الرئيسية » الكتاب »  

| | |
حتى لا يكون حوار القاهرة حوار طرشان

 

بدأ الحوار المقرر بين "فتح" و"حماس" في القاهرة في محاولة قال الرئيس إنها أخيرة؛ ليتقرر بعدها هل ستكون هناك شراكة أم لا؟

أول ملاحظة تطرح نفسها: لماذا الحوار ثنائي وليس وطنيًا شاملًا. لو كانت القضايا المطروحة على جدول الأعمال تخص العلاقات الثنائيّة لكان يمكن تفهم الحوار الثنائي، لكنها قضايا وطنيّة من الدرجة الاًولى، بل مصيريّة يؤثر الاتفاق عليها على الكل الفلسطيني، وعواقب عدم الاتفاق عليها كارثيّة، سيكون عنوانها الأبرز العودة إلى مربع الانقسام بأسوأ أشكاله، لأننا لم نغادر الانقسام بالرغم من "اتفاق القاهرة" و"إعلاني الدوحة والشاطئ" وتشكيل حكومة الوفاق الوطني، فما حدث حتى الآن مجرد إدارة للانقسام، وعندما قلنا ذلك في حينه اتُهِمْنا بأننا لا نريد الوحدة، وبدأنا نسمع مؤخرًا عن حكومة الظل في غزة، وأن حكومة الحمد الله ليست أكثر من طربوش، أو أنها حكومة الضفة فقط.

أي حوار ثنائي معرض للفشل أو إلى التوصل إلى نوع من المحاصصة الثنائيّة الفصائليّة. وأي حوار من دون أن يتناول القضايا المصيريّة الجوهريّة التي تم تجنب معظمها في السابق، ويسعى للاتفاق على مقاربة شاملة؛ يكون مجرد إضاعة للوقت واستهلاكًا للرأي العام الضاغط من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

لا أستطيع أن أفسر: لماذا ترضى الفصائل الأخرى أن يكون الحوار ثنائيًا بعد أن بدأ في القاهرة في العام 2009 حوارًا وطنيًا، ثم تم التوصل إلى "اتفاق القاهرة" ثنائيًا حيث كانت الفصائل الأخرى مثل "شاهد الزور" حين طُلِب منها أن تُوَقِعَ بالموافقة عليه من دون تعديل، وحين قال بعض ممثلي الفصائل إن لديهم تحفظات على بعض النقاط، قيل لهم سجّلوا هذه التحفظات بعد التوقيع، لدرجة دفعت أحد ممثلي الفصائل إلى كتابة "شاهد ما شافش حاجة" بعد توقيعه.

عند الحاجة يتم استدعاء الفصائل مثلما حصل عند الحوار الذي أفضى إلى "إعلان الشاطئ" وتشكيل الوفد المشترك لمفاوضات وقف إطلاق النار في المرحلة الاًولى، أما في المفاوضات التي ستجري غدًا فقد تم تقزيم الوفد واقتَصر على ممثلي كل من "فتح" و"حماس" والجهاد الإسلامي، مع أن الوفد كان يمكن أن يستمر للاتفاق على رؤية واحدة التي يمكن أن يحملها فرد أو اثنان أو ثلاثة منهم لنقلها للمصريين وبعد ذلك للإسرائيليين.

وعندما لا تكون هناك حاجة يتم استبعاد الفصائل الأخرى مثلما حصل عند التوقيع على "اتفاق مكة" ومن بعده "إعلان الدوحة"، وفي مشاورات تشكيل حكومة الوفاق، فهم تحت الطلب، ومستعدون للموافقة في الحالتين، ومعظمهم لا يقومون حتى بالاعتراض العلني.

نَصَحْتُ ممثلي تنظيم واحد على الأقل بعدم التوقيع على شيء لم يشاركوا في التوصل إليه، من دون أن يعني عدم التوقيع الرفض أو السعي لتعطيل الاتفاق، وإنما يمكن مباركته من دون تحمل المسؤوليّة عنه، وبذلك يقدم نوعًا من الاحتجاج المعبِّر على استبعادهم.

قد يكون رد فصيل أو كل هذه الفصائل أن من الأفضل أن تتحمل "فتح" و"حماس" المسؤوليّة عما جنت أياديهما، وهذا صحيح، ولكنه يفترض عدم توقيع الفصائل إذا لم تشارك في الحوارات من البداية حتى النهاية.

وقد يكون رد ممثلي الفصائل إن ميزان القوى على الأرض هو الذي يجعل ما يحصل ممكنًا، ولكن السؤال هو: إذا لم يكن للفصائل أو لبعضها دور ملموس ووزن فكيف سيصبح لهم ذلك؟ وما الطريق لتغيير ميزان القوى إذا استمرت الفصائل من دون مبادرة تميزها وتفرض إشراكها.

لو طرح فصيل أو أكثر من التي تسمي نفسها ديمقراطيّة أو يساريّة أو تقدميّة أو قوميّة ... إلخ رؤية بديلة وجسّد ممارسة جديّة لتطبيقها؛ لتم كسر هذا الاستقطاب الثنائي الحاد المستمر منذ زمن، والمرشح للاستمرار ما دام لم ينشأ تيار ثالث وطني ديمقراطي قادر على تقديم خشبة الخلاص.

الرئيس بحاجة إلى الحوار بعد فشل مهمة كيري والرفض الأميركي لمبادرته، ولأنه لا يستطيع أن يقيم  الدولة في الضفة الغربيّة وقطاع غزة من دون اتفاق مع "حماس" المتحكمة بغزة. فهو يريد من الحوار الثنائي موافقة "حماس" على شروطه، وأهمها سلطة واحدة وسلاح واحد، وتمكين حكومة الحمد الله من الحكم بشكل كامل، وإنهاء حكومة الظل الحمساويّة، وعدم الالتزام بتحمل المسؤوليّة عن رواتب موظفي حكومة "حماس"، وخصوصًا أفراد الأجهزة الأمنيّة؛ لذلك أعلن الحمد الله أن كل دول العالم نصحت بعدم صرف رواتب هؤلاء الموظفين، بالرغم من أن هناك معلومات تفيد بأن هذه المسألة حُلَّت، وتم الحصول عن عدم ممانعة أميركيّة، وحتى إسرائيليّة، قبل تشكيل الوفد الفلسطيني المشترك الذي فاوض على اتفاق "وقف إطلاق النار"، فالأموال ستقدم من قطر والتوزيع سيتم بواسطة الأمم المتحدة.

وإذا لم توافق "حماس" على شروط الرئيس فلتتحمل المسؤوليّة عن العودة إلى الانقسام واستمرار الحصار وعدم إعادة الإعمار.

الأمانة تقتضي القول إن الرئيس يمكن أن يكون أعاد حساباته وتراجع عن بعض شروطه، وتحدث عن حوار ممتد وليس جولة واحدة، وعن بقاء "شعرة معاويّة"، بدليل حديثه عن الالتزام بإعادة الإعمار بغض النظر عن نجاح حوار "فتح" و"حماس" أو عدم نجاحه. ونأمل أن يكون هذا موقفًا جديدًا يتناسب مع ضرورة الاستعداد للمجابهة التي تبدو حتميّة إذا أصر الرئيس على ضرورة التزام إسرائيل والولايات المتحدة أو مجلس الأمن بخطة إنهاء الاحتلال خلال مدة زمنيّة محددة، وإلا فإنه سيوقف التنسيق الأمني، وسينضم إلى الوكالات الدوليّة، بما فيها محكمة الجنايات الدوليّة.

أما "حماس" فتريد من الحوار الاحتفاظ بسيطرتها على غزة، وعدم الاستعداد للتنازل عنها إلا مقابل اقتسام السلطة والمنظمة مع "فتح"، أو على الأقل اقتسام السلطة في غزة، لأنها مضطرة للشراكة في غزة حتى يتم رفع الحصار أو تخفيفه، وإعادة الإعمار، وصرف رواتب الموظفين، لأن شروط المجتمع الدولي وخصومتها مع مصر تجعل من المستحيل أن تحقق ذلك وحدها، أو تعود إلى سيطرتها الانفراديّة لأن المصالحة لم تحقق لها أيًّا من مطالبها.

إذا أردنا حلًا حقيقيًا يتجاوز إدارة الانقسام والمحاصصة لا بد من السعي للتوصل إلى اتفاق شامل على المنظمة والسلطة، ومختلف القضايا الجوهريّة، بما فيها الحكومة، وتشكيل قيادة واحدة على أساس شراكة سياسيّة حقيقيّة وإستراتيجيات جديدة، من خلال تفعيل وانتظام عمل الإطار القيادي المؤقت بما لا يمس مؤسسات المنظمة، وإلى حين إجراء انتخابات المجلس الوطني، أو التوافق الوطني على إعادة تشكيل مؤسسات المنظمة إلى أن تتوفر الفرصة المناسبة لإجراء الانتخابات.

كما يتضمن الحل تشكيل حكومة جديدة تكون حكومة متوافقًا عليها من مختلف ألوان الطيف، وليس حكومة الرئيس فقط، لكي تسيطر على الضفة وقطاع غزة، وتسعى لتوفير مقومات الصمود، خصوصًا في المناطق المعرضة للمصادرة والاستيطان ولاعتداءات قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين، وتعمل على فك الحصار وإعادة إعمار غزة، من دون هيئة وطنيّة تشاركها في ذلك، إضافة إلى إطلاق سراح الأسرى. كما تعمل على إعادة تشكيل وتوحيد وإصلاح الأجهزة الأمنيّة، ويمكن البدء بجهاز الشرطة، لأنه الأقل صعوبة وتعقيدًا، ولوجود حاجة ملحة له.

كما أن هناك حاجة إلى وضع إستراتيجيّة للمقاومة، والاتفاق على مرجعيّة واحدة للأجنحة العسكريّة المقاومة، والفصل التام فيما بينها وبين أفراد الشرطة والأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة، وتعزيز المقاومة في كل منطقة وفقًا لظروفها، إضافة إلى التركيز على المقاطعة وملاحقة إسرائيل من أجل فرض العقوبات عليها وعزلها، وما يتطلبه ذلك من التوقيع على كل الاتفاقيات الدوليّة، والانضمام إلى الوكالات الدوليّة، خصوصًا محكمة الجنايات.

وإلى وضع إستراتيجيّة واحدة للتحرك السياسي، تضمن أن أي مفاوضات يجب أن تكون على أسس ومرجعيّة واضحة وملزمة وفي إطار دولي مستمر وجدول زمني قصير، لتكون مفاوضات لتطبيق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وخصوصا القرار 194 الذي يضمن حق العودة، وقرار الجمعيّة العامة الذي اعترف بدولة فلسطين على حدود 1967. 

Hanimasri267@hotmail.com

 

 

 

مشاركة: