابة ليست بحاجة الى عناء كبير! أيضا، ما الذي يمكن ان يفعله الفلسطينيون إزاء مبادرة ترامب "الجديدة" القديمة والمجحفة بحقوقهم؟ هل عليهم قبولها أم رفضها؟ إن كان خيارهم رفضها، وهذا ما يتضح حتى هذه اللحظة، يصير السؤال: ما المطلوب للتصدي لها أو لتخفيف شرورها بنجاح، وهل نمتلك الارادة السياسية اللازمة والادوات المناسبة لإسقاطها؟ وما الصيغة أو المبادرة التي سيقبلها الفلسطينيون بعد ذلك؟  على الرغم من أهمية هذه الأسئلة، لا زال النقاش الجدى حولها غائبا أو ضعيفا في أحسن الأحوال، حيث تأتي المواقف والتصريحات التي ترشح هنا وهناك مبعثرة ارتجالية وفاقدة للجدّية المطلوبة، كما تأتي مضللة احيانا عندما تأتي على صيغة القول ان صفقة ترامب لن تمر ولن تنطلي على الفلسطينيين، وانها ستفشل كبقية المبادرات المجحفة السابقة، لكن دون آيضاح من سيقوم بذلك وأين وكيف سيتحقق ذلك!!  

ان التصدي الجاد والناجح لتلك المبادرة المجحفة يستدعي الانتباه إلى ثلاثة عناصر هامة هي فهمٌ رصين ِلكُنْه العلاقة الامريكية الاسرائيلية، وتوفر فعلي للإرادةٌ السياسية الصلبة، واعتماد صادق لأدوات عمل فعّالة. هذه العناصر بمجموعها غير موجودة في واقع الفلسطينيين. فعلى صعيد فهم العلاقة الامريكية مع اسرائيل، وبالتالي مبادرة ترامب، لا زال الفلسطينيون لا يرون انها أمريكية عابرة للإدارات، وانها تختزن في ثناياها مواقف وميول وتوجهات الادارات السابقة المؤيدة جميعها لاسرائيل، أكثر منها مبادرة شخصية لترامب. كما لا يلمس الفلسطينيون أيضا خطأ وخطورة اختزال السياسة الخارجية بشخص الرئيس الامريكي، وعدم الانتباه الى مؤثرات أخرى هامة كالبرلمان وجماعات المصالح والمؤسسات المالية والاعلامية والرأي العام وغيرهم، الامر الذي يحول دون فهم منطلقات السياسة الامريكية، ومن ثم عدم التصدي الناجح لارتداداتها السلبية على مسيرة تحررهم. 

ان التصدي الناجح لمبادرة ترامب يستلزم أولا: فهم البيئة التي أنتجت تلك المبادرة بعيدا عن التسطيح والذاتية ليتسنى مجابهتها، وهذا لا يتم الا في اطار رؤية سياسية واضحة واستراتيجيات وأدوات قادرة على خدمة تلك الرؤية،  تكون محصنة بتماسك وطني، وبصيغة غير اقصائية لاتخاذ القرارات، لا تقتصر على رئيس أو شلة أو فصيل كما هو الحال اليوم. ان عدم الانتباه الى هذا الامر والامعان بالاقصاء الداخلي هو بمثابة استدخال مجاني غير مباشر لصفقة ترامب، التي تهدف هي أيضا إلى إقصاء الفلسطينيين وتفتيتهم بغرض إضعافهم كي لا يستطيعوا صد ما لا يريدون. 

ثانيا: توفر ارادة سياسية فلسطينية صادقة لمجابهة التحديات، والتي هي اليوم ضعيفة وواهنة في ظل تأثير الانقسام وتآكل شرعية حواضن الارادة السياسية من رئاسة ومجلس تشريعي ومنظمة التحرير وأحزاب السياسية، وكذلك في ظل التمزق الجغرافي والديمغرافي وسوء الاوضاع الاقتصادية المتفاقمة، وفي ظل تحول السلطة إلى عبء على التحرر بعد ان أصبحت ساحة صراع مركزية بين فتح وحماس، الأمر الذي يشير الى غياب الارادة السياسية الحقة عن النخبة السياسية للتحرر والانعتاق. 

ثالثا: توفر أدوات مناسبة تمكّن الفلسطينيين من مجابهة مبادرة ترامب، أهمها الأداة الجماهيرية، والتي هي اليوم ضعيفة وغير قادرة على تحقيق ذلك، فالشارع أضحى منقسما، والفجوة بينه وبين النخب السياسية كبيرة، ودور أجهزة الأمن في تعاظم مستمر، كما هي أيضا معدلات عزوف الناس عن السياسة لصالح البنوك والرياضة ووسائل التواصل الاجتماعي. كل ذلك يشير الى عدم جاهزية الأداة الجماهيرية لمجابهة مبادرة ترامب بشكل جدي. 

إن النجاح في صد مبادرة ترامب المجحفة والخطيرة هو أمر ممكن لكن ليس قبل ان تمتلك القيادات الفلسطينية إرادة سياسية صادقة للتحرر والانعتاق يمكن تلمّس تجلياتها على الأرض، وليس دون ان تستحصل شرعيتها عبر انتخابات حرة ونزيهة، بعيدا عن التسلط والقمع الأمني أو الاستسلام للأمر الواقع كما هو الحال اليوم في كيانيْ رام الله وغزة.

 

مشاركة: