الرئيسية » تحليل سياسات »  

| | |
تهويد مدينة القدس ... وآليات المواجهة

 هذه الورقة من إعداد: غسان الزعانين، علي شبيطة، عيد السلايمة، فاطمة الغصين، ضمن إنتاج المشاركين/ات في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي" 2018 الذي ينفذه مركز مسارات.

مقدمة

بعد توقيع اتفاق أوسلو العام 1993، وإدراج وضع مدينة القدس على جدول المفاوضات النهائية، صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي إجراءاتها التعسفية ضد المقدسيين؛ بهدف تفريغ المدينة من مواطنيها الفلسطينيين، استكمالاً لتهويدها، وجعلها "عاصمة" لدولة "إسرائيل الكبرى"، حيث عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على استخدام عدد من الوسائل والإجراءات من أجل خلق واقع جديد في مدينة القدس، وطمس هويتها الفلسطينية التاريخية.

رابط مباشر للقراءة أو التحميل

وقد دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على استكمال مخططها الاستيطاني، ومصادرة الأراضي والممتلكات، والإخلال بالميزان الديموغرافي، حيث أصبح عدد المستوطنين في القدس يساوي تقريباً عدد المستوطنين في الضفة الغربية، من خلال تشكيل بيئة طاردة لتهجير الفلسطينيين المقدسيين وسحب بطاقات "الهوية الزرقاء" منهم.  يأتي ذلك ضمن تنفيذ توصية اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون القدس العام 1973، التي تقضي بأن لا يتجاوز عدد السكان الفلسطينيين في القدس 22% من المجموع العام.

يضاف إلى ذلك إصدار العديد من القوانين والقرارات مثل "قانون التنظيم والتخطيط"، وما يترتب عليه من إجراءات قانونية وإدارية تجعل الترخيص والبناء أمراً معقداً إن لم يكن مستحيلاً، بهدف تضييق الخناق على السكان الفلسطينيين في مدينة القدس، ودفعهم إلى الخروج من المدينة، والعمل على السيطرة على قطاع التعليم، وكي الوعي المقدسي، من خلال فرض المناهج الإسرائيلية في المدارس الفلسطينية، واستبدال أسماء المعالم الفلسطينية بأسماء عبرية، وتسريع وتيرة الحفريات حول المسجد الأقصى وأسفله.

اليوم، وبعد مضي 70 عاماً على احتلال القدس، والانحياز الدولي المتجلي في موقف الولايات المتحدة الأميركية لصالح "إسرائيل" بشأن القدس، من خلال نقل السفارة الأميركية إلى القدس باعتبارها "عاصمة لدولة إسرائيل"، زاد الوضع سوءاً في ظل الأوضاع الفلسطينية الداخلية المضطربة، وانشغال الدول العربية بمشاكلها وأزماتها الداخلية، في ظل ضعف دور المؤسسات الفلسطينية والعربية، وغياب استراتيجية وطنية واضحة وموحدة لتعزيز سبل وآليات مقاومة عمليات التهويد في مدينة القدس.

 

الإشكالية

تكمن الإشكالية في قصور وضعف السياسات العامة الفلسطينية المتبعة في مواجهة إجراءات الاحتلال الإسرائيلي لتهويد مدينة القدس، وتغيير التركيبة الديموغرافية، والعمرانية، والطبيعة الثقافية والتاريخية للمدينة، فبعد التحول الذي طرأ على الواقع الفلسطيني بقيام السلطة الوطنية وهيئاتها ومؤسساتها، تأسست وزارة شؤون القدس العام 1996، التي عملت على تقديم الدعم المالي للفلسطينيين في القدس.

ومن الملاحظ اقتصار هذه السياسات فقط على تقديم الدعم المالي والإغاثي، ولم تتعداها إلى وضع آليات فعالة لمواجهة عمليات التهويد المستمرة، في ظل تعدد المرجعيات المنبثقة عن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وديوان الرئاسة، والتضارب وعدم التنسيق بينها، وغياب خطة فلسطينية وعربية موحدة لمواجهة ما تتعرض له مدينة القدس، واختلال الميزان الديموغرافي لصالح المُحتل، وغياب رؤية وطنية؛ سواء رسمية أو غير رسمية، تتصدى لعمليات التهويد المتسارعة.

 

الهدف العام

تقديم آليات من شأنها تعزيز صمود الفلسطينيين في القدس لمواجهة عمليات التهويد المستمرة، والحشد والتنظيم على المستويات الرسمية وغير الرسمية المحلية والدولية كافة، لمواجهة عمليات التهويد، على قاعدة التمسك بالحقوق الوطنية التاريخية للشعب الفلسطيني أينما وجد.

 

الهدف الخاص

اقتراح سياسات تساهم في تثبيت الفلسطينيين في القدس على الأرض لمقاومة عمليات التهويد من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بالتنسيق المباشر مع الجهات الرسمية وغير الرسمية العاملة في الميدان، من خلال دراسة أسباب ضعف السياسات والآليات المتبعة، وما هو الأجدى اتّخاذه في المرحلة الحالية من المتغيرات المحلية والإقليمية في وضع مدينة القدس.

 

واقع التهويد في مدينة القدس

تسعى سلطات الاحتلال إلى تكثيف جهود التهويد على مستويات عدة، باتباع سياسات وآليات واضحة، فبعد أن أحكمت القبضة على الشطر الغربي لمدينة القدس، وتم تهويده بشكل كامل، سرّعت جهودها نحو إنجاز وتكثيف خطواتها، أيضاً، في الشطر الشرقي للمدينة، ولم تتوقف عمليات التهويد مطلقاً، بل كانت تنفذ بالتوازي، مع رصد موازنات مكونة من مبالغ ضخمة جداً لتنفيذ مخططاتها، على مستويات عدة:

التهويد الديموغرافي: خلخلة الميزان الديموغرافي لصالح الإسرائيليين، وتشكيل بيئة طاردة للفلسطينيين المقدسيين تدفعهم إلى الهجرة بسبب فقدان المنزل أو العمل إلى خارج مدينة القدس، حيث بلغ إجمالي عدد السكان في مدينة القدس بشطريها 882,700 حتى نهاية العام 2016، منهم 62% من المستوطنين، و38% من الفلسطينيين، حيث بلغ تعداد الفلسطينيين حوالي 327,700 فلسطيني مقابل 214,600 مستوطن في شرق القدس، وفي غربها 4,700 فلسطيني مقابل 335,500 مستوطن،[1] أو من خلال إقامة الجدران العازلة، وإقامة جدار الفصل العنصري حول القدس، وبين الأحياء الفلسطينية والأحياء المأهولة بالمستوطنين، وقطع التواصل حتى بين الأحياء الفلسطينية، إضافة إلى المصادرة والاستيلاء على الأراضي والممتلكات وهدم البيوت بحجة عدم الترخيص، مقابل دفع غرامات باهظة وتعجيزية، فضلاً عن انتهاج سياسة الاعتقال والإبعاد وسحب بطاقة الهوية من الفلسطينيين المقدسيين المقيمين في القدس الشرقية "الهوية الزرقاء"، حيث بلغ عدد المقدسيين المسحوبة هوياتهم 14,500 مقدسي، ومن تأثروا بهذا السحب وصل إلى 100,000.[2]  كما سعى الاحتلال إلى منع الفلسطينيين المقدسيين من تكوين جبهة سياسية داخلية معارضة، وحرمانهم من ممارسة حقوقهم السياسية.  يُذكر أنه في الانتخابات التشريعية العام 2005، سُمح لهم بالانتخاب عبر صناديق البريد، بعد اعتقال وإبعاد النواب المرشحين في العملية الانتخابية، ولم يسمح لهم بالمشاركة في الانتخابات المحلية في العامين 2005 و2016.

التهويد الديني والثقافي والعمراني: تزخر القدس بالعديد من المعالم الدينية للمسيحيين والمسلمين، والمعالم الثقافية القديمة، وتسعى قوات الاحتلال إلى طمس هذه المعالم وتشويهها، من خلال استمرار الحفريات حول المسجد الأقصى وأسفله، والتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، وتكثيف اقتحامات المسجد الأقصى، والاعتداء المستمر على المصلين المسلمين، وإبعادهم عن الدخول للصلاة فيه، حيث بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى في العام 2017 وحده حوالي 25,628، مشكلاً زيادة بنسبة 75% مقارنة بالعام 2016.[3]  كذلك التضييق المفروض على المسيحيين، واستمرار الاعتداءات على الكنائس والأديرة من قبل الاحتلال ومستوطنيه.

تكريس عزل القدس عن باقي مدن الضفة الغربية وتعقيد طرق الدخول إليها، ونصب الحواجز الإسرائيلية في كل مكان، والاستمرار في عملية بناء الوحدات الاستيطانية فوق الأراضي الفلسطينية المُصادرة عنوة من ملاكها، وهدم بيوتهم؛ فقد بلغت عدد البيوت والمنشآت التي هدمتها سلطات الاحتلال ما يزيد على 5,000 بيت ومنشأة في شرق القدس منذ احتلالها العام 1967،[4] وتهديد ما يزيد على أكثر من 20,000 بيت مقدسي بالهدم تحت ذرائع مختلفة، وتفرض عليهم رسوماً وغرامات باهظة جداً لا يمكنهم تحملها، تصل إلى 30,000 دولار للرخصة الواحدة،[5] وإن استطاعوا تحملها، فإن العملية الإدارية التعجيزية الطويلة هي مسألة أخرى من المماطلة والغرامات المتكررة لأسباب غير معلومة.

ويستمر المُحتل في تهويد أسماء الشوارع والمعالم الفلسطينية بأنواعها كافة، وتشويه الهوية، وضرب الذاكرة، من خلال كي الوعي الفلسطيني للأجيال الناشئة، عبر فرض مناهج إسرائيلية تتناول تاريخ "إسرائيل"، وما يدعم روايتها المزعومة، وتجاهل تاريخ فلسطين وماضيها وحقيقته، وصرف مبالغ ضخمة على عملية "الأسرلة" للأجيال الناشئة في قطاع التعليم وحده بلغت 68.7 مليون شيكل لدعم المدارس التي تدرس المنهاج الإسرائيلي.[6]

 

ما هي الأسباب الكامنة وراء عدم فاعلية السياسات والآليات المتبعة فلسطينياً لمواجهة التهويد في مدينة القدس؟

أولاً. تعدد المرجعيات: هناك تعدد بين المرجعيات الموجودة في القدس، التي، أيضاً، تفتقر إلى التنسيق وتضافر الجهود فيما بينها، فهناك مؤسسات تابعة لمنظمة التحرير؛ مثل المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، ودائرة شؤون القدس، وينحصر دورهما في أنشطة إعلامية خاصة بالقدس فقط، ومرجعيات السلطة الفلسطينية، وهي محافظة القدس للحفاظ على الأمن والأخلاق، ووزارة شؤون القدس التي أُلحقت مكانياً بمحافظة القدس لاستعمال مبناها ومواردها لمباشرة أعمالها، على الرغم من الاستقلالية المالية والإدارية للمرجعيتين، ومرجعيات تابعة للرئاسة وديوان الرئاسة؛ مثل: اللجنة الوطنية العليا للقدس، وحدة شؤون القدس، وهذه المؤسسات لم تبنِ علاقة ثقة بينها وبين المواطن الفلسطيني في القدس، فقد كانت تقدم خدمات لا تتناسب مع طبيعة وحجم الاحتياج الذي يعاني منه الفلسطيني المقدسي، ما رسخ مع الوقت ضعف الإيمان لدى المواطن الفلسطيني المقدسي بجدوى وجود هذه المؤسسات وفاعليتها.

ثانياً. غياب خطة وطنية واضحة: ما أفرزته السلطة الفلسطينية والمنظمة هو العديد من المؤسسات والهيئات، ولكن دون وجود خطة وطنية محددة تجاه مدينة القدس ودعمها، ودون تنسيق فعلي بينها، كما لم تتضافر الجهود العربية مع الفلسطينية لمواجهة التهويد في القدس في ظل الوضع الإشكالي الراهن.  فمثلاً، تعمل نقابة المهندسين الأردنيين في القدس دون التنسيق مع الجهات الفلسطينية المعنية.  ويُعزى، أيضاً، سوء إدارة الموارد وعدم استغلالها، بالشكل المُجدي، حتى لخدمة الفلسطينيين المقدسيين ودعمهم، سواء موازنات هذه الهيئات، أو ما يتدفق إلى أرصدتها من معونات ومساعدات.

في المقابل، تبذل حكومة الاحتلال الإسرائيلي جهداً حقيقياً يمكن رؤيته بشكل واضح من خلال الموازنة الضخمة المصروفة لصالح تنفيذ عمليات التهويد في القدس على الأصعدة كافة، ففي العام 2018 وحده، بلغت الميزانية المرصودة لتعزيز سيطرتها فقط على شرق القدس حوالي ملياري شيكل،[7] وحتى على صعيد القطاع الخاص، فإن رجال الأعمال يشاركون بتبرعاتهم السخية لصالح تنفيذ مشاريع تهويدية تعزز الوجود الإسرائيلي في القدس، وعلى النقيض تماماً فإن الميزانية المخصصة لمدينة القدس في موازنة السلطة الفلسطينية يمكن تسميتها بـ "ميزانية خجولة"، تذهب في غالبها إلى مصاريف تشغيلية لمؤسساتها ومرجعياتها، دون تحقيق أهداف حقيقية على أرض الواقع.

وحتى على صعيد الدعم الإغاثي المالي المقدم للفلسطينيين المقدسيين، فإنه لا يتناسب أولاً مع حجم الميزانية المرصودة من قبل السلطة الفلسطينية، ولا يتناسب أيضاً مع حجم فداحة التهديدات التي تحدق حالياً ولاحقاً بمستقبل وجود الفلسطينيين في القدس.

ثالثاً. استمرار تآكل سقف المطالب: إن الخطيئة المؤسِّسة للوضع القائم اليوم في مدينة القدس، هي إدراجها على سلم المفاوضات النهائية بعد توقيع اتفاق أوسلو، وفصل القضية عن الأرض والشعب، ومرحلة القضايا وتجزئتها، مع الاستمرار في المفاوضات في ظل عدم التزام الجانب الإسرائيلي بشروط التفاوض وفق التفاهمات والاتفاقيات السابقة، في ظل ضعف وزعزعة البيت الفلسطيني.  وقد استمرت قوات الاحتلال بعمليات التهويد دون توقف لتفرض حقائق على الأرض، والتعامل معها كأمر واقع، وانحسار الموقف الفلسطيني في دائرة "رد الفعل" فقط، دون تخطيط أو تنظيم، ما أدى إلى استمرار هبوط سقف المطالب والمساومات المجانية التي لم تجني شيئاً يذكر، لا للفلسطينيين عامة، ولا للمقدسيين خاصة.

 

المعايير

طرح البدائل التي يمكن من خلالها تحقيق الأهداف المنشودة من الورقة، يتطلب تحديد معايير محددة، يمكن من خلالها قياس قدرة البدائل المطروحة على الوصول إلى الهدف العام، فعملية قياس مدى تحقيق أي بديل، تتم من خلال حجم وقيم المؤشرات التي تنتج عنه وفقاً للمعايير الآتية:

المقبولية: تحظى القدس فلسطينياً وعربياً بإجماع تام على الأحقية الفلسطينية بها، وحتى على الصعيد الدولي، فإن هناك مجموعة من القرارات الدولية التي تؤكد على هذه الأحقية، ويمكن قياس مقبولية تقديم بدائل تخص مدينة القدس ومواجهة التهويد بقراءة بسيطة لأكثر الأحداث حصرية شعبياً؛ مثل ما عرف بانتفاضة السكاكين، وهبة بوابة المسجد الأقصى، والاستعداد الجماهيري الشعبي للتحرك لحماية وجوده الفلسطيني على الأرض، ورغبته في التحرر، وحاجته لوجود مرجعية واحدة تمثله وتستمد شرعيتها من خلال قبوله واعترافه بها.

المشروعية: إن المشروعية هي مشروعية تاريخية بفلسطينية مدينة القدس وعروبتها، وأهميتها الدينية أيضاً، وأن فلسطين ما زالت أرضاً تحت احتلال، والوجود الإسرائيلي هو وجود "قوة محتلة" وفق القانون الدولي والقرارات الدولية التي حمت حقوق الفلسطينيين، وأكدت على وضع القدس بأنها غير قابلة للتصرف في إطار "اتفاق أوسلو"، وعدم مشروعية أي تغييرات تفرض من جانب أي طرف، والحماية الدولية للقدس وفق اتفاقية جنيف الرابعة.  والمشروعية لتطبيق البديل تكمن في الاستحقاقات القانونية الدولية والتاريخية؛ مثل العودة إلى تجديد شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، في حال حل السلطة ومؤسساتها.

المعقولية: يمكن قياس مدى إمكانية تفعيل البديل من خلال المقارنة ما بين الفرص والتحديات التي تواجه طرح البدائل، ومدى الاستعداد لها على الصعيد الرسمي وغير الرسمي، وإلى أي مدى يمكن تذليل العقبات التي تواجه طرح هذه البدائل، وكيفية التعامل معها، مثل هبة البوابات الإلكترونية في المسجد الأقصى التي تحرك فيها الفلسطينيون المقدسيون بشكل منظم، وتعليق مصالحهم، والذهاب إلى التظاهر أمام البوابات اعتراضاً على سياسة قوات الاحتلال الإسرائيلي، والحاجة إلى جبهة سياسية داخلية منظمة تحفز الجماهير للتحرك، وتستطيع الضغط داخلياً من خلال العمل النضالي المباشر.

الوعي العام: من المنصف القول إن الاحتلال فرض أمراً واقعاً بالعزل الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وكلاهما ومدينة القدس، وأغرقت كل منطقة بمشاكلها وهمومها، إلا أن الوعي العام الفلسطيني بمختلف أطيافه يتفق اتفاقاً تاماً حول أهمية مدينة القدس بكل الأبعاد، وبخاصة كونها العاصمة الأبدية والوحيدة لفلسطين، لكن تبقى المسألة في مدى جدية تحريك الوعي العام تجاه تطبيق فعلي للبدائل المقترحة في إطار ما يعيه.

 

البدائل المقترحة

البديل الأول: توحيد المرجعيات والرؤى

يحتمل هذا البديل الإمكانية السريعة للتحقيق، والضرورة العاجلة للبدء بتوحيد المرجعيات وضمها في جسم مرجعي واحد، يحمل رؤية واضحة بخطة وطنية موحدة معلن عنها، مع رصد ميزانية موائمة لحجم التحديات التي يجدر بها مواجهتها ومعالجتها قدر الإمكان، ويشارك في وضعها الفلسطينيون في القدس، ويقوم على إدارتها فلسطينيون مقدسيون، يحظون بالتأييد والدعم الشعبي والثقة من قبل الفلسطينيين في القدس.

يضاف إلى ذلك تقديمُ خطة برامج واضحة يساهم، أيضاً، المجتمع المدني في المشاركة والانخراط فيها، من خلال التشبيك مع باقي المؤسسات المعنية في مختلف أماكن التواجد الفلسطيني، لتشكيل شبكة دعم وتأييد بنيوية تستطيع ممارسة قوتها من خلال قنواتها المؤسساتية التشبيكية للتخطيط والتصدي لأي عمليات تهويدية بحق المكان وساكنيه، من خلال قاعدتها الجماهيرية الشعبية المؤيدة، للتحرك المنظم والفعال، وتسليط الضوء على القضية محلياً ودولياً، دون إغفال المحاولات الجادة لمعالجة الواقع الصعب الحالي، والبحث عن حلول له، ولا يضر إن استطاعت هذه الشبكة حشد وضم مؤسسات دولية وحقوقية ضمن بنيتها التشبيكية، لتوثيق ورصد أهم الانتهاكات واتخاذ التدابير القانونية الملائمة.

 

البديل الثاني: تشكيل جبهة سياسية داخلية

يفتقر السكان الفلسطينيون في القدس إلى المشاركة السياسية في الشؤون السياسية الفلسطينية، ولا يغفل على أحد أنه لا وجود أو تأثير للسلطة الفلسطينية في مدينة القدس، فكل شيء هناك يخضع لسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومن الضروري، في هذه الحالة، تثبيت الوجود الفلسطيني في القدس، من خلال تشكيل جبهة سياسية داخلية من الأطياف السياسية كافة، وتكون بعيدة كل البعد عن البنى المؤسساتية للسلطة، لتتجاوز "وهم مؤسسات الدولة" الذي فرضته السلطة الفلسطينية بقيامها، تتبنى برنامجاً وطنياً نضالياً موحداً، يسعى إلى الضغط والمقاومة المباشرة مع العدو المحتل، من خلال الحشد الجماهيري الشعبي.

لماذا هذا البديل قد ينجح؟

أولاً. لأن هذه الجبهة ستنجح في خلق حقائق ضاغطة على أرض الواقع، تتمثل في تكوين حشد وتكتل بشري سياسي فلسطيني مقدسي داخل بنية المجتمع "الإسرائيلي" بامتياز، وهذا ما سيشكل تحدياً كبيراً لقوات الاحتلال، كونها تسعى، طوال الوقت، إلى التفكيك والفصل المعنوي والمادي بين كل مكونات المجتمع الفلسطيني في القدس.

ثانياً. لأن هذه الجبهة ستكون في حِّل من التزامات السلطة الفلسطينية وتفاهماتها مع المُحتل، ما يتيح لها مساحة أكبر للفعل النضالي الثوري غير المقيد بشروط، ولأنها ستتجاوز مؤسساتية السلطة، وقد رأينا مثالاً شبيهاً إلى حدٍ ما في هبة البوابات الإلكترونية في القدس، لكنه سرعان ما انحسر وتراجع كونه أتى في سياق "ردة الفعل".

 

البديل الثالث: تحرك دولي قانوني ومقاطعة سياسية واقتصادية

يأتي هذا البديل في إطار "الحل الأخير" المتمثل في حل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، وإعادة الحياة إلى منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وما زالت تحتفظ بمقعدها حتى اللحظة في هيئة الأمم المتحدة، بأن تُقدم على تحرك دولي قانوني لمحاسبة قوات الاحتلال الإسرائيلي على انتهاكاتها المستمرة، بدءاً من القرارات المتعلقة بحق العودة، وانتهاءً بقرار مجلس الأمن 2334، الذي نص على ضرورة وقف بناء المستوطنات الإسرائيلية وعدم مشروعيتها، إضافة إلى قائمة من القرارات الدولية المؤيدة للموقف والحق الفلسطيني.  لكن الواقع يبقى يقول إن التحرك الدولي وحده ليس كافياً.

يقترح هذا البديل أن يترافق مع التحرك الدولي الرسمي أمام الجهات الدولية المتخصصة مثل محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ومجلس الأمن، وتشكيل شبكة حشد وضغط مع الدول المؤيدة عربياً ودولياً لوقف علاقاتها الدبلوماسية مع "إسرائيل"، والضغط على الولايات المتحدة الأميركية للتراجع عن قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أيضاً، بالتزامن مع تحرك فلسطيني داخلي بالمقاطعة السياسية، ووقف كافة التعاملات الرسمية وغير الرسمية في التواصل مع "إسرائيل"، ومقاطعة اقتصادية تامة وشاملة لكافة المنتجات والبضائع الإسرائيلية، ووقف التعاملات الاقتصادية في المجالات الأخرى كافة، والعودة إلى حالة النضال الشعبي الشامل للتحرر التام والكامل.

 

المفاضلة بين البدائل

قدمت الورقة مجموعة من البدائل المتكاملة، التي من شأنها تحقيق الهدف العام للورقة، غير أنه في سياق المفاضلة بين البدائل على أساس تحقيق البديل الأقرب للتطبيق وفقاً للحالة السياسية الراهنة، يعد البديل الأول ضرورة مُلحة في الوقت الحالي، لتقديم مرجعية بشكل جديد كبداية لطريق إعادة ثقة الفلسطينيين المقدسيين في إمكانية الحل، بشرط أن تكون هذه المرجعية بإدارتهم، وتقدم خطة برامج واضحة ومُعلناً عنها، بدعم مباشر وكثيف من القنوات الرسمية وغير الرسمية كافة، حيث سيشكل هذا البديل في الفترة الحالية مرجعاً مهماً، أيضاً، للأفراد والمؤسسات المعنية، وقطيعة مع شكل وطبيعة المؤسسات غير المجدية.

تقترح الورقة حتى نصل إلى تطبيق البديل الأول بشكل كامل، البدء بتنفيذ البديل الثاني بالتوازي أيضاً لتشكيل جبهة سياسية داخلية من الأطياف الحزبية كافة، تمتلك قاعدة جماهيرية شعبية، يمكن توجيهها وحشدها لمقاومة عمليات التهويد، تقوم بالتشبيك والتنسيق مع المرجعية في البديل الأول، وباتباع البديلين الأول والثاني، يظل خيار التلويح بالبديل الثالث قائماً كحل أخير، ولا بد منه في حال فشل البديلين الأول والثاني.

 

[1] مؤسسة القدس الدولية، أبرز المعطيات في شرق القدس في الذكرى 51 لاحتلاله، مؤسسة القدس الدولية، القدس، 4.

[2] المصدر السابق، 5.

[3] المصدر السابق، 6.

[4] المصدر السابق، 5.

[5] أحمد نوفل، مستقبل القدس في ظل الواقع والمواقف، ورقة علمية ضمن مؤتمر تهويد القدس وآليات المواجهة السياسية والإعلامية، 207.

[6] أبرز المعطيات في شرق القدس في الذكرى 51 لاحتلاله، مصدر سابق، 6.

[7] المصدر السابق، 6.

مشاركة: