
«العمل السياسي للبنت، والدور الريادي الوطني؛ يصقل شخصيتها، ويهذّبها، ويبعدها عن أن تكون سِلعة للبيع والشراء».
مكرم منير القصراوي
مناضلة تقدمية صلبة، وتربوية عريقة، شهدت على نشاطاتها السياسية والتربوية والحقوقية مدينة الخليل، وقراها؛ نوبا، وخاراس، وبلدة حلحول، ومدارسها؛ «آمنة بنت وهب»، و»الهاجرية»، و»بركات»، و»رابطة الجامعيين»، و»جمعية تنظيم وحماية الأسرة»، و»نادي المرأة الفلسطيني»، و»جمعية سيدات الخليل»، و»منتدى الخليل الثقافي»، و»وزارة الثقافة بالخليل».
وعرفتها مدينة رام الله، والقدس، ومؤسّساتها التربوية، وجمعياتها، مؤسساتها؛ «دار المعلمات»، و»الكلية العصرية»، و»جمعية إنعاش الأسرة»، و»مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي»، و»ملتقى الفكر الثقافي»، في القدس، كما عرفتها مدرّجات «جامعة دمشق».
ناضلت منذ طفولتها ضد الاستعمار، والاحتلال، وضد الجهل، والتخلف، والتمييز، ومن أجل تحقيق الحرية والعدالة للشعب الفلسطيني؛ نسائه ورجاله.
كانت جريئة وشجاعة، تمرَّدت على كل ما يمكن أن يعيق نضالها على المستويين الخاص والعام، وأخلصت لمبادئها، وانتصرت لحقوق المرأة الفلسطينية.
هي المناضلة الفلسطينية مكرم منير القصراوي، - ولدت العام 1939، ورحلت يوم 31 آذار 2023 – التي وضعت نصب عينيها طيلة حياتها الإخلاص للوطن والإنسان.
*****
بعد التهجير الفلسطيني العام 1948؛ ارتبط العمل السياسي بالعمل التربوي، وارتبط بشكل أكثر وضوحاً منذ منتصف الخمسينيات، بازدياد عدد النساء المتعلمات، وازدياد انخراط النساء في العمل السياسي بشكل عام، والعمل الحزبي بشكل خاص.
ازداد وعي المرأة السياسي، وازدادت أعداد النساء، اللواتي انتظمن ضمن اتحادات نسائية، وأحزاب سياسية، واشتركت المرأة في المؤتمرات المحلية والعربية والعالمية؛ ما أدَّى بها إلى تطوير مؤسساتها، وأشكال عملها، وفقاً للأحداث والطوارئ.
وبينما أنكر بعض الرجال – الذين قدّموا شهاداتهم، إلى إدارة تخطيط وتطوير مشاركة المرأة، ضمن مشروع توثيق أدوار المرأة الفلسطينية منذ الثلاثينيات - الدور السياسي للمدرِّسات، ومديرات المدارس، وأكّدوا على أن هدف النساء التربويات اقتصر على مساعدة أسرهن اقتصادياً؛ أكّدت النساء، على الدور السياسي المميز للمعلِّمات والمديرات الفلسطينيات، إلى جانب دور الطالبات، في تلك الفترة التاريخية.
*****
تحدّثت «مكرم القصراوي» عن نضالها السياسي والمجتمعي منذ الطفولة، وشهدت على المشاركة السياسية الفاعلة للطالبات، والدور السياسي المباشر وغير المباشر، الذي قامت به المعلِّمات والمديرات.
ومن أهم المفاصل التاريخية الملهمة التي تحدّثت عنها كان مشاركتها طالبة، إلى جانب مشاركة النساء الفلسطينيات، وبزخم كبير، في المظاهرات ضد حلف بغداد، العام 1955، تلك المظاهرات التي امتدت إلى كل مدن وقرى فلسطين، والتي كان لها دور كبير في إسقاط الحلف.
وكان من اللافت حين وصفت المناضلة مشاركة الطالبات في المظاهرات، حماستهن اللامحدودة، وجرأتهن الاجتماعية، حيث كنَّ ينسِّقن مع الشباب للقيام بالمظاهرات، دون تردد، كما كان لافتاً الدور الفاعل للمعلمات، في مقاومة حلف بغداد:
«نطلع مظاهرة ضد حلف بغداد، متفقة أنا والشباب ننزل، كان صفنا على الشارع تمام، لمحنا الشباب وهم جايين، أجا دورنا، شفنا الشباب فتحنا الأبواب، وطلعنا - بَتذَكَّر نكته يومها - كل فكري إني ماسكة يد صديقتي نديده، وبِدنا نطلع مظاهرة، واللاّ أنا ماسكة يد شاب، وبَركُض فيه بِعَرض الشارع، وأنا أعتقد إنّهي ماسكة زميلتي نديدة. زَيّ العادة، زَيّ كل شعوب الأرض، اللي يقود الحركات هم الطلاب والطالبات، هم اللي يطلعوا».
تحدّثت عن مشاركة زميلاتها الصبايا والمعلمات، منهن القائدات ومنهن المشاركات، وامتداد المظاهرات لمدة أسبوع كامل بالضفتين الشرقية والغربية، «وظلّت المظاهرات ماشية لَسقط حلف بغداد بالكامل».
وبالإضافة إلى المشاركة الواسعة في المظاهرات ازداد عدد النساء، اللواتي ساهمن في نقل المنشورات، مع ازدياد انخراط المرأة في العمل الحزبي، وامتدَّ عملهن إلى طباعة المنشورات، وتنظيم توزيعها. ومع ازدياد تعليم النساء، وازدياد وعيهن السياسي؛ أصبحن يساهمن في كتابة المنشورات، وتحرير الصحف الحزبية.
*****
بعد أن تحدثت عن ذكرياتها كطالبة في المدرسة؛ روت الرائدة، عن دورها كطالبة متميِّزة في دار المعلمات، ثم دورها كمعلِّمة، من خلال تخصصها في الاجتماعيات واللغة العربية. عبَّرت عن إيمانها بدور المعلِّمات السياسي، حين تحدّثت بألم عن الدور الذي لم يتسنّ لها القيام به، وهو الدور التربوي الوطني، بعد أن اقتلعت من دار المعلمات، وتمّ ترميجها مع مجموعة كبيرة من المعلمات والمعلمين.
لم تكتفِ المربِّية الطموحة بتحصيل شهادتها من دار المعلمات. أكملت دراستها في جامعة دمشق، وتخصّصت في التاريخ، وتخرَّجت العام 64 - 65.
تعلّمت وتدرَّبت أن تنظر نظرة نقدية موضوعية للماضي والحاضر؛ ما ميّزَها كمناضلة نسوية.
*****
آمنت المناضلة بأهمية تحقيق المرأة لذاتها، وبأن يكون لديها كيانها، وشخصيتها المستقلة. رفضت مبدأ الزواج المبكر، وفي ذاكرتها الصعوبات الكبيرة، والمشكلات العديدة؛ التي واجهت والدتها حين تزوّجت في سن الثانية عشرة.
كما آمنت بأهمية تعليم وعمل المرأة، ولذا أصرَّت على استكمال تعليمها، حين أراد والدها منعها من استكماله، وعلى العمل بمجرَّد انتهائها من الدراسة في دار المعلمات أولاً ثم من جامعة دمشق ثانياً.
اعتنقت الفكر اليساري التقدمي، ولكنها لم تنتمِ إلى تنظيم بعينه:
«أنا شخصياً لم أنتظم إنما كنت أساير من يخدم مصلحة وطني أو بلدي أكثر، أقوم بالعمل بقناعتي الذاتية، إذا كان يخدم كنت ألبي؛ ما بخدمش كنت أرفض؛ لكن اللي كان يقود في ذاك الوقت اليسار».
*****
الرائدة مكرم منير القصراوي،
ما زال النضال مستمراً، وما زالت الحاجة إلى مناضلات تقدميات، يربطن بين السياسي والاجتماعي والحقوقي، كما ربطتِ، ويعملن بصمت ودأب، من أجل وطن حرّ، وإنسان حرّ.
سوف تبقين في ذاكرة الخليل ورام الله ودمشق والقدس، وفي ذاكرة عائلتك، وذاكرة الشعب الفلسطيني، ومؤسساته السياسية والاجتماعية والثقافية، وذاكرة الأحرار عبر العالم.
faihaab@gmail.com
www.faihaab.com