الرئيسية » تقدير إستراتيجي » هاني المصري »  

| | |
التهدئة والمصالحة وصفقة ترامب .. بين تحديات التدهور والخلاص الوطني
هاني المصري

 

 

أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات هذه الورقة من إعداد هاني المصري.

مقدمة

تتلاحق الأحداث التي تشير في مجملها إلى أن الوضع الفلسطيني يسير نحو المزيد من التوهان والتدهور والتشظي والانقسام، وأكبر دليل على ذلك عقد المجلس المركزي للمنظمة وسط عدم إكتراث شعبي ومقاطعة سياسية واسعة وصدور قرارات عنه دون سقف قرارات المجلس الوطني، والتقدم على صعيد التوصل إلى تهدئة على ارضية الإنقسام، ما يعمقه ويمهد الطريق لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة وتحقيق أهداف صفقة ترامب.

هذا يجري في الوقت الذي لا تزال الإدارة الأمريكية ماضية في العمل من أجل تنفيذ صفقة ترامب رغم الرفض الفلسطيني والعربي والدولي، مع أنها أخذت بخيار فرض هذه الصفقة على الأرض قبل الحصول على الموافقة عليها، وحتى قبل الموافقة الفلسطينية على التفاوض حولها، كما يظهر من خلال اقرار قانون القومية العنصري والمضي وإن ببطء ببلورة الحلف الأمريكي الإسرائيلي العربي في مواجهة ايران وما يقتضيه من تطبيع عربي، رغم أن الرفض الفلسطيني أبطأ من معدلات تطبيق هذه المقاربة كونها بحاجة لحل ما للقضية الفلسطينية، أو على الأقل الإيحاء بحل للقضية حتى يستطيع العرب، أو بعضهم، المضي قدما.

تركز هذه الورقة على تحليل السيناريوهات المحتملة في ضوء الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق تهدئة في قطاع غزة، وفرص تحقيق المصالحة الفلسطينية، وتأثير كل منها على محاولات تمرير صفقة القرن من بوابة قطاع غزة.

 

مقاربة فرض الأمر الواقع

تمضي الإدارة الأمريكية في تطبيق الصفقة النهائية من خلال إعطاء الأولوية لتمرير الحل الإنساني والتهدئة في قطاع غزة، مع السلطة إذا أرادت، وهذا شيء إيجابي، وبدونها إذا رفضت كما صرح مسؤول أمريكي ما يشعل الضوء الأحمر للسلطة. الأمر الذي ينسجم مع الخطة الإسرائيلية لفصل القطاع عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويساعد على تمرير الصفقة التي تركز على إقامة الكيان الفلسطيني في القطاع. أما الضفة الغربية، فجاري كما يظهر بوضوح بإقرار "قانون القومية" عملية الاستعداد لضم معظمها لإسرائيل، على أن تربط المعازل الآهلة المتبقية في الضفة، وأن تبقى "مستقلة"، أو تربط مع الاْردن في إطار فيدرالي، أو مع الكيان الفلسطيني الذي يراد له أن يقام في القطاع.

ما سبق يعني أن مؤامرة صفقة ترامب لم تهزم ولم تولد ميتة، كما يتم الترويج من أوساط فلسطينية وعربية وهذا يعكس وهما أن هناك إمكانية لتعديلها لتصبح مقبولة، أو التفاوض لإدخال تعديلات أكبر تسمح بقبولها، عن طريق إنهاء القطيعة المستمرة ما بين الإدارة الأمريكية والقيادة الفلسطينية منذ اتخاذ القرار الفلسطيني بوقف الاتصالات الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية.

الصفقة  تم عرقلتها نعم، جراء الرفض الفلسطيني والعربي والدولي، ولكنها لم تهزم بعد، وإنما يجري تطبيقها على الأرض على أمل الموافقة عليها بعد أن تقتنع الأطراف الرافضة لها بأنها أمر واقع غير قابل للتراجع عنه، عبر كل ما يجري من خلق حقائق وتنفيذ خطوات بشأن القدس ومحاولة تصفية قضية اللاجئين وتشريع وتوسيع الاستعمار الاستيطاني وتطبيع عربي تدريجي مع إسرائيل وفصل غزة وقطع الطريق على تجسيد الدولة الفلسطينية على حدود العام ٦٧.

في هذا السياق، تجري في هذة الأيام محاولات حثيثة للتوصل إلى اتفاق وفق معادلة "هدوء مقابل هدوء"، وتخفيف للحصار على قطاع غزة، أو هدنة طويلة الأمد مقابل رفع الحصار من خلال حماس أو الفصائل بمعزل عن قرار وطني مشترك بسبب عدم التقدم على طريق الوحدة، في نفس الوقت الذي استأنفت فيه مصر مساعيها للتوصل إلى تقدم في ملف المصالحة الفلسطينية، لأنها لا تريد تهدئة أو هدنة بدون السلطة ولا أن يرمى قطاع غزة في حضنها ولا بعيدا عنها، كما لا تريد قطع الطريق على إقامة دولة فلسطينية، ولا تقوية "حماس" على حساب السلطة، ولا أن يبقى القطاع تهديدا أمنيا للأمن القومي المصري، ولا أن يتزايد هذا التهديد إذا شنت إسرائيل عدوانا جديدا على قطاع غزة لا أحد يعرف ما سيحدث في اليوم التالي له، فالبديل عن حكم "حماس" إن لم يكن شراكة وطنية الآن هو الفوضى، ولذلك تريد مصر إبقاء "حماس" كقوة ضامنة للأمن، وعودة السلطة الفلسطينية لتكون القناة الشرعية المعترف بها، وبحيث لا تُقوّى سلطة "حماس" على حسابها.

ما يحدث حتى كتابة هذة السطور أن التهدئة تتقدم بينما تراوح المصالحة مكانها، ما أدى إلى عرقلة جهود التوصل إلى تهدئة بعد أن قدمت مصر أفكاراً رحبت بها "حماس"، ثم أفكار آخرى  ثانية رحبت فيها بالإجمال حركة "فتح"، ثم ورقة ثالثة تأمل بأن تحظى بموافقة الجانبين. وإذا تحققت التهدئة بدون مصالحة، فهذا يقوي "حماس" على حساب السلطة، هذا اذا تمكنت من الحصول على ما يمكنها من الاستمرار بالحكم من خلال رفع أو تخفيف الحصار بشكل جدي، والحصول على مساعدات عربية ودولية لمعالجة الوضع الإنساني بنظره، كونه بدون ذلك تعود الأمور إلى نقطة الصفر قبل اندلاع مسيرات العودةة، خصوصا إذا تمت التهدئة بدون نزع السلاح، ولا اعتراف حماس بإسرائيل، وإنما مقابل التزام شامل بوقف إطلاق النار، وإبعاد مسيرات العودة عن السياج، ووقف الطائرات الورقية الحارقة، وهذا يبعد إمكانية تحقيق المصالحة، ويقود إلى ما هو أسوأ مما نحن فيه.

 

السيناريوهات المحتملة

إزاء هذا الواقع، يمكن تلخيص السيناريوهات المُحتملة في أربعة سيناريوهات على النحو الآتي:

السيناريو الأول: بقاء الوضع على حاله

يعني هذا السيناريو أن يبقى الأمر على ما هو عليه، أكثر أو أقل، وهذا ينطبق على الوضع الفلسطيني، ولا ينطبق على إسرائيل وأمريكا والعرب والإقليم والعالم، حيث يبقى الوضع الفلسطيني على حاله مع تصور القائمين عليه بأن هذا الأمر سيبقي الوضع كله حولنا وفي العالم على حاله أيضا.

في الحقيقة أن المياه تجري بقوة عندنا، ومن تحتنا، ومن حولنا، ولا شيء يبقى على حاله. فإسرائيل ماضية في خلق الوقائع على الأرض في الضفة الغربية في سياق استمرارها بتنفيذ مخططاتها وتكثيف ذلك بعد إقرار "قانون القومية"، عبر الشروع في وضع اللمسات الأخيرة للقفزة الكبرى المتمثّلة بتطبيق المرحلة الثالثة ضمن مشروع الحركة الصهيونية، والتي يمكن تسميتها بمرحلة إقامة "إسرائيل الكبرى"، بعد إنجاز مرحلتين في السابق: إقامة إسرائيل عام 1948، واحتلال بقية فلسطين وأجزاء واسعة من الأراضي العربية عام 1967.

أما في قطاع غزة، فإسرائيل تسعى لتهدئة مقابل تهدئة أو هدنة طويلة مقابل رفع الحصار. ورغم مأزقها ومحدودية خياراتها، إلا أنها تحقق جراء الانقسام والتوهان الفلسطيني أهدافها في كلا الحالين؛ فهي تضمن وقف العمليات وأشكال المقاومة ضدها، بما في ذلك وقف الطائرات الورقية الحارقة، وترمي القطاع في حضن مصر وترسخ فصله عن الضفة، إذا لم تتحقق المصالحة، أو إذا تحققت شكليا دون معالجة جميع القضايا والملفات وفق مقاربة الرزمة الشاملة.

 وبذلك، فإن إسرائيل تنقل مركز الكيان الفلسطيني إلى القطاع، وبما يساعدها على التهام الضفة، وتزرع بذور الفتنة الفلسطينية القادمة، لأن عودة السلطة في ظل وجود سلطة أخرى موازية، وبدون اتفاق شامل وصفة مؤكدة نحو الفوضى والاقتتال الفلسطيني القادم.

إن فرصة تحقق هذا السيناريو قوية، إن لم تكن قوية جدا. إذ أظهرت نتائج أعمال المجلس المركزي إصرار الرئيس على مقاربة "إما نشيل كل شيء، أو تشيل حماس كل شيء"، مع تحذيرها من عواقب ذلك بفرض المزيد من العقوبات على قطاع غزة، ما يدل على عدم أخذ العبرة من مقاطعة العديد من الفصائل لأعمال المجلس المركزي كما يظهر بالقول لمن قاطع المجلس مع السلامة، وتهديد من قاطع المجلس، بدلا من السعي الجاد لمعالجة أسباب وجذور المقاطعة وإعادة الهيبة لمؤسسات المنظمة التي أصبحت مهمشة وتحت طغيان حكم فردي أكثر من أي وقت مضى، وليست مؤسسات جبهوية فاعلة يحكمها التوافق الوطني. من جهة أخرى، فإن مآل مباحثات التهدئة التي قد تتوج باتفاق بدون مصالحة، يعزز فرصة تحقق هذا السيناريو.

وفي هذا السياق، يجدر التنبه من عواقب اعتبار أن السلطة قد تحولت إلى دولة وأن تجسيد الدولة قد بدأ أو يمكن تحقيقه بدون انهاء الاحتلال، كما يجري عرضه، وبخاصة أنه لا معنى عمليا له في ظل استمرار الانقسام سوى المضي في مخططات حل المجلس التشريعي، سواء تمت الإشارة الى ذلك مباشرة، أو لم تتم. فما يمنع تجسيد الدولة على الأرض وجود الاحتلال وليس المجلس التشريعي، ولذلك فإن القرار الفلسطيني المطلوب هو انجاز وحدة وطنية شاملة قادرة على الكفاح لتغيير موازين القوى بكل أشكال النضال حتى يتحقق  الاستقلال الوطني للدولة التي هي حق طبيعي، سبق أن أعلن المجلس الوطني عن قيامها في عام 1988، واعترفت بها الأمم المتحدة كدولة عضو مراقب عام 2012. وبالتالي، يجب الكف عن ربط قيامها باستئناف استئناف المفاوضات الثنائية أو في إطار دولي، لكي يتم الاتفاق عبر المفاوضات على تجسيد الدولة، وهو ما يستدعي الإقلاع عن ربط تحقيق هذا الهدف بالمفاوضات لأنه حق غير قابل للتفاوض، بل يتحقق بالنضال وليس بالمفاوضات.

كما أن تغليب "حماس" لبقاء سيطرتها على القطاع، سواء إذا كانت هناك هدنة أو لم تكن، أو في ظل المصالحة أو عدمها، يشكل معضلة كبيرة لا بد من معالجتها، فلا يكفي ولا يقنع الكثيرين القول بأن الهدف من ذلك حماية سلاح المقاومة وخاصة أن الهدنة أو التهدئة تتطلب وقف المقاومة. فالمطلوب هو الوحدة التي يجب أن تكون في إطار الاتفاق على رؤية وطنية وبرنامج وطني، وليست وحدة بين الأضداد، أو وحدة شكلية تكون جسرا للالتحاق بصفقة ترامب. وفي ظل هذه الوحدة فإن المقاومة مصانة، وسلاحها وأجنحتها يجب أن تخضع للإستراتيجية الموحدة والقيادة الموحدة، سواء من خلال خلق مرجعية موحدة لها، كما جاء في وثيقة الوفاق الوطني، أو بتشكيل جيش وطني، مثلما أعلن يحيى السنوار، قائد حركة حماس في قطاع غزة.

 

السيناريو الثاني: تفاقم الأمور فلسطينيا بشكل سريع

يخطئ من يعتقد أن ما يجري في النظام السياسي الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي أمر عابر، وأن عقد المجلس المركزي حتى لو لم يتخذ قرارات تزيد الأمر سوءا، وأن عقد تهدئة بدون مصالحة، لن يتركا آثارهما على الوضع ككل.

بل على العكس من ذلك فإذا استمر تهميش اللجنة التنفيذية ومختلف المؤسسات فهذا يساعد من يريد ومن لا يريد على بلورة بديل، والأهم يؤدي إلى فقدان ما تبقى من دور وهيبة ومصداقية للمنظمة الانجاز التاريخي الأكبر للشعب الفلسطيني.

وهذا يعني أن الجبهة الشعبية والديمقراطية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي والمبادرة الوطنية ومختلف المقاطعين او المقصيين سيبعدون أو سيكونوا بعيدين أو سيكفوا عن العمل لإستعادة مكانة ودور المؤسسات الوطنية الفلسطينية. فإذا لم تبدأ خطوات للتحضير لعقد مجلس وطني جديد مع السعي بشكل جدي لمشاركة مختلف أطياف العمل السياسي فيه، فإن ذلك يعني انه لن يطول الوقت قبل أن يشرع المقاطعون بالإعداد لبديل عن المنظمة،  مستحيل أن يكون بديلاً فعلاً لأنه سيقام على انقاض الوحدة والمنظمة، قد يبدأ بعقد مؤتمر أو مؤتمرات وطنية وشعبية على غرار مؤتمر اسطنبول والمؤتمر الذي عقد في غزة ردا على عقد المجلس الوطني في رام الله، ثم ينبثق عن هذه المؤتمرات إطار يمكن أن يسمى مثلا "جبهة الإنقاذ الوطني"، وسرعان ما تتحول إلى بديل حتى لو لم تكن هذه الجبهة تريد ذلك ولم تعلن نفسها على هذا الأساس.

يمكن أن يسرع الخطوات في هذا الاتجاه الاقدام حل المجلس التشريعي، وإعلان قطاع غزة إقليما متمردا، وفرض عقوبات جديدة على قطاع غزة تطبيقا لمقولة "إما نشيل وإما يشيلوا". كما يمكن أن يسرع هذه الخطوات أكثر الاتفاق على تهدئة أو هدنة طويلة الأمد بعيداً عن الاطار الوطني الموحد، تشمل تنفيذ مشاريع كبرى وإقامة ميناء ومطار يخدمان قطاع غزة، وإعادة تشكيل اللجنة الإدارية بصيغتها السابقة، أو بصيغة وتركيبة أكثر مرونة لتمكينها من التفاوض مع إسرائيل والمجتمع الدولي والدول العربية.

ليس من التهويل اعتبار هذا السيناريو محتملا في ظل تشبث طرفي الانقسام بمواقفهما، وخصوصا الرئيس الذي يريد ما هو مستحيل تحقيقه. فهو يريد أن تتخلى "حماس" عن كل شيء مقابل أن تكون أقلية تخضع لقيادته. وما يزيد من احتمالية هذا السيناريو أن مصر قد تكون مرنة أو تتغاضى حيال التوصل إلى تهدئة في ظل عدم نجاح مساعيها ربط التهدئة بالهدنة والمصالحة والتنمية عن طريق السلطة وغضبها من حماس ومن الرئيس عباس اللذان يتبنيان مواقف من شأنها إفشال مساعيها في التوصل الى التهدئة والمصالحة. وهذا يساعد على تمرير المرحلة الأولى من صفقة القرن تحت شعار "غزة أولا"، ما يعني أن الإدارة الأمريكية لن تعارض هذا السيناريو فعليا، حتى ولو عارضته علنا، بل ستكون إلى جانب إسرائيل مسرورتين إن حدث كونه يحول الانقسام إلى انفصال.

 

السيناريو الثالث: جولة جديدة من المصالحة الجزئية

هذا السيناريو يمكن أن يتحقق في حال نجحت الجهود المصرية في التوصل إلى اتفاق جديد للمصالحة، وتمكنت من تحقيق تهدئة بمشاركة وطنية تضم "فتح" و"حماس" وبقية الفصائل في نفس الوقت. لكن هذا السيناريو لا يبدو مرجحا، دون استبعاده أو التقليل من احتماليته، وذلك لأن الأطراف الفلسطينية رغم عنادها كلها مأزومة وأيا منها لا يستطيع أن يتخلى عن مصر أو يعاديها رغم أي خلافات معها. كما أن مصر في ظل رؤيتها لمصالح الأمن القومي المصري لا تملك ترف إدارة الظهر أو تحمل تدهور الموقف الفلسطيني بشكل شامل دون أن تفعل شيئا.

قد يعطي هذا السيناريو  فسحة من الوقت ويهدئ الوضع، ولكن هذا لا يمنع القول أن أية عملية مصالحة ستفشل اذا لم تقوم على أخذ العبر من التجارب الفاشلة السابقة، وعلى معادلة "لا غالب ولا مغلوب"، أي لا تقوم على خروج الكل منتصرا، وتعتمد على حلول جزئية وتتجاهل أو تؤجل قضايا أساسية، سبق أن جربت وفشلت، وإذا تكررت سيكون مصيرها الفشل مجددا.

يبقى هذا السيناريو محتملا كذلك، لأن السيناريوهات الأخرى لا تحل المأزق الذي تعانيه مختلف الأطراف، وخصوصا الرئيس و"فتح" و"حماس"؛ فالأخيرة تدرك أن رأسها وسلاحها سيظلان مطلوبين، لاسيما إذا بقيت تتحدث عن تحرير فلسطين ومحور المقاومة الذي يعني التحالف مع إيران، وترفض الاعتراف باسرائيل و"حقها بالوجود" ونزع سلاح المقاومة، ولذلك فإنها تروج أن الهدنة مؤقتة وتفرضها الظروف القاهرة الحالية، وتدرك أن رأيها يبقى مطلوب، وأنها لا تستطيع أن تبقى في هدنة مفتوحة خصوصاً إذا لم تستظل بمظلة الشرعية الفلسطينية التي تضم الجميع.

في المقابل، يدرك الرئيس و"فتح" أن المطلوب منهما دور شكلي لا أكثر، وهذا يجعلهما تحت ضغط أكبر لقبول أو لتخفيف الموقف من صفقة ترامب، وعلى الأقل القبول بالتفاوض حولها دون قبولها، لأن من شأن ذلك أن يجعل التطبيع العربي وإقامة الحلف ضد إيران يسيران بمعدلات أسرع. وإذا لم يقم الرئيس و"فتح" بما هو مطلوب منهما، ستبدأ محاولات استبدال الرئيس والقيادة بصورة مشابهة لما جرى عند التخلص من قيادة الرئيس الشهيد الراحل ياسر عرفات.

كلنا نذكر الضغوط التي استخدمت الحق لتمرير الباطل، من خلال الحديث عن الإصلاح وبناء المؤسسات وتوزيع السلطات والحد من التفرد والدعوة لاستحداث منصب رئيس الوزراء ومنحه صلاحيات واسعة، بهدف إيجاد مرجعية جديدة للعملية السياسية عنوانها الأبرز تحقيق الأمن لإسرائيل، وهو ما انتهى إلى اعتبار محاربة "الاٍرهاب" الفلسطيني وتطبيق الالتزامات الفلسطينية من جانب واحد بمثابة "طريق تحقيق السلام".

 

السيناريو الرابع: مقاربة الرزمة الشاملة

وهي مقاربة تقوم على حل متكامل يشمل الرؤية والإستراتيجية بحيث يتم تشكيل بديل قادر على تحمل التخلي عن أوسلو والتزاماته وخصوصاً الإعتراف بحق اسرائيل بالوجود. والاتفاق على أسس الشراكة، وإعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها وموازنتها، وإعادة بناء أجهزتها الأمنية لتصبح أجهزة مهنية موحدة بعيدا عن الحزبية، بحيث يتم ذلك عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لكي تضم مختلف ألوان الطيف السياسي، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وكذلك انتخابات لأعضاء المجلس الوطني حيث يمكن ذلك، وبالتوافق حيث يتعذر إجراء الانتخابات. وهي خطوات لا بد أن تنفذ ضمن  عملية متكاملة وفي إطار رزمة واحدة تطبق بالتوازي والتتابع ضمن جدول زمني وآليات للتطبيق ومراقبة فلسطينية وعربية.

هذا السيناريو مستبعد حالياً لعدم وجود ادوات سياسية كافية تتبناه وتضغط من أجل تطبيقه، لكنه يستجيب لمصالح وأولويات واحتياجات الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، وهو الذي يمكن أن يحقق الخلاص الوطني. وكونه مستبعدا وصعبا لا يعني عدم استمرار الدعوة له والضغط من أجل تحقيقه.

 

خاتمة

 إن الأسابيع والأشهر القادمة حاسمة، فالرئيس قال أن المجلس المركزي في اجتماعه القادم الذي فوض بشكل غير قانوني بكل صلاحيات المجلس المركزي من المجلس الوطني سيتخذ قرارات مصيرية، وبدون وحدة ستؤدي هذه القرارات إلى مزيد من الإنهيار والتآكل في المشروع الوطني والمؤسسات الوطنية .

ينطوي كل من السيناريوهين الأول والثاني على مخاطر جمة تهدد القضية والحقوق الفلسطينية، في حين لا يقدم السيناريو الثالث حلولا جذرية للخروج من المأزق الفلسطيني، بل يقوم على حلول ومعالجات جزئية سبق أن جربت وتنذر بالعودة إلى مربع الفشل.

لذلك، فإن التوصية الأساسية التي يمكن تقديمها في هذا التقدير الإستراتيجي تتمثل بالعمل الجاد من أجل توفير متطلبات تحقيق السيناريو الرابع المفضل فلسطينيا والقائم على مقاربة الرزمة الشاملة. وإذا لم يكن ممكنا تحقيق هذا السيناريو حاليا، يصبح المطلوب على الأقل بذل كل جهد ممكن لمنع المزيد من التدهور من خلال تحقق أي من السيناريوهين السيء والأكثر سوءا، أي الأول والثاني، بما في ذلك دعم فرص تحقق السيناريو الثالث. فإذا تحقق هذا السيناريو في المرحلة الأولى، فإنه يعني توفير فرصة ووقت إن تم استغلالهما بشكل جيد، وبخاصة لبناء تيار وطني واسع مؤمن بالوحدة الحقيقية، فإن هذا سيفتح الباب أمام توفير متطلبات لتحقيق السيناريو الرابع.

يمكن البدء بالإتفاق على عقد اجتماع أو مؤتمر وطني يتم الحرص على مشاركة الجميع به، للإتفاق على خارطة طريق وطنية قادرة على انقاذ القضية والشعب والأرض.

الوقت من دم والتاريخ لن يرحم، والشعب لن يغفر لكل من يساهم في عملية الإنهيار الجارية الآن على قدم وساق، وتنذر بمرور كارثة أكبر بكثير من الكوارث السابقة.

مشاركة: