الرئيسية » تحليل سياسات »  

| | |
سبل مواجهة "قانون القومية" الإسرائيلي

هذه الورقة من إعداد: نور أبو عيشة، أحمد أبو ضلفة، محمد سرور، فاتن توبة، ضمن إنتاج المشاركين/ات في البرنامج التدريبي "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" 2018 الذي ينفذه مركز مسارات.

مقدمة

ثمة حاجة لإعادة فحص وتطوير السياسات التي اتبعها الفلسطينيون داخل الأراضي المحتلّة العام 1948، أو المؤسسات الفلسطينية الرسمية، لمواجهة القوانين العنصرية الإسرائيلية، بحيث تنعكس آثارها، بشكل إيجابي، على واقع حياتهم، ومجمل مسار القضية الفلسطينية؛ إذ شهدت تلك السياسات قصوراً مرتبطاً، بشكل مباشر، بالتصعيد الإسرائيلي في استهداف الحقوق الفلسطينية من جهة، ودور الفاعلين الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وخارجها من جهة أخرى.

ويأتي "قانون القومية" العنصري، الذي ينص[1] على أن "أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي"، بما يشمل فلسطين التاريخية، وأن إسرائيل هي "الدولة القومية للشعب اليهودي"، في ظل حالة القصور الشعبية والرسمية التي كان لها دور رئيسي في سرقة أراضي الفلسطينيين، وتوسيع المساحات الاستيطانية؛ سواء في مدينة القدس، أو الضفة الغربية.

تحتاج التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية بمجملها، وعلى رأسها "قانون القومية"، تحركات فلسطينية واسعة وموحّدة على صعيد المواجهة الكفاحية والسياسية والملاحقة القانونية، من أجل تسجيل مكاسب تصب في مرمى القضية، وتحرج إسرائيل دولياً، وتجبرها على الخضوع للشرعية الدولية وقوانينها، وبخاصة تلك المتعلقة بمدينة القدس، أو رفضها للاستيطان.

 

خلفية القانون

سنّ الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي، في 19 تموز/يوليو 2018، قانون أساس: "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، بأغلبية 62 نائباً من جميع كتل الائتلاف، ومعارضة 55 نائباً، منهم 13 نائباً عربياً، وذلك بعد ضغط مارسه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من أجل تشريعه على الرغم من الانتقادات من المعارضة الإسرائيلية التي وُجّهت لمشروع القانون قبيل سَنّه.[2]

وفي ظل غياب الدستور الإسرائيلي، واعتبار الدين اليهودي مصدراً أساسياً للتشريع، يقدّم "قانون القومية" الدين على المواطنة، وينسف النظام الديمقراطي للدولة الذي تتغنى به إسرائيل، فيما يحتاج تغييره إلى إقرار من غالبية أعضاء الكنيست كونه "قانون أساس محصّناً".

ويعتبر القانون الأراضي الفلسطينية المحتلّة وطناً تاريخياً للشعب اليهودي، بما ينفي أي أحقية للفلسطينيين على أرضهم، كما يلغي حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وحق العودة للاجئين، إلى جانب التمهيد لأي سياسات إسرائيلية لسرقة أراضي الفلسطينيين عبر تملّكها "قانونياً"، أو عن طريق الاستيطان.

كما يحرم القانون الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الأراضي المحتلة العام 1948، من فرص الممارسة المواطنية، وما يترتب عليه من حقوق سياسية ومدنية واجتماعية وثقافية ودينية واقتصادية.

وهذا القانون من شأنه أن ينسف مشروع التسوية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، القائم على أساس "حل الدولتين" على حدود الرابع من حزيران العام 1967، ويهدف إلى تأسيس نظام فصل عنصري، ونسف الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني، والقضاء على قضية اللاجئين وحق العودة، والتضييق على فلسطينيي الداخل من أجل إرغامهم على ترك بلادهم الأصلية.

ويعتبر هذا القانون الأخطر ضمن عشرات القوانين العنصرية التي سنّها الكنيست الإسرائيلي، خلال السنوات الأخيرة، وبالتزامن مع صعود اليمين المتطرف إلى أعلى المناصب السياسة والتشريعية، لأنه يحدد هوية النظام الدستوري الإسرائيلي، ويعتبر اليهودية مصدراً للتشريع.

وينعكس آثار هذا القانون على تفاصيل حياة هؤلاء الفلسطينيين، على الأصعدة المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية كافة.

ويعود تصاعد سن القوانين العنصرية خلال الدورة الحالية للكنيست (الدورة العشرون بدأت في 17 آذار/مارس العام 2015) مقارنة بالأعوام السابقة، إلى صعود اليمين المتطرف، وسيطرته على المشهد السياسي والبرلماني الإسرائيلي، وبخاصة حزب "البيت اليهودي" برئاسة وزير التربية والتعليم "نفتالي بينت"، وحزب "إسرائيل بيتنا" برئاسة وزير الدفاع "أفيغدور ليبرمان".

وفي مواجهة تلك القوانين، ومن بينها "قانون القومية"، حاول الفلسطينيون المتضررون من تلك القوانين، الاحتجاج ضدها، فخرجوا في مسيرات احتجاجية بالمئات، وربما وصلت أعدادهم في بعض الأحيان إلى الآلاف، وتشهد بعض تلك المسيرات مواجهات بين شبان فلسطينيين وقوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت ذاته تحتجّ القائمة العربية المشتركة في الكنيست، على تلك القوانين، لكن لم يذكر أنهم نجحوا مرّة في منع إقرار أي قانون تجمع عليه أحزاب اليمين المتطرف.

في المقابل، اعتمدت القيادة الفلسطينية في مواجهة القانون، وبشكل مبدئي، على التصريحات المناهضة له، دون الانخراط في السلوك السياسي على المستوى الدولي لوقف العمل فيه، حيث إن غالبية القوانين العنصرية تضرّ بالدرجة الأولى بمشروع التسوية القائم على "حل الدولتين"؛ الذي تنادي به السلطة الفلسطينية، من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

 

الهدف العام للورقة

تسعى الورقة إلى إيجاد حلول وسياسات بديلة لمواجهة "قانون القومية" الإسرائيلي، الذي يستهدف جميع الفلسطينيين داخل وطنهم أو خارجه كهدف رئيسي، ويضاف إليه عدد من الأهداف الفرعية:

  • تقييم سياسات مواجهة قانون "القومية" التي تتبعها القيادة الفلسطينية في الأراضي المحتلة العام 1967، وبخاصة في الضفة الغربية، بما فيها القدس.
  • تقييم السياسات التي تتبعها لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة العام 1948، التي تؤثر، بدورها، على دور القائمة العربية المشتركة في الكنيست الإسرائيلي، وعلى السكان الفلسطينيين.

المشكلة

منذ تأسيس كيان الاحتلال الإسرائيلي، اتجهت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبخاصة اليمينية المتطرفة منها، نحو سن قوانين عنصرية تمس الأرض والسكان؛ سواء في مدينة القدس، والضفة الغربية عموماً، أو أبناء الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة العام 1948، أو اللاجئين الفلسطينيين في الخارج، حتّى وصلت ذروة تلك القوانين العنصرية إلى حدّ سنّ "قانون القومية".

ويأتي "قانون القومية" تتويجاً للسياسات العنصرية النابعة من توجه الحكومات الإسرائيلية اليمينية إلى تطهير الأراضي المحتلة من التجمعات الفلسطينية، في سبيل إقامة دولة يهودية خالصة، ونسف الرواية التاريخية الفلسطينية.  وفي إطار ذلك، تتبع سياسة التضييق على الفلسطينيين عبر سن جملة من القوانين العنصرية على الأصعدة كافة، من أجل إجبارهم على الرحيل من تلك الأراضي،[3] وكثيراً ما استخدمت القوة الجبرية لتنفيذ تلك القوانين دون قدرة المحاكم على التدخل لوقف تلك الإجراءات.

وفي السياق نفسه، تتبع القوة في تطبيق قوانينها سواء في مدينة القدس لتنفيذ مشروع "القدس الكبرى"، وبخاصة عبر مخططات الاستيطان والتهجير القسري في منطقة E1، الذي يتم خلاله ضم المستوطنات التي تحيط بالمدينة من الناحيتين الشرقية والجنوبية،[4] ما يترتب عليه فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.

كما تحول تلك الخطوات دون إقامة دولة فلسطينية مستقبلية وعاصمتها مدينة القدس، إذ تشجّع إسرائيل وتشرّع الاستيطان وتعتبره قيمة قومية، ما يمس بفرص إقامة هذه الدولة على حدود العام 1967.

يعتبر ضعف السياسات الفلسطينية في مواجهة القوانين العنصرية، من الأسباب الرئيسية وراء سن "قانون القومية" في ظل تبني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرواية الصهيونية، وانتقال الولايات المتحدة من الانحياز لصالح إسرائيل إلى الشريك الكامل في محاولة تصفية القضية والحقوق الفلسطينية، ويضاف إليه غياب عوامل تعزيز دور لجنة المتابعة العربية، المؤثر الأول في السياسات التي تتبعها القائمة العربية المشتركة في الكنيست، والفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة العام 1948 لمواجهة تلك القوانين، وبخاصة غياب الدعم المالي؛ سواء الموجه من أفراد أو من القيادة الفلسطينية.

 

انعكاسات القانون على الفلسطينيين وقضيتهم

أولاً. انعكاسه على الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلّة العام 1948

على المستوى السياسي: القانون يقتل الطموح السياسي للفلسطينيين في تطوير ورفع نسب المشاركة من ترشّح أو انتخاب في المستويات والمؤسسات المختلفة في الدولة الإسرائيلية، وبخاصة فيما يتعلق بزيادة أعضاء نواب القائمة العربية المشتركة في الكنيست، مقارنة بما يرجّح إنه زيادة ديموغرافية للعرب في السنوات القادمة، وتوقعات بانعدام المشاركة في الحياة السياسية كاملة، وبخاصة في ظل نص القانون على أن تقرير المصير القومي حق حصري لليهود.
على المستوى القانوني: يحدد القانون هوية النظام الدستوري القائم على "الدين اليهودي"، حيث يفرض القانون على الفلسطينيين أن يخضعوا للقوانين والتشريعات اليهودية، حتّى وإن كانت تتناقض مع ثقافتهم أو دياناتهم.  ويؤثر القانون على تفسير القوانين في المحاكم وفق الرؤية اليهودية، إلى جانب حرمانهم من الحقوق الأساسية التي تمنحها الدولة للمواطنين اليهود.
على المستوييْن الثقافي والتاريخي: اعتبر القانون اللغة العبرية هي لغة الدولة الرسمية، فيما قرر أن للغة العربية مكانة خاصة في الدولة، ما يؤدي إلى تغيير الطبيعة الثقافية للفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، وبالتالي نسف الموروث الثقافي للفلسطينيين، وتغيير معالمه، في إطار نسف الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني.
على المستوى الديني: أسس هذا القانون لنظام ديني عنصري يمنع الفلسطينيين من ممارسة طقوسهم الدينية بحرية، وقد يمنع في المستقبل القريب الفلسطينيين من الحصول على تراخيص لبناء جوامع أو كنائس.
على المستوى الاجتماعي: قانون القومية يحرم الفلسطينيين من مواطنتهم، وكل ما يترتب عليها من حقوق سياسية ومدنية واقتصادية وقانونية وثقافية، بالتالي يعتبر الفلسطينيون مواطنين من الدرجة الثانية، كون "الشعب اليهودي" هو صاحب السيادة على الأرض، ما يكرّس نظام العنصرية الذي تتبعه إسرائيل داخل دولتها التي تقول إنها "ديمقراطية".

في حين أن القانون يمنح أولوية للمستوطنات اليهودية في مجال الخدمات والتطوير وتخصيص الأراضي والإسكان، ما يؤدي إلى وجود فرق اجتماعي وتنموي واقتصادي وثقافي بين التجمعات اليهودية والعربية.

ثانياً. انعكاسه على المسار السياسي الفلسطيني

حق العودة: يلغي القانون حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجّروا منها العام 1948، معارضاً قرار 194 الذي أصدرته الأمم المتحدة، وينص على عودة اللاجئين وتعويضهم، واعتبر الأرض هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي.
مشروع التسوية على أساس "حل الدولتين": يحول هذا القانون بين تطبيق مشروع التسوية القائم على "حل الدولتين"، وإقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة العام 1967، بعد أن نص على أن إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، بالتالي ألغى أي حقوق للشعب الفلسطيني، إلى جانب أن تشجيع الاستيطان وتشريعه يؤدي إلى التهام المزيد من أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، وبخاصة في مدينة القدس، ويعطيها طابعاً قانونياً، ما يعني أن تلك الأراضي هي يهودية، ولن تدخل في أي مشروع تسوية.
مدينة القدس: ينص القانون على أن القدس الكاملة والموحدة عاصمة لإسرائيل، ما يعني أن القدس الشرقية لن تكون عاصمة للفلسطينيين، بحسب المطالبات الفلسطينية، وبالتالي هو ألغى كل قضايا الحل النهائي لعملية تسوية الصراع.  ويخالف "قانون القومية" كافة القرارات الأممية بشأن وضع مدينة القدس، وبخاصة قرار 181،[5] الذي صدر العام 1947، ونصّ على تقسيم فلسطين إلى دولة عبرية وأخرى عربية، بحيث تبقى القدس وبعض المناطق المحيطة بها تحت إدارة دولية، وقرار مجلس الأمن 267،[6] الذي صدر العام 1969، ودعا إسرائيل إلى إلغاء تدابير ضم القدس الشرقية بعد حرب 1967.
الاستيطان: جاء "قانون القومية" تتويجاً لكافة سياسات الاستيطان وسرقة الأراضي الممنهجة، التي اتبعتها إسرائيل للسيطرة على أراضي الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948، أو للتوسع في مدينة القدس، وعلى أراضي الضفة الغربية، كما يُعطي سياسة الاستيطان، التي تنص القرارات والأعراف الدولية على عدم شرعيتها، شرعية وصفة قانونية.

وتتخذ إسرائيل من سياسة التوسع الاستيطاني خطة استراتيجية ممنهجة تهدف إلى خلق واقع ديموغرافي يُفشل المساعي الفلسطينية الرسمية من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة، حيث باتت الضفة الغربية تمثّل "كانتونات" (معازل) تحاصرها مستوطنات إسرائيلية، ويفصل فيما بينها جدار الفصل، فيما يتسبب التوسع الاستيطاني في محيط مدينة القدس إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.

وحتّى بداية العام 2017، وصل عدد المستوطنات في الضفة الغربية إلى 131 مستوطنة، فيما بلغت أعدادها في القدس الشرقية نحو 10 مستوطنات، كما تنتشر على تلال الضفة الغربية حوالي 116 بؤرة استيطانية، وذلك بحسب دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية لذلك العام.

 

أسباب قصور مواجهة "قانون القومية"

أولاً. أسباب ذاتية

عزوف الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة العام 1948 عن ممارسة الحياة السياسية، وانتشار حالة من الإحباط واللامبالاة في صفوفهم، ما أدى إلى ضعف تأثيرهم على قطاعات الحياة السياسية ومشاركتهم فيها.
ضعف لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية: اتبعت الحكومة الإسرائيلية سياسة لإضعاف الوجود الفلسطيني في الأراضي المحتلة، تمثّلت في سياسة الملاحقة لقيادات ومكونات لجنة المتابعة للجماهير العربية، وحظر بعض القوى مثل الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح، والتضييق على ممارسة أي نشاط سياسي أو اجتماعي، وصولاً إلى الاعتقال تحت ذرائع أمنية.
ضعف تأثير القائمة العربية المشتركة في الكنيست: تسببت السياسات الإسرائيلية الممنهجة تجاه النواب العرب، من خلال إصدار قوانين تقوّض من وجودهم داخل الكنيست؛ مثل قانوني الولاء والإقصاء، في إضعاف تأثيرهم السياسي، وفاقم الأمر تحريض المستويات السياسية والتشريعية العليا في الحكومة الإسرائيلية ضد النواب العرب.  من جانب آخر، تسبب عدم وجود أي مردود سياسي لنواب الكنيست العرب إلى توتر وانقسام بين الجمهور الفلسطيني، وحالة من معارضة تمثيل الفلسطينيين في الكنيست.
السياسات التمييزية الاقتصادية التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية تجاه المواطنين الفلسطينيين: أدت تلك السياسات إلى إضعاف التجمعات الفلسطينية اقتصادياً، الأمر الذي ترتب عليه إضعافهم في مجالات الحياة المختلفة؛ كالمجالات التنموية والثقافية والاجتماعية، وأدت إلى إشغالهم عن مواجهة القوانين والسياسات العنصرية الإسرائيلية، ودفعت ببعض التجمعات إلى تغليب مصالحهم الاقتصادية والامتيازات التي تقدّمها لهم الحكومة الإسرائيلية عن حقوقهم الوطنية والمطالبة بها.
السياسات الإسرائيلية التي تعمل على قطع أواصر التواصل بين المجتمعات الفلسطينية في أراضي 48.
الخلافات بين الأحزاب العربية وعدم الوصول إلى رؤية استراتيجية وحدوية بين تلك الأحزاب تهدف إلى مواجهة السياسات الإسرائيلية وقوانينها العنصرية بشكل أفضل، بحيث تسلك الأحزاب المختلفة، في رؤيتها للصراع، مسارات مختلفة في مواجهة تلك القوانين، إذ يرى البعض أن الانخراط في الأنشطة الإسرائيلية ومؤسسات دولة الكيان من شأنه أن يساهم في خلق حالة أفضل من مواجهة السياسات الإسرائيلية وانتزاع الحقوق الفلسطينية، فيما يرى آخرون أن تلك الحالة والتماهي مع الرؤية الإسرائيلية في استقطاب الفلسطينيين داخل مؤسساتها، سبب رئيسي في تصعيد إسرائيل لسياساتها بحق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة.

ثانياً. أسباب موضوعية

غياب استراتيجية فلسطينية رسمية لمواجهة الاحتلال وسياساته: تسبب ضعف المؤسسات الفلسطينية الرسمية ممثلة بمنظمة التحرير، وتداعيات الانقسام الفلسطيني السلبية، في غياب استراتيجية قادرة على مواجهة السياسات الإسرائيلية العنصرية الهادفة إلى إلغاء الوجود الفلسطيني، وابتلاع الأراضي الفلسطينية، والسيطرة على القدس كاملة، ومنع قيام أي احتمالية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، كما دأبت القيادة الفلسطينية على التعامل بردّات الفعل، وليس ضمن سياق استراتيجية عمل موحدة، ما أضعف تحركاتها كافة في هذا السياق.
الاتفاقيات الفلسطينية –الإسرائيلية: انخرطت السلطة الفلسطينية في اتفاقيات مجحفة كبّلت إمكانية تحرك مؤسساتها باتجاه يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، أو يحافظ على الأرض وسيادة مؤسسات السلطة الفلسطينية على الأراضي الخاضعة لها.  وفى ظل اختلال موازين القوى والدعم الأميركي اللامحدود لإسرائيل، أصبح عدم التحلل من هذه الاتفاقيات يواجه بلوم كبير للسلطة الفلسطينية، على الرغم من أن إسرائيل لم تنفذ أيَّاً من التزاماتها الملقاة على عاتقها وفقاً للاتفاقيات، وخضع تنفيذها وفقاً للأهواء ولسياسة الابتزاز الإسرائيلية مع القيادة الفلسطينية، ولطالما طالبت مؤسسات منظمة التحرير بضرورة مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، أو التحلل منها، أو الالتزام بقدر ما تلتزم به إسرائيل، ولكن كان دائماً يواجه هذا الطلب برفض إسرائيلي، وتسويف فلسطيني، خوفاً من العقوبات التي قد تُفرض على السلطة الوطنية.

 

البدائل المقترحة

البديل الأول: تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة

ينطلق هذا البديل من مخالفة إسرائيل لميثاق الأمم المتحدة ولمبادئها التي تأسست عليها ولشروط العضوية فيها، حيث ينص ميثاق الأمم المتحدة في مقاصده على عدم التمييز بسبب الدين، وهو ما تخالفه دولة الاحتلال بنصها على أن دولة إسرائيل هي دولة قومية للشعب اليهودي، يحق له فقط تقرير مصيره، لاغياً حقوق أصحاب الأرض الأصليين، إضافة إلى أن إسرائيل قامت بقوة الاحتلال، كما أنها كانت تفتقر إلى شروط الدولة المطلوبة في القانون الدولي العام، وهي الإقليم ذو الحدود المعروفة، كما أن سيطرتها عليه جاءت نتيجة استخدام القوة، مخالفةً بذلك المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، ومخالفة بذلك مبدأ تحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ناهيك عن عدم وجود حدود لهذا الإقليم، وهو ما قوننته إسرائيل في "قانون القومية".

كذلك، تخالف إسرائيل الشرط الثاني لقبول العضوية، وهو أن تكون الدولة محبة للسلام، وهو ما يتعارض مع سياسة إسرائيل القائمة على الاحتلال والاستيطان، وإثارة الحروب الدينية، ومخالفاً لقرار الجمعية العامة رقم (37/123) الصادر في 16/12/1982، الذى نص على أن سجل إسرائيل وإجراءاتها تثبتان أنها ليست دولة عضواً محبة للسلام، وأنها تمعن في انتهاك المبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، ولم تقم بالالتزامات المترتبة عليها بموجب الميثاق، والالتزامات المترتبة عليها بموجب توصية الجمعية العامة رقم (273/1949).[7]

ومن شروط العضوية، أيضاً، أن تتعهد الدول بتنفيذ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل، حيث إنها ترفض تطبيق عشرات القوانين الصادرة لصالح الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، وعودة لاجئيه، وحقه في تقرير مصيره، وهو ما لغته إسرائيل بنصها في "قانون القومية"، على أن ممارسة حق تقرير المصير هو حصري للشعب اليهودي، وأهمها قرار 242، و338، و194، واحترام الوضع القانوني لمدينة القدس، وهو ما نسفته إسرائيل بإجراءاتها في فلسطين، وما قوننته وفقاً لقانون القومية الذى ينص على أن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل.

محاكمة البديل الأول

لا يخالف البديل المطروح المواثيق والمعاهدات الدولية، وبخاصة ميثاق الأمم المتحدة الذى ينص في المادة السادسة على فصل العضو الذى يمعن في انتهاك مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بتوصية من مجلس الأمن، إلا أنه يحمل تصعيداً ستعارضه الدول المتحالفة مع إسرائيل، وبخاصة مع اتهامات توجه لمنظمة التحرير الفلسطينية بأنها تسعى إلى نزع شرعية إسرائيل.

ضعيفة نظراً للرعاية الأميركية الدائمة للاحتلال الإسرائيلي، الذى يمنع أي قرار أو توصية من مجلس الأمن ضد إسرائيل، ناهيك عن شبكة العلاقات والتحالفات الدولية التي تملكها إسرائيل، والتي تستطيع من خلالها التأثير على الدول بعدم التصويت لمثل قرار كهذا.

هذا البديل يمكن أن يكون مكلفاً نظراً لما سيترتب عليه من عقوبات أميركية ضد السلطة، وتصعيد المواجهة مع الاحتلال، ما ينذر بإعادة الوضع لما كان عليه قبل اتفاقية أوسلو.

يعطي هذا البديل ورقة قوة لمنظمة التحرير الفلسطينية لاستخدامها في دفع إسرائيل لإلغاء قانونها.

 يحظى هذا البديل بشرعية دولية لما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة.

 

البديل الثاني: تفعيل قرار الجمعية العامة رقم (3379) بمساواة الصهيونية بالعنصرية

يركز هذا البديل على وضع خطة لإعادة إحياء وتفعيل هذا القرار الذي ينص على أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وكذلك وتفعيل لجنة القضاء على التمييز العنصري.

ويعتمد البديل على قوة الدبلوماسية الفلسطينية، وشبكة العلاقات التي بنتها المؤسسات الفلسطينية؛ سواء منظمة التحرير الفلسطينية، أو السلطة الوطنية، مع الدول المناهضة للاستعمار والتمييز والعنصري، ومستندة إلى قرار أممي سابق تم إلغاؤه نتيجة ضغط سياسي مارسته إسرائيل لتشارك في مؤتمر مدريد العام 1991، فإعادة تفعيل القرار رقم 3379 الذى يحدد أن الصهيونية هي شكل من أشكال التمييز العنصري، يجب مقاومتها لما تشكله من خطر على السلم والأمن الدوليين، والذى أدانت فيه التحالف بين العنصرية والصهيونية، تعمل على محاصرة إسرائيل دولياً؛ كونها أصبحت دولة تعرف عن نفسها بأنها دولة دينية عنصرية تكفل اليهود، وتعطى حق تقرير المصير لليهود فقط دون الأقليات الأخرى، وتحدد الدين أساساً للمواطنة.

محاكمة البديل الثاني

يحظى هذا البديل بمقبولية، لأنه يستند إلى قرار أممي سابق تم إلغاؤه نتيجة ابتزاز سياسي مارسته إسرائيل وأميركا في الأمم المتحدة.

ليست ضعيفة، ولكن يحتاج إلى تنشيط الدبلوماسية الفلسطينية لإقناع العالم بصدق الرواية الفلسطينية، وفضح القوانين والإجراءات الإسرائيلية.

يعود هذا البديل بمنفعة كبيرة على القضية الفلسطينية، إذ يعمل على فضح الاحتلال الإسرائيلي وقوانينه وزيف ادّعاءاته بأنه دولة ديمقراطية في الشرق الأوسط، ويعمل على محاصرته في العالم.

لا يعتقد بوجود خسائر لهذا البديل، كون أن المجتمع الدولي يعتبر "قانون القومية" هو قانون عنصري تمييزي، وإن كان ينطوي على مواجهة سياسية مع إسرائيل والولايات المتحدة.

 

البديل الثالث: سحب اعتراف (م.ت.ف) بإسرائيل، وتعليق الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين

ينطلق هذا البديل من تدمير إسرائيل لكل أسس عملية السلام، وتنكرها لكافة الاتفاقيات الموقعة مع (م.ت.ف)، ورفضها تنفيذ بنود الاتفاقيات الموقعة إلا فيما يتعلق بأمنها واستقرارها، واستمرارها وتوسعها في الاستيطان وقوننته، الذى يقضى على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مترابطة جغرافياً ذات سيادة، وإجراءاتها في القدس التي لا تعترف بأي حق فلسطيني فيها، ورفضها تطبيق حق العودة للاجئين، خلافاً للقرار الأممي 194، حيث إن الاعتراف المتبادل أعطى إسرائيل الحق في الوجود، ولكن إسرائيل ألغت الحق الفلسطيني في الوجود، كما أنها لم تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، حيث إن استمرار الاعتراف المتبادل يوحي باستعداد (م.ت.ف) لغض الطرف عما جاء في هذا القانون العنصري.

محاكمة البديل الثالث

 يحظى هذا البديل بمقبولية فلسطينية داخلية عالية، حيث إنه محل إجماع فلسطيني، وقد أصدر المجلس المركزي الفلسطيني توصية بضرورة البحث في سحب الاعتراف المتبادل مع إسرائيل.

يعود هذا البديل بمنفعة كبيرة على القضة الفلسطينية؛ كونه لا يعترف بأي أحقية لوجود إسرائيل على الأرض الفلسطينية، ولا أيٍّ من إجراءاتها، كما إنه يفتح الباب أمام نزع الشرعية عن إسرائيل، وسحب السفراء منها، وبخاصة أن إسرائيل لا تعترف بوجوده، ولا بأحقية الشعب الفلسطيني في استقلاله وإقامة دولته، كما إنه قد يعيد الصراع إلى الأمم المتحدة لتضع حلولاً له، كما إنه يحرر الفلسطينيين من اتفاقية أوسلو؛ محل الخلاف الكبير بين الشعب الفلسطيني.

 قد يدفع تطبيق هذا البديل إسرائيل إلى ممارسة بطشها بحق الشعب الفلسطيني، وتنفيذ سلسلة من الاحتجاجات والاعتقالات والقيود المالية على السلطة الوطنية الفلسطينية.

 

البديل الرابع: ضم الأحزاب العربية داخل فلسطين المحتلة 1948 إلى منظمة التحرير الفلسطينية

ينطلق هذا البديل من وحدة الهدف والنضال والمصير السياسي للفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة، وبخاصة في أراضي 1948، وتصحيحاً لخطأ تاريخي بإخراج فلسطينيي الداخل من النظام السياسي الفلسطيني.[8]

محاكمة البديل الرابع

المقبولية: يحظى هذا البديل بمقبولية لدى بعض الأطراف على الساحة الفلسطينية، انطلاقاً من أن الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة، يجب أن تكون لديهم قيادة واحدة؛ ذلك أن نضالهم واحد ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن أطرافاً أخرى ترفض هذا البديل، وتدفع باتجاه ضرورة المحافظة على خصوصية فلسطينيي 48 بأنهم أقلية.

المنفعة: يعود هذا البديل بمنفعة للفلسطينيين تأكيداً على أن الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة هم كتلة واحدة، لها هدف مشترك، ومصير مشترك، كما إنه يلغي، عملياً، الاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل على حدود العام 1967، ويعزز الروح الوطنية لديهم.

الخسائر: قد يعرّض هذا البديل فلسطينيي الداخل إلى حملة تضييق وتهجير من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وترحيلهم بالقوة إلى الضفة الغربية، أو قطاع غزة، تحت مبررات أن وجودهم غير قانوني، وغير شرعي في دولة إسرائيل.

 

البديل الخامس: استقالة النواب العرب من الكنيست الإسرائيلي

ينطلق هذا الطرح من أن السنوات السابقة التي كان للنواب العرب خلالها حضور في الكنيست الإسرائيلي، لم تشهد أي تغييرات إيجابية فيما يتعلق بسن ومنع تشريع القوانين التي توصف بأنها عنصرية، وتضطهد الأقليات الفلسطينية داخل إسرائيل،[9] كما أنهم لم يضعوا بصمات إيجابية، ولم ينجحوا في الضغط من أجل سن قوانين تحمي حقوق الفلسطينيين، كما لم يفلح اعتراضهم على إقرار القوانين وامتناعهم عن التصويت في منع تشريعها.

ويستند هذا الطرح إلى الأفكار الإسرائيلية القائمة على أن وجود النواب العرب داخل مؤسستهم التشريعية، هو دليل كافٍ على ديمقراطية دولة إسرائيل، واحترامها لحقوق الأقليات العربية/ الفلسطينية.

محاكمة البديل الخامس

: ضعيفة، نظراً لوجود حالة جدلية حول استقالة النواب العرب من الكنيست، كونهم لم يضيفوا إلى العملية التشريعية أي جوانب إيجابية تخدم الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل.  من جانب آخر، يعتبر فلسطينيون الوجود الفلسطيني داخل الكنيست الإسرائيلي، واستخدام حق التصويت، والانتخاب، من الآليات النضالية التي يجب عدم التنازل عنها، ويرى هؤلاء أنه يمكن العمل مع المعارضة الإسرائيلية من أجل انتزاع حقوق لصالح الفلسطينيين.

يعود هذا البديل بمنفعة سياسية محدودة، حيث تكشف الاستقالة الجماعية للنواب العرب زيف ما تدعيه دولة إسرائيل من ديمقراطية، وتحرجها على الصعيد الدولي.

قد يتسبب هذا البديل بخسارة للفلسطينيين تتمثل في إمكانية استقطاب المعارضة الإسرائيلية في الكنيست إلى صفّهم، من خلال أموال أو أفكار مشتركة، تؤدي في النهاية إلى التوصل إلى حلول وقوانين منصفة للأقليات الفلسطينية.

 

البديل السادس: العصيان المدني للفلسطينيين داخل إسرائيل

يستند هذا البديل إلى المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن، التي تنص على أن "الهدف من أي تجمع سياسي هو الحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية والدائمة (...)"، كما يدعمه القانون الدولي الذي شرّع المقاومة السلمية بأشكالها كافة، ومن بينها العصيان المدني.

 

في حين أن هذا البديل يعتمد، بشكل أساسي، على إرادة الفلسطينيين داخل إسرائيل من أجل مواجهة "قانون القومية"، مهما كلّفهم ذلك الأمر من أثمان على الأصعدة الاجتماعية أو الاقتصادية أو المالية، إلى جانب وجود داعم لصمودهم من الخارج.

 يلقى هذا البديل مقبولية عالية في الأوساط الفلسطينية والإقليمية والدولية، كونه أداة نضال سلمية، مشرّعة دولياً، وقادرة على انتزاع الحقوق بشكل أكبر من الآليات النضالية الأخرى، وهذا ما أكّدته مسيرة الشعب الفلسطيني في المقاومة السلمية.

يعود هذا البديل بمنفعة كبيرة على الفلسطينيين، بحيث يعيد طرح قضيتهم على الساحة الدولية بشكل قوي، ما يؤدي إلى استقطاب أنظار الدول الداعمة لهم، إلى جانب إمكانية تحقيق أهداف كبيرة في إطار مواجهة قانون القومية، فقد يثير العصيان المدني حفيظة المجتمع الدولي، ويتسبب بفرض بعض العقوبات على إسرائيل كتعليق عضويتها في مؤسسة دولية ما، ما يدفعها باتجاه إعادة النظر في القانون.

قد تتسبب حالة العصيان المدني بالمزيد من الانتهاكات الإسرائيلية والسياسات العنصرية بحق الأقليات العربية (الفلسطينية)، قد تصل إلى خسائر بشرية، أو مادية، لكن هذا الطرح يحتاج إلى سياسة "طول النفس"؛ كونها معيار النجاح.

 

البديل السابع: الملاحقة الجنائية والأممية لإسرائيل لتشريعها الاستيطان

ينطلق هذا البديل من تشكيل جسم تنسيقي بين مكون تمثيلي من فلسطينيي الـ48، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والشتات الفلسطيني، وممثلين عن مراكز الأبحاث والمؤسسات الحقوقية، على أن يكون الهدف إسقاط "قانون القومية"، وذلك من خلال إقامة أنشطة محلية ودولية منددة بالقانون، وتعمل على تعريته أمام الرأي العام العالمي، وكذلك عمل فريق الدبلوماسية عبر كشف القانون، وكسب التأييد للموقف الفلسطيني في دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة أن موقف الاتحاد ما زال رافضاً للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة العام 1967، إضافة إلى تكوين فريق وطني قانوني لمساعدة وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينيين.

في أيار 2018، قدمت دولة فلسطين طلب الإحالة إلى المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، لإجراء تحقيقات في انتهاكات إسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وبخاصة تلك المرتبطة بمنظومة الاستيطان الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وبعد إصدار قانون أساس "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، يمكن الاستناد على ما احتوى عليه هذا القانون من مخالفات للقانون الدولي الإنساني، ولقرارات الشرعية الدولية، بل مخالفات إسرائيل حتى لشروط قبولها في الأمم المتحدة كأول قبول شرطي لدولة عضو، وهو الوحيد حتى الآن، حيث جعلت هذه العضوية مرهونة باحترام الدولة الصهيونية لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالتقسيم، وبحق العودة للشعب الفلسطيني المهجر، والتعويض عليه.

غير أن إسرائيل التي التزمت رسمياً باحترام هذه القرارات، لم تفِ بالتزاماتها، وبموجب "قانون القومية" الجديد، يتم تشجيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، ومن الواضح أن الشعب الفلسطيني وتجمعاته السكنية هو من يدفع ثمن جرائم إسرائيل التي ترتقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبعد انكشاف الكراهية والعنصرية الصهيونية بإصدار هذا القانون، صار لزاماً على أن تقوم الخارجية الفلسطينية بتقديم إحاطة خاصة بالاستيطان فقط إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، مدعومةً بنصوص هذا القانون، وملفات التوثيقات للممارسات الإسرائيلية بالتهجير القسري للفلسطينيين، وازدياد معدلات البناء، وخرائطه.

محاكمة البديل السابع

يحظى هذا البديل بمقبولية، لأنه اتضح أننا بحاجة إلى زيادة أشكال التنسيق، وبناء الجهود المشتركة، وذلك بعد سنوات من سياسات إسرائيل المناطقية مع الفلسطينيين.  هذه المرة تأتي إسرائيل بقانون واضح يعبر عن عنصريتها، وتسقط ورقة التوت عن ديمقراطيتها، وتستهدف الكل الفلسطيني، إن لم يكن الأراضي العربية أيضاً كالجولان ... وغيرها.  في مقابل ذلك، يجب على الفلسطينيين أن يخلقوا وقائع على الأرض وينظموا تحركاً شعبياً لمواجهة عنصرية هذا الاحتلال، فضلاً عن التوجه إلى محكمة الجنايات كواجب وطني فلسطيني، وتقديم ملف الاستيطان وسياساته وممارسات الاحتلال تجاه الفلسطينيين التي ترتقي في بعض التجمعات الفلسطينية إلى مستوى الإبادة الجماعية، فوفقاً للمادتين 121 و123 من نظام روما الأساسي، اللتين تعرّفان جريمة العدوان، وتضعان الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، التي منها الإبادة الجماعية: أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية، حتى ولو بصفة قتل أفراد الجماعة، وإلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة، أو إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي آلياً أو جزئياً، كفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة، وهو هذا ما تفعله إسرائيل على أرض الواقع، عبر محاربة استقرار الفلسطينيين لحرمانهم من حياة طبيعية سوية.

يعود هذا البديل بمنفعة كبيرة على القضية الفلسطينية، وقد يعيد إلى القضية وحدتها بين أبناء الشعب الواحد، ويعمل على فضح المنظومة القانونية والقضائية للاحتلال، وكذلك يكشف عن زيف الديمقراطية الإسرائيلية، ويعمل على محاصرته في العالم.

لا يعتقد بوجود خسائر لهذا البديل تفوق ما يحدث حالياً؛ لأن المجتمع الدولي يعتبر قانون القومية قانوناً عنصرياً تمييزياً.

 

المفاضلة بين البدائل

حملت البدائل المطروحة تصورات وآليات عمل لمواجهة قانون القومية العنصري، وقد تحقق هذه البدائل مكاسب فلسطينية داخلية وخارجية، حيث تعمل على توحيد الموقف الفلسطيني الداخلي، وبخاصة للفصائل الرافضة لاتفاقية أوسلو، كما أنها ستعمل على حشر إسرائيل في الزاوية، من خلال الملاحقة القانونية والسياسية لها نتيجة إقرارها قانون وصفه العالم بأنه عنصري.

وتعتمد البدائل السبعة المذكورة على التكاملية فيما بينها، حيث من الأهمية بمكان البدء بتنفيذها بشكل متوازٍ وفق استراتيجية فلسطينية قائمة على مراكمة الإنجازات، وعدم تفويت الفرصة لإسرائيل لتسجيل المزيد من الأهداف في المرمى الفلسطيني.

كما أن تنفيذ هذه البدائل سيعزز من الوحدة الوطنية؛ كونها محل إجماع وطني، وقد سبق للفصائل والمؤسسات الوطنية أن طالبت ببعض منها، ولكن تحتاج هذه البدائل إلى تنشيط مؤسسات الشعب الفلسطيني كافة، وضمان عدم التخبط أو التراجع، حتى تعيد القضية الفلسطينية إلى مسارها الصحيح كقضية تحرر وطني، تسعى إلى الحرية، والعودة، وتقرير المصير، رافضة كل الإجراءات الإسرائيلية.

ولكن على الرغم من تكامل البدائل المطروحة، فإن المعطيات تفيد بضرورة البدء باستخدام البديل الثالث، الذي يطرح منطقية سحب اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، وتعليق الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين في الوقت الحالي، كونه البديل الأكثر أهمية من بين البدائل المقدّمة، ومن ثم اللجوء إلى البديل الأول الذي يقترح تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، وصولاً إلى البديل السادس الذي يطرح تنفيذ العصيان المدني للعرب داخل إسرائيل كأداة نضالية سلمية للاعتراض على سن القانون، والدفع باتجاه إلغائه.

 

الهوامش

[1] إقرار بالقراءة النهائية: "قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" 19/7/2018: https://goo.gl/oMq7YP

[2] المرجع السابق.

[3] السهلي، نبيل.  "فلسطينيو 48 والقوانين الإسرائيلية العنصرية"، موقع الجزيرة نت: https://goo.gl/7d8P6i.

[4] "القمع الإسرائيلي لحشد من الفلسطينيين في الخان الأحمر تجمعوا رفضاً لهدم التجمّع، قيس أبو سمرة"، الأناضول، 4/7/2018: https://goo.gl/GfNMdW.

[5] "قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين "عربية" و"يهودية""، موقع الجزيرة نت، 29/11/2016: https://goo.gl/KZju3G.

[6] "تعرف على كافة القرارات الأممية بشأن القدس"، موقع العربية نت، 7/12/2017: https://goo.gl/jsL2N9.

[7] "بطلان عضوية الكيان العاصي على القانون الدولي "إسرائيل" في الأمم المتحدة"، موقع تورس، 08/04/2010: https://bit.ly/2vOXHFP

[8] مقابلة شخصية مع رازى النابلسى، باحث في مركز مسارات 2018.

[9] مقابلة مع الشيخ كمال الخطيب، القيادي العربي داخل الأراضي المحتلة، 22/7/2018.

مشاركة: