الرئيسية » تقدير موقف » رامي الشرافي »  

| | |
إمكانية إصدار عملة وطنية فلسطينية والتخلي عن "الشيكل"

 


(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي" 2018 الذي ينفذه مركز مسارات).
 

مقدمة

قررت الحكومة الفلسطينية، بتاريخ 6/2/2018، تشكيل لجنة من الوزارات المختصة للبدء بإعداد الدراسات والمقترحات للشروع في خطوات لفك الارتباط مع الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك تشكيل لجنة لدراسة الانتقال من استخدام عملة "الشيكل الإسرائيلي" إلى أي عملة أخرى، وإمكانية إصدار عملة وطنية.

هل السلطة الوطنية الفلسطينية قادرة على تنفيذ هذا القرار، رغم قيود بروتوكول باريس الاقتصادي، أحد ملحقات اتفاق "أوسلو"، وما أثر تطبيق هذه الخطوة على الاقتصاد الوطني الفلسطيني؟

تبقى هذه الخطوة مستبعدة، في ظل استمرار وجود عراقيل تتمثل في الجانب الإسرائيلي، وأخرى لها علاقة بالجانب الفلسطيني نفسه، إذ إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والمحددات التي فرضها بروتوكول باريس، إلى جانب ضعف الإنتاج الفلسطيني، واستمرار الانقسام الداخلي، وتراجع السيادة الفلسطينية، كلها عوامل تجعل سيناريو إصدار عملة وطنية ضعيف الاحتمال.

رابط مباشر للقراءة أو التحميل 

 

تطور العملات في فلسطين

بعد احتلالها لفلسطين العام 1917، أوقفت بريطانيا التداول بالنقد العثماني الورقي والذهبي الذي كان متداولًا في فلسطين، في حين سمحت رسميًا بتداول العملتين المصرية والإنجليزية حتى شباط 1918. ومن ثم، أصدر المندوب السامي البريطاني  العام 1927 مرسوم النقد الفلسطيني الذي استبدل الجنيه المصري بالفلسطيني.

بقي الجنيه الفلسطيني متداولًا منذ بدء مجلس النقد الفلسطيني بسك النقود الجديدة أواخر العام 1927 وحتى قيام الدولة العبرية، غير أن بريطانيا قررت في 22 شباط 1948 خروج فلسطين من منطقة الإسترليني، وفرضت تجميدًا كاملًا على الأموال الفلسطينية الموجودة في بريطانيا، وحظرت خروجها منها، بموجب قيود قانون "الدفاع المالي الإنجليزي". وبلغت قيمة الأموال المجمدة (130) مليون جنيه إسترليني، منها نحو (76) مليونًا كأرصدة بنكية، و(54) مليونًا على صورة سندات لتغطية النقد. كما استولت بريطانيا على مزيد من النقود المودعة في البنوك لدى  انسحابها، في حين استولت الدولة العبرية على الباقي.

بعد نكبة 1948، قامت إسرائيل باستبدال ما لديها من جنيه فلسطيني بالليرة الإسرائيلية واستبدلته من بريطانيا بالذهب، وكذلك عملت الأردن على استبدال الجنيه الفلسطيني بالدينار الأردني، واستبدلت النقد الفلسطيني من بريطانيا بالذهب. كما استُبدل النقد الفلسطيني بالنقد المصري في قطاع غزة في العام 1951.[1]

 

خضوع الاقتصاد الفلسطيني لسياسات الاحتلال (1993-1967)

بعد احتلالها ما تبقى من أراضي فلسطين في العام 1967، أصدرت "إسرائيل" أمرًا عسكريًا بإغلاق فروع البنوك العربية العاملة في فلسطين، وتجميد أرصدتها، ونقل الموجود فيها إلى حسابات خاصة بها لدى البنك المركزي الإسرائيلي. ومنعت التعامل بالعملات الأجنبية والذهب، وأعلنت بأن الليرة الإسرائيلية هي العملة القانونية الوحيدة المسموح تداولها، وحظرت على المصارف بيع الدينار، أو تسليم دينار مقابل أي عملة أخرى إلا بموجب ترخيص مسبق.

وخضعت المناطق الفلسطينية للترتيبات النقدية في "إسرائيل" حتى العام 1994، وعليه أصبحت العملة الإسرائيلية هي المعتمدة في تسوية المدفوعات المحلية. أما نظام المدفوعات الدولي فقُيّد عبر إخضاع المناطق الفلسطينية للقوانين الإسرائيلية الصارمة المتعلقة بالقطع الأجنبي، إذ ساهمت هذه القوانين في بناء احتياطات عملة أجنبية إسرائيلية، فضلًا عن قبض قيمة الصادرات والواردات الفلسطينية بالشيكل، ما يعني خسارة للاقتصاد الفلسطيني، يوازي فرق سعر تحويل العملة.[2]

 

أهمية إصدار عملة وطنية

يجمع الخبراء الاقتصاديون على أن العملة الوطنية تعد من رموز سيادة الدولة، لا سيما أن وجودها يعني الحد من الارتهان للتبعية لعملات أجنبية، إضافة إلى تعزيز الاستقلالية الاقتصادية، وتبني سياسات مالية داعمة لتحقيق الأهداف الاقتصادية للدولة.

من الفوائد التي قد يحققها الاقتصاد الفلسطيني من وجود عملة وطنية المساهمة في تمويل القطاع العام، من خلال الإيرادات المتأتية من سك العملة، ما يتيح للحكومة إصدار سندات وأذونات لمساعدتها في معالجة عجز الموازنة وتقليل حجم الاعتماد على الخارج، إضافة إلى تخفيض قيمة العملة وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد لتشجيع التجارة، والمساهمة في حماية ومراقبة وتنظيم النظام المالي من خلال تحسين دور المقرض كملاذ أخير، بدلًا من التنازل عن دور الرقابة على النظام المصرفي للسلطات النقدية صاحبة العملات المتداولة في الأراضي الفلسطينية.[3]

كما يمكن أن يحقق إصدار عملة فلسطينية مستقلة الاستقرار النسبي في السياسة النقدية والمالية في فلسطين، واستقلالية السياسة الاقتصادية الفلسطينية، والتحكم بالمتغيرات الاقتصادية، والحد من مشكلتي البطالة والتضخم عبر سياسات تلائم كل مشكلة اقتصادية، إضافة إلى قدرة القطاع الخاص على مواكبة التغيرات باستمرار، واستقطاب رؤوس أموال فلسطينية في الخارج، إذ تبلغ استثمارات الفلسطينيين في الخارج، بحسب بعض التقديرات، ما بين 80-150 مليار دولار.

ويعود عزوف أصحاب رؤوس الأموال في الخارج إلى عدم استثمار أموالهم داخل الوطن بسبب عدم استقرار الحالة الأمنية والسياسية، سواء في الضفة الغربية حيث السيطرة الإسرائيلية على مصادر الموارد الطبيعية، أو في قطاع غزة بسبب الحصار وإغلاق المعابر وانقطاع التيار الكهربائي وتدمير المشاريع الاقتصادية.

يعد الاقتصاد الإسرائيلي الأكثر تضررًا من توجه الفلسطينيين إلى إصدار عملة وطنية لأسباب عدة، أهمها أن الضفة والقطاع يستحوذان على 8-10% من مجمل النقد الذي يصدره البنك المركزي الإسرائيلي، إذ تعتبر الأراضي الفلسطينية مصدر ريع مهم للشيكل.[4]

 

دور بروتوكول باريس الاقتصادي في تعطيل إصدار العملة الوطنية

جاء اتفاق باريس الاقتصادي محددًا لمعالم الترتيبات النقدية في الفترة الانتقالية، إذ أُنشِئت سلطة النقد الفلسطينية، ولها كافة الصلاحيات التي يتمتع بها أي بنك مركزي ما عدا إصدار العملة. وكان الهدف الرئيسي لسلطة النقد إقامةَ جهاز مصرفي سليم، فمنحت سلطة النقد التراخيص للبنوك، كما شكّلت البنوك الوطنية ما نسبته 50% من إجمالي البنوك والفروع العاملة في فلسطين.[5].

تميزت أبرز محددات هذا الاتفاق بالنسبة للفلسطينيين، حسب باحثين عدة، من بينهم عماد لبد، بالآتي:

•  حرمت هذه الاتفاقية سلطة النقد من امتلاك القدرة القانونية الكافية على استخدام السياسات النقدية لتحقيق الأهداف العامة، نتيجة لحرمانها من الأدوات النقدية، وغياب النقد الوطني. ولم يكن خافيًا أن ضعف الاقتصاد الوطني وتراجعه يستدعي تبني سياسة نقدية ومالية تحافظ على استمرار الدخل، ونظرًا لانعدام إمكانية ذلك تسعى سلطة النقد للتأثير على عرض النقد عن طريق تحسين البيئة التي تعمل فيها الوحدات الاقتصادية.

•  منح سلطة النقد مسؤولية تحديد نسب السيولة للبنوك المحلية، وبالعملات المختلفة، عدا الشيكل الإسرائيلي، الذي يجب أن تحافظ سلطة النقد على نسبة سيولة مساوية تقريبًا (+ أو - 1 %) للنسبة السائدة في إسرائيل في حينه.

•  تستطيع سلطة النقد تبديل فوائضها من الشيكل "الإسرائيلي" الناتج عن تدفقات ميزان المدفوعات واستبدالها بالعملات الأجنبية عن طريق "بنك إسرائيل" وبالأسعار السائدة، ولا يقوم "بنك إسرائيل" بتبديل أكثر من 20% من الفائض النصف سنوي المحقق (المتفق عليه) في شهر واحد، وتستطيع سلطة النقد بيع القطع الأجنبي لبنك إسرائيل مع احتفاظها بحق إعادة شراء ما تم بيعه.

•  قيدت الترتيبات النقدية استخدام الأدوات النقدية وفق اتفاق باريس عن طريق إجبار سلطة النقد باتباع احتياطات إجبارية على الشيكل مماثلة لتلك الموجودة في بنك إسرائيل. أي أن أداة الاحتياطي الإجباري على الشيكل في يد بنك إسرائيل.

•  فيما يتعلق بقطاع غزة، تعاني المصارف العاملة من نقص في عملة الشيكل في ضوء وقف إسرائيل لأي تعامل بين البنوك الإسرائيلية والبنوك العاملة في القطاع منذ سيطرة حركة حماس على القطاع العام 2007، إلى جانب فرض قيود مشددة على نقل الأموال من البنوك في الضفة الغربية إلى نظيرتها في قطاع غزة.

•  أَجبر الاتفاق سلطة النقد على تبني نفس النسب للبنك الأردني المركزي خشية من الآثار التي قد تترتب عن تغير النسب، سواء كان بالزيادة أو النقصان، ما يعني الحد من قدرة سلطة النقد الفلسطينية على استخدام السياسات النقدية الملائمة، في ظل حرمانها من الأدوات النقدية وغياب النقد الوطني وقيود الترتيبات النقدية في اتفاق باريس الاقتصادي.

يشار إلى أنه "مهما عملت سلطة النقد على استخدام الأدوات النقدية لامتصاص التغيرات قصيرة الأجل، عبر استخدام نافذة الخصم، وعمليات السوق المفتوحة، وإعادة ترتيب الودائع الحكومية، فإن إعادة النظر في اتفاقية باريس الاقتصادية بصورة عامة، والترتيبات النقدية بصورة خاصة، بما يتيح لسلطة النقد الفلسطينية الاستقلال الكامل عن قيود وتبعيات البنك المركزي الإسرائيلي، أمر لا بد منه".[6]

 

تحديات إصدار عملة فلسطينية

ثمَّة محددات وتحديات كبيرة تقف عائقًا أمام إصدار عملة فلسطينية، ومنها:

  • محددات سياسية: تتمثل في غياب الدولة الفلسطينية المعترف بها عالميًا، وما يترتب على ذلك من غياب السيادة الوطنية، وعدم وجود حدود وعاصمة.

ويرى سمير أبو مدللة، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن "اتفاق باريس نصّ على إنشاء سلطة النقد وإعطائها كل صلاحيات البنك المركزي ما عدا إصدار عملة، لأنها من مصادر السيادة".[7]

  • محددات اقتصادية: تتمثل في تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، إلى جانب ضعف الاقتصاد الفلسطيني وعدم توفر الموارد اللازمة له.
  • الاحتلال الإسرائيلي: يشكل التحدي الأكبر أمام إصدار عملة فلسطينية، إذ يسيطر على الموارد الفلسطينية، ويعمل جاهدًا دون فك ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالإسرائيلي، ويحاول تعزيز التبعية الاقتصادية، وعمل سابقًا على تكبيل الاقتصاد الفلسطيني بالاتفاقيات وتدميره من خلال إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية الفلسطينية من زراعة الحمضيات والخضار إلى الفواكه والبطاطا والزهور والفراولة وغيرها.

كما يتطلب إصدار العملة الوطنية تحقيق بعض المتطلبات الاقتصادية والسياسية في فلسطين منها: تحقيق السيادة على جميع الأراضي الفلسطينية، ضمان ثابت وقوة الاقتصاد، توفير الاحتياطي اللازم لربط العملة الوطنية، تطوير النظام المالي والمصرفي، ضمان تناسق أهداف كل من السياسة النقدية والمالية لمصلحة الاقتصاد.

ويؤكد سامي نوفل، مدير عام التخطيط والسياسات في وزارة الاقتصاد، "أن غياب السيادة الفلسطينية على المعابر والسياسة الاقتصادية والمالية والنقدية والموارد وعدم سيطرة السلطة على قطاع غزة والمناطق الغنية بالثروات "مناطق (ج)[8]" وكذلك حجم التبادل التجاري بين السلطة وإسرائيل الذي يفوق 82% وفق اتفاق باريس، أبرز التحديات الموضوعة أمام إصدار عملة وطنية".

من جانب آخر، فإن التخلي عن اتفاق باريس يعني التخلي عن اتفاق أوسلو وعدم حصول فلسطين على عضوية صندوق النقد الدولي، "ما قد يعني وجوبًا تراجع في الصادرات والإنتاج الحقيقي، وتباطؤ الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي".[9]

 

خاتمة

إن عدم قدرة السلطة على إدارة الموارد الاقتصادية الطبيعية، وأهمها مناطق (ج) التي تحتوي على مجمل ثروات الفلسطينيين، والغاز قبالة سواحل قطاع غزة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام السياسي، والتراجع في الإنتاج، وعدم السيطرة على الحدود والمعابر، يجعل إصدار العملة في الوقت الراهن أمرًا غير واقعي، وسياسة غير حكيمة من الناحية الاقتصادية، فإصدار العملة يعتبر شأنًا سياديًا، ومن مقومات الدول.[10]

وفي ظل تراجع السيادة الفلسطينية وعدم وجود إنتاج حقيقي في الضفة والقطاع، فإن  إصدار عملة رغم أهميته يحتاج إلى إعادة النظر بشكل كامل في السياسات الاقتصادية والمالية في فلسطين، وإصلاح النظام الاقتصادي والسياسي.[11]

لا بد من تريث في إصدار العملة الفلسطينية إلى حين توفر الشروط اللازمة لإصدار العملة، وخاصة الاستقرار السياسي والاقتصادي، والتوازن في الموازنة العامة، وتطوير النظام المالي والمصرفي، وتعديل ميزان المدفوعات الفلسطيني، مع العمل على استمرار الترتيبات النقدية الحالية ضمن ترتيبات خاصة مع كل الأردن، وإسرائيل بما يضمن الحقوق الفلسطينية.

إن إصدار عملة مستقلة يوجب على السلطة الفلسطينية إعادة دراسة وتقييم الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والأمنية الموقعة مع إسرائيل، ووضع التشريعات الكافية لإعادة التحكم بالاقتصاد الفلسطيني من أجل تقويته وتمكينه من مجابهة التحديات الإسرائيلية.

حتى تتمكن السلطة الفلسطينية من إيجاد عملة وطنية، لا بد من  أن تشرع فعليًا بفك الارتباط الاقتصادي بين الاقتصاد الفلسطيني والإسرائيلي، مع ما يستلزم ذلك من عقد اتفاقيات اقتصادية مع دول نامية، مثل تركيا وماليزيا والصين والهند من ناحية، والأهم وجود، معابر حدودية، وبناء موانئ تجارية ومناطق تجارة حرة لتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير.

 

الهوامش

[1] لمزيد من التفاصيل، انظر: عماد لبد، مقومات ومحاذير إصدار النقد الوطني، مؤتمر الاستثمار والتمويل في فلسطين بين آفاق التنمية والتحديات المعاصرة، الجامعة الإسلامية، غزة، 8-9/5/2005.

[2] المصدر السابق.

[3]  محمد نصر، المقومات الاقتصادية لإصدار النقد الفلسطيني، ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر ملامح النقدي الفلسطيني، جامعة الدول العربية، القاهرة، 13–14/11/1999.

[4] حسن عطا الرضيع، التداعيات الاقتصادية والتنموية لإصدار عملة وطنية فلسطينية، الحوار المتمدن، 14/3/2018.

[5] محمد عطا الله، استعداد سلطة النقد لإصدار عملة وطنية، ورشة العمل الدولية حول العملة الفلسطينية، 11/3/2014.

[6] عماد لبد، مصدر سابق.

[7] مقابلة مع سمير أبو مدللة، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر - غزة، 29/3/2018.

[8] مناطق (ج) هي المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية "الإسرائيلية" حسب اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل.

[9] مقابلة مع سامي نوفل، مدير عام التخطيط والسياسات في وزارة الاقتصاد، 29/3/2018.

[10] حسن الرضيع، مصدر سابق.

[11] المصدر السابق.

مشاركة: