
تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج قادة التغيير الدفعة (2) - برنامج تعزيز المشاركة المدنية والديمقراطية للشباب الفلسطيني المنفذ من مركز مسارات بالشراكة مع مؤسسة أكشن ايد فلسطين
مقدّمة
تعود جذور التبعية الاقتصادية الفلسطينية لإسرائيل إلى سياسات الاحتلال الإسرائيلي الذي هدف من خلالها إلى إخضاع فلسطين إلى إرادته وهيمنته اقتصادياً، فظهرت علاقة غير متكافئة ترتكز على سيطرة إسرائيل على الموارد الاقتصادية الفلسطينية كافة، وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع استهلاكي غير منتج، وأحد أكبر الأسواق لترويج البضائع الإسرائيلية، ومورد للأيدي العاملة الأجنبية.
مرت التبعية الاقتصادية الفلسطينية لإسرائيل بثلاث مراحل:[1]
المرحلة الأولى قبل العام 1991: اتبع الاحتلال الإسرائيلي، في هذه المرحلة، نهجاً للتبعية وتعطيل التنمية الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني عن طريق زيادة توجه العمال الفلسطينيين للعمل في السوق الإسرائيلية، وفرض ضرائب على التجار الفلسطينيين، ومنع قيام الكثير من الصناعات، ومحاربة القطاع الزراعي لإبعاد الناس عن أراضيهم، والسيطرة على الموارد المائية والطاقة والاستيراد والتصدير، وإخضاع معظم الأمور والقرارات الاقتصادية الفردية والجماعية لموافقاته، وتسويق الأماكن السياحية الفلسطينية باعتبارها إسرائيلية، وسرقة الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات عليها، ومنع البناء خارج حدود البلديات.
المرحلة الثانية (1991–1993): شهدت هذه المرحلة قيام القطاع الخاص الفلسطيني بوضع خطة تنموية للحد من تبعية الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل، بحيث اهتم بالعديد من جوانب الاقتصاد منها: العمل على إيجاد بيئة استثمارية مناسبة، والاستثمار في مختلف المجالات كالمصارف، وشركات التأمين، والصناعة، والتجارة، والمشاريع السياحية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتواصل مع العالم العربي والدولي من خلال المشاركة في المعارض والمؤتمرات والبحث عن أسواق جديدة.
المرحلة الثالثة بعد العام 1993: في هذه المرحلة، تأسست منظومة السيطرة الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني من خلال بروتوكول باريس الملحق الاقتصادي لاتفاق أوسلو، الذي كان من تبعاته: استغلال أموال المقاصة، وتقييد صلاحيات السلطة في إمكانية إصدار النقد، والقيود على الواردات والصادرات وحركة اليد العاملة، وسلب سيادة السلطة على المعابر وعلى منطقة (ج) ومواردها الطبيعية، وفرض أسعار تقارب نظيرتها الإسرائيلية، وحجب أموال فلسطينيي الخارج، ما أدى إلى ازدياد البطالة، والبطالة المقنعة، وغياب عملة وطنية مستقلة.[2]
أعقب ذلك حدوث الانقسام الفلسطيني العام 2007 الذي أدى إلى إضعاف العلاقات الاقتصادية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، نتيجة وجود إدارتين تتباين فيهما مصادر الموارد المالية وأوجه الإنفاق. وكان التأثير أكثر وضوحاً في قطاع غزة بسبب تعرضه للحصار الاقتصادي والاعتداءات المدمرة التي شنتها الآلة العسكرية الإسرائيلية.[3]
وأمام محاولات إسرائيل لتعزيز هيمنتها على الاقتصاد الفلسطيني، كانت هناك محاولات حثيثة للحد من تلك الهيمنة على الصعيدين الفلسطيني والدولي. فعلى الصعيد الفلسطيني الرسمي، قامت السلطة الوطنية الفلسطينية بوضع سياسات عدة تحد من هذه التبعية؛ أهمها إصدار قرارات تقيد دخول المنتجات الإسرائيلية إلى السوق الفلسطيني؛ مثل قرار العام 2020 منع استيراد المنتجات الغذائية الإسرائيلية التي بلغت قيمتها 300 مليون دولار، مقابل الصادرات الفلسطينية التي بلغت قيمتها 55 مليون دولار، إضافة إلى وقف استيراد العجول الإسرائيلية ضمن خططها للانفكاك الاقتصادي والتجاري عن إسرائيل في عديد القطاعات، وقامت السلطة بدعم المزارعين الفلسطينيين، من خلال توزيع شتلات أشجار مجانية وأسمدة وبذور زراعية عليهم، إضافة إلى إعطائهم بعض الأراضي الزراعية،[4] ليس للتشجيع على الاستثمار الزراعي فحسب، إنما، أيضاً، للحد من استيلاء الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، وبخاصة في الأغوار. كما صدر عن الرئيس محمود عباس في العام 2010 قرار بقانون بشأن حظر ومكافحة منتجات المستوطنات، وبموجب هذا القرار بقانون؛ يحظر على أي دائرة حكومية تسجيل أية وكالة تجارية، أو علامة تجارية، أو اسم تجاري، أو أية خدمة أخرى لأي شخص، إذا كان موضوعها يتعلق بمنتجات المستوطنات؛ ويشطب تسجيل أي شخص، وتسجيل أية وكالة تجارية، أو أية علامة تجارية مسجلة في السجل الخاص بها، إذا كانت ذات علاقة بتداول منتجات المستوطنات، أو استخدم وكالته لتداولها.
أما على الصعيد الشعبي؛ فقد كانت هناك صور مختلفة؛ أهمها حملات مقاطعة المنتجات الإسرائيلية مثل حملة "اشتري من بلدك"، وحملة "قاطع عدوك"، اللتين لقيتا صدى كبيراً، إضافة إلى قيام المحلات التجارية بالسماح بوضع منشورات تشجع مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، مستخدمين عبارات مختلفة، منها: "لا تدعم عدوك"، "أنت تتبرع بشرائك هذا المنتج بنسبة 16% للجيش الإسرائيلي"، "كل شيكل يساوي رصاصة"، وقيام بعض المحلات التجارية بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية بشكل قاطع، مثل "سوبر ماركت السهل الأخضر" في رام لله و"ماس ماركت" في نابلس، الأمر الذي أثر على اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي، وعزز الاقتصاد الفلسطيني، وهذا بدورة أثر، بشكل كبير، على المجتمع الدولي، حيث قامت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) بالحث على مقاطعة الشركات الإسرائيلية، وكل شركة لها علاقة بإسرائيل، ما عاد بأضرار على الاقتصاد الإسرائيلي؛ ففي العام 2010، انخفضت نسبة الاستهلاك والشراء الفلسطيني للمنتجات الإسرائيلية بمعدل 35% خلال الشهور الثلاثة الأولى حسب رئيس اتحاد الغرف التجارية الإسرائيلية.[5] وبحسب الخبراء الإسرائيليين، فإن الاقتصاد الإسرائيلي سيخسر نحو 20 مليار دولار نتيجة المقاطعة الدولية؛ إضافة إلى أن نحو 30% من الشركات في إسرائيل ستتضرر أيضاً، بسبب تعاملها مع مستوطنات الضفة الغربية التي يرى المجتمع الدولي أنها غير شرعية.[6]
يضاف إلى ذلك آخر الحملات المحلية؛ وهي "أسبوع الاقتصادي الوطني"، الذي هدفة التشجيع على شراء المنتجات الفلسطينية ودعم المزارعين والأيدي العاملة الفلسطينية، حيث انتشرت الحملة في كل من الضفة الغربية وأراضي العام 1948.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات للحد من التبعية الاقتصادية، والجهود الحثيثة لزيادة الوعي العام بأهمية دعم الاقتصاد الوطني، فإن هناك جوانب عدة تؤثر سلباً على الحد من هذه التبعية؛ فسن قوانين تمنع دخول منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير كافٍ، وعدم قيام السلطة بسن قوانين تمنع دخول المنتجات الإسرائيلية بشكل عام، أبقى السوق الفلسطيني مغرقاً بالمنتجات الإسرائيلية، وبخاصة من الشركات الكبرى في أراضي العام 48؛ مثل شركات "تنوفا"، و"أوسم"، و"عيليت"، و"شتراوس"، ...وغيرها الكثير التي تساهم في حصة أساسية من عائدات الاقتصاد الإسرائيلي.
كذلك، كانت معظم حملات المقاطعة الإسرائيلية عبارة عن ردود فعل فلسطينية عن حروب الاحتلال وجرائمه بحق الفلسطينيين، ما جعلها، في معظم الأحيان، لا تستمر.
تقدم هذه الورقة بدائل وحلول تعمل على الحد من التبعية الاقتصادية للاحتلال، تنطلق من جهود وأفكار شبابية واعية لضرورة إيجاد اقتصاد مستقل.
الهدف الرئيسي للورقة:
تقديم سياسيات وآليات من شأنها الحد من التبعية الاقتصادية للاحتلال، وتدعيم دور الشباب في هذا الإطار.
الأهداف الفرعية:
واقع سياسات السلطة وأثرها في دعم اقتصاد مقاوم في ظل عملية السلام
تعد سوق العمل والتجارة الخارجية التي بدأت منذ الاحتلال من أهم عناصر التبعية، وأضيف إليها عنصر التبعية المالية، حيث لعبت سياسات السلطة الفلسطينية الاقتصادية والمالية المتبعة منذ قيامها بموجب اتفاقية أوسلو العام 1993، وما تلا ذلك من توقيعها على بروتوكول باريس الاقتصادي العام 1994، الذي عمل على ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، دوراً كبيراً في تكريس هيمنة التبعية الاقتصادية، وقد تمثل ذلك في عدم امتلاك السلطة الفلسطينية السيادة على أراضيها ومواردها الطبيعية والمالية، وأيضاً فقدانها السيطرة على المعابر والحدود، ما شكّل عائقاً أمام إحداث تنمية اقتصادية. كما أنَّ افتقار السلطة الفلسطينية لاستراتيجية اقتصادية تقوم على دعم الاقتصاد الوطني المقاوم بمختلف أشكاله، وسعيها إلى إقامة اقتصاد الدولة تحت الاحتلال، كانا من العوامل الأساسية في ضعف البنية الإنتاجية، وانعدام القدرة التنافسية، وأحدثا تأثيرات عميقة في اتجاهات المواطن الفلسطيني الاستهلاكية، التي لا تنسجم، بالمطلق، مع دخله المتاح،[7] كما تسبّبا في زيادة نسبة البطالة، وهجرة رؤوس الأموال الوطنية، وزيادة حجم العمالة في المستوطنات الصهيونية بشكل مستمر. ووفقاً للبيان الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في 13 نيسان 2020، بلغت نسبة الأيدي الفلسطينية العاملة في إسرائيل والمستعمرات في العام 2020 نحو 125,000 عامل.[8]
لقد اتبعت السلطة الفلسطينية سياسة تصدير القوى العاملة الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلي، ظناً منها أنها تساهم في تخفيض نسبة البطالة، وسرعان ما اتضح أن هذه السياسة كانت بمثابة تأجيل للأزمة، وتجلّى ذلك حينما فرض الاحتلال إغلاقاً وحصاراً على الأراضي الفلسطينية، ومنع وصول العمال الفلسطينيين إلى أماكن عملهم في أراضي العام 48.[9]
تعتمد السلطة الفلسطينية في معظم مواردها المالية على ما يُسمى بأموال المقاصة، وهي أداة الابتزاز والضغط التي يمتلكها الاحتلال للضغط على سياسات السلطة وفرض عقوبات عليها، فقد واجهت أزمات عدة نتيجة لذلك؛ أهمها أزمة رواتب الموظفين وغيرها. لقد نشأت إيرادات المقاصّة نشأة مشوّهة ومنقوصة السيادة على استحقاقات الوصول إليها، بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي سنة 1994، إذ أعطى البروتوكول إسرائيل الحق في تحصيل ضريبة القيمة المضافة من الواردات الفلسطينية من إسرائيل، وإدارة عمليات التخليص الجمركي على الواردات الفلسطينية التي تمر عبر الموانئ الإسرائيلية، وتحصيل الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة عن هذه الواردات (إيرادات المقاصّة)، ومن ثم تحويل هذه الإيرادات إلى السلطة الوطنية الفلسطينية شهرياً، بعد خصم 3% منها كرسوم تحصيل.[10]
يقول الدكتور بكر اشتية: لقد بنت السلطة الفلسطينية اقتصاداً خدمياً استهلاكياً، ما يعزز التبعية الاقتصادية والتجارية والزراعية لإسرائيل، فالحكومات المتتالية لم تتخذ استراتيجية لتبني اقتصاداً قائماً على الإنتاج، فكل حكومة جاءت برؤية جديدة، ولم تبنِ على سابقتها ضمن خطة طويلة الأمد، فكانت فكرة الانفكاك هي مجرد مناورات سياسية.[11]
هنالك قانون تشجيع الاستثمار لتحفيز الاستثمارات وتوطين المشاريع الاقتصادية الذي أقر منذ عام 1998، وهو أداة نحو الانفكاك لكن يفتقر هذا القانون الى البيئة المشجعة لتفعيله.
إن القيام بمشروع سلام فياض من التسهيلات البنكية وقضايا الإقراض قد عززت القروض الاستهلاكية ولم تعزز الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، لعل أبرز ما جاءت به الحكومة الحالية اشتية "مشروع العناقيد الزراعية" وما يسمى "بوقف استيراد العجول" لكنها فشلت ولم تحقق أهدافها.
إن ما قامت به السلطة الفلسطينية لسد عجز ميزانيتها وتعظيم مواردها المالية، هو زيادة الاستيراد من الخارج، وبالتالي زيادة أموال المقاصة.
لم تترك نصوص الاتفاقات الاقتصادية الموقعة مع الاحتلال إلا هامشاً محدوداً للسلطة الفلسطينية، فبروتوكول باريس الاقتصادي، وما نص عليه من ارتباط الاقتصادين بغلاف جمركي واحد، وعدم وجود عملة وطنية متداولة في الأسواق المحلية، إلى جانب الممارسات التعسفية التي يقوم بها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وموارده واقتصاده، كل هذا ساهم في تحكم الاحتلال بمفاتيح الاقتصاد الفلسطيني كافة، ما أدى إلى فرض واقع يمثل فيه الجانب الفلسطيني الجانب الأضعف في الاتفاق، ولا يستطيع التحكم به قطعياً، والاحتلال الإسرائيلي هو المتحكم الوحيد في كيفية تنفيذه، ويمنع الجانب الفلسطيني حتى من الاستفادة من بعض الميزات الموجود فيه -رغم قلتها- وعلى سبيل المثال لا الحصر:[12]
فمن الواضح أن سياسة الاحتلال وضعت السلطة الفلسطينية في دور المتلقي، وذلك للأسباب التالية:
النخب الاقتصادية
تسعى بعض النخب الاقتصادية الفلسطينية إلى الاستثمار في الاقتصاد الإسرائيلي بهدف الحصول على عوائد أعلى مما يتيحه الاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني. ويعتبر أداة للإثراء الفردي للمستثمر الفلسطيني على حساب المصالح الوطنية العامة، التي لا تساهم فقط في الإفقار الوطني، عبر حرمان الاقتصاد الفلسطيني من الموارد المالية التي يحتاجها بشدة لتوسيع قاعدته الإنتاجية، وتقليص حالة ارتهانه للاقتصاد الإسرائيلي، بل لإسهام تلك الاستثمارات في تكريس واقع الاحتلال وتعميقه، ما يرفع بالتالي كلفة وأعباء مقاومته.[13]
وأفادت إحدى الدراسات بأن رأس المال الفلسطيني المستثمر في إسرائيل ومستوطناتها يفوق بكثير رأس المال الفلسطيني المستثمر في الضفة الغربية، فالاستثمار في الاقتصاد الإسرائيلي يتراوح بين 2.5 و5.8 مليار دولار مقابل 1.5 مليار دولار فقط في الضفة الغربية.[14]
إن الأولويات الأساسية لتنمية الاقتصاد الوطني بحاجة إلى توسيع القدرة الإنتاجية عبر زيادة الاستثمار في القطاعين الزراعي والصناعي، ولكن ما يهم النخب الاقتصادية هو الريعية التجارية وليس الصناعية المنتجة، فهي تفضل الاستثمار في قطاع الخدمات (غير المنتج) على الاستثمار في قطاعي الزراعة والصناعة (المنتجة)؛ لأنها أكبر وأسرع ربحاً وأقل تعرضاً للمشاكل. وهذا يثبت غياب التوجه عند النخب الاقتصادية نحو تطوير نموذج للتنمية على أساس مفهوم الاقتصاد المقاوم، القائم على الاعتماد على الذات وبناء اقتصاد وطني مستقل عن اقتصاد الاحتلال، ولذلك لا يمكننا الحديث عن رأسمال وطني فلسطيني يقود مشروع تحرر وطني في المجال الاقتصادي.[15]
التعليم وأثره على بناء شخصية المواطن الفلسطيني وتبعات ذلك على الاقتصاد الفلسطيني
من الملفت للنظر أن يكون السياق الفلسطيني سياق تحرر وطني من الاستعمار الاستيطاني ومنظوماته، لكن في الوقت ذاته، وبفعل عمليات التنمية التي قادتها الجهات المانحة في سياق العملية السلمية، وجه التعليم الفلسطيني ليكون أكثر مواتاة لسياق ما بعد النزاع، وهذا، بطبيعة الحال، له مآلات كبيرة على الاقتصاد الوطني، وعلى الواقع السياسي، وحتى على الهشاشة المجتمعية التي بتنا نعيشها، وكأن نظام التعليم الفلسطيني جاء ليرسخ عند المتعلمين فكرة المأسسة والأمن والنظام والقانون، أكثر من أن يكون أداة من أدوات التعبئة الوطنية التي تهدف إلى خلق تنشئة اجتماعية بالمعنى الوطني الكامل.
فقد تعرض التعليم المقدسي بشكل خاص، والفلسطيني بشكل عام، لمحاولات إسرائيلية عديدة لتزييف الحقائق، وصياغة الروايات لصالح الاحتلال، فقامت سلطات الاحتلال أحياناً بتغيير المناهج، ووضعت، في أحيان أخرى، كل ما يتعارض مع الخضوع لسياساتها تحت خانة التحريض والإساءة لعملية السلام، وذلك من خلال الاستناد إلى عدة اتفاقيات منها اتفاق طابا (أوسلو 2) 1995، واتفاق "واي ريقر" 1998، اللذان ساهما في تدخل الاحتلال في المناهج الدراسية، وإسناد دور للمؤسسات الدولية بذريعة التعاون، بيد أنها كانت في الأصل تحقق مخططات صهيونية لطمس الهوية الفلسطينية، ما أدى إلى وجود نظام تعليم مراقب إسرائيلياً وأميركياً، يتيح التدخل في المناهج الدراسية لبناء جيل مغيب عن القضية. كما تعرصت الهوية الفلسطينية في نظام التعليم للطمس في ثلاثة اتجاهات:[16]
وعلى الرغم من تولي وزارة التربية والتعليم مسؤولية الإشراف على التعليم في قطاع غزة والضفة الغربية العام 1994، فإن عملية تشويه العملية التعليمية من خلال تدخلات الاحتلال ما زالت قائمة، من خلال العدوان والحصار والاجتياحات المتكررة، وفرض حصار مشدد على قطاع غزة منذ الانتفاضة الثانية العام 2000، ما أثر على العملية التعليمية، حيث أغلقت العديد من المدارس، كما أن الاحتلال قام بإغلاق الطرق في الضفة الغربية، ووضع الحواجز، ونشر الدبابات، ما أثر على وصول الطلاب إلى المدارس.
كما أثرت سياسات المانحين في محتوى العملية التعليمية، وأعاقت عمل العديد من المؤسسات الداعمة لقطاع التعليم.
من الضروري بمكان أن نشير إلى أنَّ التعليم الفلسطيني ليس بمجمله لا يواتي الحالة الفلسطينية، وإنما الأهم أن المخرجات الأساسية من التعليم لا تناسب متطلبات السياق الفلسطيني، فمثلاً الفجوة بين خريجي الجامعات وسوق العمل في تزايد مستمر، ونسبة الذي يحصلون على وظيفة بالنسبة للخريجين سنوياً لا تتعدى 20%؛ أي من كل 40 ألف خريج سنوياً، لا يحصل على وظيفة بدوام كامل إلا 8000 فقط، وهذه مقاربة مهولة في السياق الفلسطيني، من خلالها ترتفع معدلات البطالة، ونسب الفقر، إذ إنَّ الأولى تعدت 50% من قوى العمل، بينما أصبح الفقر أكثر حدة، وأصبح أكثر من ثلث الشعب الفلسطيني فقيراً. لذلك، فإنّ كل المعطيات السياقية التي ذُكرت تدق ناقوس الخطر بأن ثمة مشكلة وجودية ليس في طبيعة الاقتصاد الفلسطيني فحسب، وإنما في طبيعة النظام التعليمي الذي يفترض منه أن يكون رافعة للاقتصاد.[17]
فعلى مستوى التعليم المهني، فقد تميز بالكلاسيكية والأعمال النمطية، وذلك لعدم توفر الخبرات وعدم القدرة على التبادل الخبراتي مع الدول الأخرى، لأن الفلسطيني يعيش في سجن كبير بفعل الاحتلال، وهذا ما يعيق دخول بعض الأدوات التي بإمكانها أن تساهم في إحداث نهضة على المستوى الاقتصادي، ما أثر على تدني نسبة انخراط الشباب الفلسطيني في التعليم المهني. ففي القدس، تتمير مراكز تعليم المهنية بأنها تلبي احتياجات سوق العمل الإسرائيلي، وتسعى إلى تحويل الطلبة من الدراسة الأكاديمية إلى عمال مأجورين في سوق العمل الإسرائيلي.[18]
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فان نسبة البطالة وصلت في الضفة الغربية إلى 15.7%؛ بواقع 13.2% بين الذكور، مقابل 27% بين الإناث، وفي قطاع غزة بلغ معدل البطالة 46.4%؛ بواقع 42.1% بين الذكور، مقابل 63.6% بين الإناث. وفيما يتعلق بعدد العمال الفلسطينيين في المستوطنات، أظهر تقرير الجهاز المركزي للإحصاء أن العدد ارتفع إلى 20 ألف في الربع الرابع من العام 2020 مقارنة مع 19 ألف في الربع الذي سبقه.[19]
البدائل السياساتية:
البديل الأول: تعزيز الفكر التعاوني الشبابي بين الفلسطينيين واستغلاله في بناء اقتصاد إنتاجي مقاوم
السياسات المطلوبة لتحقيق البديل:
المتطلبات:
البديل الثاني: تعزيز روح الوطنية لدى النخب الاقتصادية وتوجيه قدراتهم الفكرية والمادية للمساهمة في تطوير وتعزيز الاقتصاد الوطني
السياسات المطلوبة لتحقيق البديل:
المتطلبات:
البديل الثالث: ممارسة ضغط دولي وشعبي نحو تعديل بروتوكول باريس الاقتصادي
السياسات:
المتطلبات:
المراجع:
[1] الاقتصاد الفلسطيني بعد 20 عامًا من اتفاق أوسلو، معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، أيلول/سبتمبر 2013: bit.ly/337gmRL
[2] المصدر السابق.
[3] محمد السمهوري، الفرص والعقبات أمام استعادة الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة: تغيرات على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع منذ الانفصال، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، كانون الثاني/ يناير 2011: bit.ly/3EzkRlI
[4] فلسطين تمنع استيراد منتجات غذائية إسرائيلية، وكالة الأناضول، 3/2/2020: bit.ly/31CNPCK
[5] أثر مقاطعة منتجات المستوطنات على الاقتصاد الإسرائيلي، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا): hbit.ly/3xZBW5S
[6] المصدر السابق.
[7] سعيد الأغا ومادلين الحلبي، سياسات معالجة تشوّه هيكل الاقتصاد الفلسطيني لبناء اقتصاد مقاوم، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، 16/7/2019: bit.ly/3Gn7ANE
[8] علا عوض تستعرض الواقع العمالي في فلسطين للعام 2020 بمناسبة اليوم العالمي للعمال، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. )"، 29/4/2021: bit.ly/3ovPm6M
[9] رائد حلس، سياسات لانفكاك الاقتصاد الفلسطيني من التبعية مع الاحتلال الإسرائيلي، مركز الأبحاث، 2018: bit.ly/3ipunrb
[10] رائد حلّس، أزمة إيرادات المقاصّة للسلطة الفلسطينية في سياقها السياسي وتداعياتها الاقتصادية، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 7/1/202: bit.ly/31G9HNt
[11] مقابلة مع بكر اشتية، أستاذ الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية، 10/7/2021.
[12] التعديلات الأخيرة على الترتيبات التجارية في اتفاق باريس، معهد ماس، 2012: bit.ly/3y2cEEb
[13] غانية ملحيس، الاستثمار الفلسطيني في الاقتصاد الإسرائيلي، مركز مسارات، 8/5/2016: bit.ly/3GrkIBH
[14] عيسى سميرات، محددات الاستثمار الفلسطيني من الضفة الغربية في إسرائيل والمستوطنات، (رسالة ماجستير)، جامعة القدس، 2011.
[15] مقابلة شخصية مع جبريل جحشان، خبير ومحلل اقتصادي في مركز بيسان للبحوث، 8/7/2021.
[16] فتحي سبيتان، أثر الاحتلال الصهيوني على الطفل الفلسطيني والقضية الفلسطينية، ط1، الجنادرية للنشر والتوزيع، عمّان، 2016.
[17] دراسة لـ"الإحصاء": البطالة بين الخريجين تتجاوز 50%، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 14/7/2019: bit.ly/3DCWKla
[18] حياة الددا، معاناة الطالب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، ط 1، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت 2015.
[19] علا عوض تستعرض الواقع العمالي في فلسطين للعام، مصدر سابق.