متطلبات استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية: نحو مقاربة نسوية للمصالحة
23
    

مقدمة

على امتداد عقدين من الزمن، شكل الانقسام الفلسطيني أحد أخطر التحديات التي واجهت المشروع الوطني الفلسطيني. فقد تجاوز كونه خلافًا سياسيًا بين فصيلين رئيسيين ليتحول إلى حالة بنيوية مست مختلف جوانب الحياة السياسية والمؤسسية والاجتماعية، وأنتج سلطتين منفصلتين، وتشريعات متباينة، وتحولات اجتماعية وثقافية خاصة بكل واقع على حدة تسببت في التباعد البرنامجي وفق تطورات ظرفية المكان العائدة إلى تطورات الواقع.

وبات من الصعب بعد خمسة عشر عامًا من جولات الحوار الفصائلي والتفاهمات والاتفاقيات الموقعة الاعتقاد أن مزيدًا منها قد يقود إلى نتائج مختلفة نوعيًا، فالمشكلة لم تعد بسبب غياب الإرادة أو نقص الاتفاقيات، بل بسبب اقتصارها غالبًا على الفصائل، في حين غُيّبت مؤسسات المجتمع المدني، وخاصة المراكز الحقوقية والجامعات وممثلي النساء والشباب والنقابات، فتوسيع دائرة المشاركة يخلق ضغطًا شعبيًا حقيقيًا باتجاه الوحدة.

متطلبات إعادة بناء الوحدة الوطنية

لا يمكن الاستمرار في إدارة عملية الحوار الوطني ضمن الآلية الجارية حاليًا، لا سيما في ظل التحديات المصيرية والوجودية غير المسبوقة التي تواجه الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى الشراكة أولوية سياسية ووطنية وليست مجرد مطلب تنظيمي بين الفصائل. فكلما تعاظمت المخاطر ازدادت الحاجة إلى توسيع دائرة المشاركة في صنع القرار الوطني لا تضييقها.

إن الحوار الجاري بين الفصائل والقوى السياسية استنفد مهمته ووظيفته، وأنتج اتفاقيات بعضها عملي كاتفاقية القاهرة أو بكين، لكنه واقعيًا فشل في استعادة الوحدة الوطنية على الرغم من جهود عدد من الدول العربية الراعية للحوار، علاوة على ضغط الحالة الفلسطينية والمخاطر المحيطة، الأمر الذي يجعلنا بحاجة إلى مبادرات مجتمعية مسؤولة تملأ الفراغ، وتقديم أفكار جديدة ضاغطة تنطلق من تقييم ما انتهت إليه تجربة الحوار الوطني بعد 11 جولة تفاوضية على الأقل، ورهانها على أن الوحدة تأتي نتيجة للحوار الوطني بين الفصائل.

يعد الحوار المجتمعي الواسع والتعددي شرطًا ضروريًا لإنتاج وحدة مستدامة، يكون المجتمع رقيبًا عليها؛ حيث يرتبط الحوار المجتمعي الواسع بعلاقة طردية مع فرص استعادة الوحدة الوطنية، وتراجع عمليات وضع المراسيم والقوانين بقرارات أحادية تلحق الضرر بفرص استعادتها.

هناك ثمة مؤشرات متزايدة تدفع على الاعتقاد بأن السلطة الفلسطينية والقيادة الرسمية للنظام السياسي الفلسطيني؛ لم تعد تنظر إلى الحوار الوطني باعتباره الآلية الأساسية لاستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وربما لم تعد مهتمة أو معنية بإنهائه، خاصة بعد مقاطعة وفد حركة فتح الجولة الأخيرة في القاهرة في حزيران/ يونيو 2026.

يضاف إلى ما سبق استمرار إقرار العديد من القوانين والقرارات والمراسيم بصورة أحادية، ودون تشاور جدي مع القوى السياسية، بما فيها المراسيم المتعلقة بالانتخابات التي يفترض أن تكون موضع توافق وطني واسع، علاوة على تضمين القوانين الانتخابية الجديدة شروطًا ذات طابع سياسي تقيد الترشح، وتعكس تحولًا في التفكير السياسي ينتقل من مبدأ البحث عن الشراكة الوطنية الجامعة إلى ضبط المجال السياسي مسبقًا بواسطة القانون، وتحديد حدود المشاركة في مراكز القرار، وإذا صح هذا الاستنتاج فإننا أمام انتقال من منطق التوافق الوطني الذي حكم حوارات المصالحة إلى الاستفراد بإدارة النظام السياسي بقوة القرارات والقوانين؛ ما يعقّد مستقبل الوحدة الوطنية وممكنات استعادة الثقة بين القوى الفلسطينية المختلفة.

بالنتيجة: هذه الإجراءات لا تعكس فقط تراجعًا عن المشاركة في الحوار، بل تعكس قناعة متنامية بأن الانقسام يمكن إدارته والتعايش معه بدلًا من إنهائه، وأن البديل القيام بإجراءات إدارية وقانونية تقوم بمهمة الإقصاء، مع اتباع أشكال ديمقراطية كالانتخابات باشتراطات إقصائية باعتبارها سياسة ونهجًا جديدًا ينطلق من مفهوم أن الشرعية لا تأتي من التوافق الوطني والشراكة السياسية.

لذلك أصبح السؤال الصحيح الذي يفرض نفسه، وخاصة بعد مقاطعة حركة فتح لجولة الحوار الأخيرة في القاهرة، وبعد مرور عقدين على الانقسام: ليس في كيف نعيد إطلاق حوار جديد للمصالحة، بل كيف نخلق ميزان قوى جديدًا، مجتمعيًا ووطنيًا، يفرض الوحدة الوطنية باعتبارها ضرورة وطنية لا خيارًا تفاوضيًا بين الأطراف السياسية؟ لأن الوحدة التي تنتزع بضغط المجتمع تكون أكثر رسوخًا من الوحدة التي تمنح بتفاهمات مؤقتة بين النخب.

وتزداد أهمية السؤال في ضوء حرب الإبادة والتهجير التي تعرض لها الشعب الفلسطيني وما خلفته من دمار واسع وخسائر بشرية واجتماعية غير مسبوقة، خاصة في قطاع غزة. فقد أظهرت الحرب بصورة أكثر وضوحًا أن استمرار الانقسام يضعف قدرة المجتمع على مواجهة التحديات الوجودية، ويقوض فرص التعافي وإعادة الإعمار. كما أكدت أن إعادة البناء ليست عملية هندسية أو اقتصادية فقط، بل عملية سياسية ومجتمعية تتطلب وجود رؤية وطنية موحدة وآليات مشاركة عادلة في صنع القرار.

من هنا، تصبح الوحدة الوطنية شرطًا لإعادة الإعمار، وتصبح مشاركة النساء في التخطيط للتعافي وإعادة البناء ضرورة وطنية بحكم الدور الذي اضطلعن به خلال الحرب، وما تحملنه من أعباء النزوح والفقدان والاعتقال والجوع والرعاية الاجتماعية.

انطلاقًا من هذه المتطلبات، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الفصائل والقوى السياسية وحدها، بل تشمل مؤسسات المجتمع المدني والحركة النسوية والاتحادات الشعبية والنقابات المهنية والجامعات والمؤسسات الحقوقية. وفي هذا السياق لم تكن المرأة الفلسطينية غائبة عن جهود استعادة الوحدة الوطنية، بل بادرت من موقعها الوطني والاجتماعي إلى طرح مبادرات لرأب الصدع الفلسطيني، ومعالجة آثار الانقسام، انطلاقًا من إدراك حجم الأضرار التي لحقت بهن وبالمجتمع عمومًا نتيجة الانقسام، ومن قناعتهن بأن الوحدة الوطنية ليست قضية سياسية فقط، بل هي شرط أساسي لحماية السلم الأهلي وتعزيز الصمود الوطني. ومن هذه المبادرات: مبادرة "النساء يردن" برعاية مؤسسة مفتاح، وانبثقت منها مبادرة "وفاق للحوار النسوي"، ومبادرة "الحوار النسوي المشترك" برعاية مركز مسارات.

انعكاس الانقسام على المرأة وحياتها

رصدت المؤسسات النسوية في حينه آثار الانقسام الجسيمة على المجتمع، لا سيما على النساء، وأفادت التقارير النسوية بارتفاع نسبة ما عُرف بالطلاق الحزبي والزواج الحزبي، ما أدى إلى آثار كبيرة على العلاقات الأسرية، وحدوث مشكلات بين الأزواج لم تكن موجودة، علاوة على التسبب في العنف اللفظي أو الجسدي بين الأقارب.

ووجدت دراسة أن الانقسام أحدث شروخًا في العمل بين العاملين، وفُصِل البعض منهم، أو منع من التوظيف، وأدى إلى تغيير جذري في حياة عائلات كثيرة ذات انتماءات متخاصمة في غزة والضفة. وكذلك أغلقت مؤسسات نسوية أو دوهمت وصودرت معداتها، واستدعيت القيادات النسوية للتحقيق وجرى اعتقال بعضهن.

وبناء عليه، اعتبرت المرأة ممثلة بمؤسساتها أن الانقسام ليس سياسيًا فقط بل هو متدحرج ومتعدد الأوجه، ومنها الخلاف على قضايا المرأة وموقعها ودورها في النظام السياسي، وجادلت بأن أحد آثار الانقسام تمثل في ميْل القوى السياسية، بما فيها السلطة الفلسطينية، إلى تجنب المواجهة الفكرية مع التيارات المحافظة والمتشددة، وتبني خطاب يسعى إلى تجنب خسارة التأييد الشعبي، الأمر الذي انعكس على مسار الإصلاح القانوني والاجتماعي، وكان من ضحاياه رفع قانون حماية الأسرة من الأجندة بسبب الهجمة المتطرفة وشيطنة القانون الذي طال قيادات نسوية.

إن الانقسام الداخلي الذي بدأ في 2007 لم يكن مجرد خلاف سياسي بين حركتي فتح وحماس أو صراع على السلطة وإدارة المؤسسات، بل كشف عن أشكال أخرى من الخلاف الثقافي والاجتماعي، وامتد إلى قضايا جوهرية تتعلق بمكانة المرأة في النظام السياسي، وحول القوانين والتشريعات، ومبدأ المساواة بين النساء والرجال، والموقف من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

مشاركة المرأة في الحوار الوطني بين الفصائل

تكشف تجربة الحوارات الوطنية الفلسطينية أن مشاركة النساء في وفود المصالحة بقيت محدودة ورمزية إلى حد بعيد. فعلى الرغم من انتقال جولات الحوار بين عواصم عربية وإقليمية وعالمية على امتداد سنوات طويلة، لم يتجاوز عدد النساء المشاركات البضع في معظم الأحيان، ولم يكن ذلك مجرد خلل في التمثيل العددي، بل كان مؤشرًا على محدودية حضور النساء في الفضاء السياسي واستمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي الداعي إلى المشاركة والممارسة الفعلية على أرض الواقع.

ظهرت مشاركة المرأة في مشهد المصالحة رمزية، حيث لم تتعد مشاركتهن أربع سيدات في بعض الاجتماعات، بما يمكن من توصيفها كمسطرة لقياس المساحة المحدودة التي تشغلها المرأة في الفضاء السياسي، الذي يشير إلى التردد الذي يعتري خطاب القوى السياسية اتجاه المرأة، وغرقه في جماليات النصوص الخطابية والتلعثم في التطبيق، الذي يدل على الثقافة النمطية التي لم يسلم منها الفصيل السياسي، وإلى التناقض المعروف بين النظرية والتطبيق.

فالمشكلة لم تكن فقط في أن عدد المشاركات في جولات الحوار كان محدودًا جدًا، وغالبًا لا يتجاوز بضع نساء في أفضل الأحوال، وانتهى إلى مشاركة فردية، بل إن المشكلة الأعمق أن المشاركة النسائية نفسها جرى استيعابها داخل الأجندة السياسية الفصائلية السائدة. بمعنى أن النساء اللواتي شاركن لم يدخلن إلى طاولات الحوار بوصفهن حاملات لرؤية نسوية أو ممثلات لمصالح النساء وحقوقهن، وإنما بوصفهن أعضاء في وفود سياسية تتبنى أولويات الفصائل ومواقفها.

استبعاد المرأة عن الحوار استبعد مصالحها في اتفاقيات المصالحة

أدى تغييب النساء عن صناعة اتفاقيات المصالحة إلى تراجع الاهتمام بقضايا العدالة الانتقالية وجبر الضرر، على الرغم من كونها من أكثر القضايا ارتباطًا بالآثار الاجتماعية والإنسانية للانقسام. فقد شهدت سنوات الانقسام انتهاكات للحريات العامة واعتقالات واستدعاءات على خلفيات سياسية وفصلًا وظيفيًا وإغلاقًا لمؤسسات أهلية ومجتمعية؛ الأمر الذي ألحق أضرارًا مباشرةً بآلاف المواطنين والمواطنات. لذلك، فإن أي مشروع مصالحة مستدامة يجب أن يتضمن آليات واضحة لكشف الحقائق وجبر الضرر ورد الاعتبار للمتضرراتن وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا باعتبار ذلك شرطًا لإعادة الثقة المجتمعية والوطنية.

لم يقتصر استبعاد المرأة عن المشاركة في وفود الفصائل والقوى السياسية، وإنما استبعدت رؤيتهن الخاصة عن الحوار وبنود الاتفاقيات باعتبارهن من القطاعات التي تضررت وانعكست آثارها عليهن. فقد أظهرت اتفاقيات المصالحة السابقة، وفي مقدمتها اتفاقية القاهرة 2011، غيابًا واضحًا للنساء ولمؤسسات المجتمع المدني عن المشاركة في مواقع صنع القرار واللجان المنبثقة عنها (المصالحة المجتمعية، لجنة الانتخابات، لجنة الحريات العامة وبناء الثقة، لجنة الحكومة)، الأمر الذي أبقى الحوار أسير الحسابات الفصائلية الضيقة، وأبعده عن معالجة الآثار الاجتماعية والحقوقية العميقة التي خلّفها الانقسام.

إن أي مسار انتخابي أو وطني جديد لا يضمن مشاركة نسوية فاعلة، ولا يدمج قضايا الحريات والعدالة الانتقالية وجبر الضرر، سيبقى معرضًا لإعادة إنتاج الاختلالات ذاتها التي أعاقت تنفيذ الاتفاقات السابقة، وأفقدتها القدرة على تحقيق وحدة وطنية راسخة. وإذا كانت التجارب السابقة قد علمتنا شيئًا، فهو أن المصالحة لا يمكن أن تُختزل في تفاهمات بين القوى السياسية تنتج اتفاقيات لا تطبق، ولا تختزل في ترتيبات انتخابية وإجرائية.

القيمة المضافة لمشاركة المرأة وخصوصيتها

لم يكن الخلل في غياب النساء عن جلسات الحوار الوطني فقط، وإنما أيضًا في غياب الخلاف الاجتماعي عن الحوارات الوطنية وخصوصيته كأحد القضايا الرئيسية المختلف عليها من حيث: المضامين والمحتوى، والمرجعيات، والقوانين والتشريعات، وطبيعة الأدوار المناطة بالمرأة، ودورها وموقعها في النظام السياسي.

على أرض الواقع، منعت المشاركة الرمزية المحدودة تحول حضور المشاركات إلى قوة ضاغطة لإدراج مصالح النساء وحقوقهن ضمن أولويات الحوار والاتفاقات الموقعة. ولذلك فإن معالجة الخلل مستقبلًا لا تتطلب زيادة عدد النساء المشاركات فحسب، بل تمكينهن من الحضور بوصفهن حاملات لقضايا الخلاف الاجتماعي، ووضعه على الطاولة للتوافق عليه.

إن الواقع الحالي لجلسات المصالحة لن يكون بمقدوره سوى حمل ملف الخلاف السياسي، بسبب الحالة الفصائلية العاجزة عن رؤية المشهد الانقسامي من جميع وجوهه وأشكاله.

هل يكفي وجود النساء حول الطاولة إذا كانت أجندة النساء غائبة عن الطاولة؟

تجربة المصالحة الفلسطينية توحي بأن الإجابة هي لا. فالمشاركة الشكلية لا تنتج بالضرورة نتائج فعلية. قد تكون هناك نساء في الوفود، لكن إذا لم تُطرح قضايا المشاركة السياسية المتكافئة، والحقوق والحريات العامة، والقوانين التمييزية، والعدالة الانتقالية من منظور يأخذ في الاعتبار الأثر الخاص على النساء، فإن وجودهن يتحول إلى مشاركة سياسية انطلاقًا من مواقعهن السياسية.

ضمن سياق المرحلة ومتطلباتها الآنية، يجب إعطاء الاهتمام لفكرة تمتين النسيج الاجتماعي الذي أصابه التفسخ، وزيادة عدد النساء في قاعات المصالحة وحضور قضاياهن في صلب المشروع الوطني نفسه، باعتبارها جزءًا من الديمقراطية والتحرر وإعادة بناء المجتمع، مع أن المرأة والقطاعات الأخرى ليست ملفات جانبية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التوافقات السياسية، وخاصة في المرحلة الراهنة بعد حرب الإبادة والتطهير العرقي.

يتطلب إنهاء الانقسام الانتقال من مفهوم المصالحة السياسية الضيق إلى مشروع أوسع لإعادة بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني، وأن النساء يمتلكن دورًا مهمًا في هذا المسار، لأن تجربتهن تكشف بوضوح آثار الانقسام وحدود النموذج السياسي الذي حكم الحياة الفلسطينية خلال العقود الأخيرة.

المقاربة النسوية للمصالحة

أولًا: الانتخابات مدخل لتعزيز الحضور النسوي

تنظر المقاربة النسوية إلى الانتخابات باعتبارها أكثر من مجرد آلية لتجديد الشرعيات السياسية؛ فهي تمثل فرصة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني، بما يضمن حضورًا مؤثرًا للنساء في مواقع صنع القرار. ويشكل اعتماد نسبة لا تقل عن 30% لتمثيل النساء في الهيئات المنتخبة خطوة ضرورية نحو بناء كتلة نسوية حرجة قادرة على التأثير في السياسات العامة والدفاع عن مصالح النساء وحقوقهن، بشرط أن يسبقها حوار بين النساء الناجحات في عضوية المجلس التشريعي والوطني حول دورهن، ويوجد تجربة ملموسة من خلال مركز مسارات حول التوافق النسوي على صعيد القوانين ذات الصلة بالمرأة.

على سبيل المثال، التوافق على المطالبة باعتماد نظام التناوب في ترتيب القوائم الانتخابية، (امرأة/رجل/امرأة/رجل) يشكل ضمانة حقيقية لتمثيل النساء، وعدم حصر مشاركتهن في مواقع متأخرة أو رمزية. ومن شأن هذا التوجه أن يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الكوتا كحد أدنى للتمثيل إلى المناصفة باعتبارها التعبير الأرقى عن مبدأ الشراكة الكاملة والمواطنة المتساوية.

ثانيًا: الإصلاح القانوني على أساس المواطنة المتساوية

تنطلق المقاربة النسوية للمصالحة من أن الوحدة الوطنية لا تكتمل من دون إزالة أشكال التمييز القانونية والاجتماعية التي تحد من تمتع النساء بحقوقهن الكاملة. ولذلك فإن المصالحة المنشودة يجب أن تترافق مع عملية إصلاح قانوني شاملة تستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وإلى التزامات فلسطين الدولية في مجال حقوق الإنسان. ويشمل ذلك مراجعة وتطوير التشريعات ذات الصلة بالمرأة والأسرة، وفي مقدمتها قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات وحماية الأسرة من العنف، بما يعزز مبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. فالمصالحة الحقيقية لا تعني فقط إنهاء الانقسام السياسي، بل أيضًا معالجة الاختلالات البنيوية التي تحول دون المشاركة المتكافئة لجميع المواطنين والمواطنات في الحياة العامة.

ثالثًا: من المصالحة إلى العقد الاجتماعي

العقد الاجتماعي هو مجموعة المبادئ والقواعد الناظمة للعلاقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية على أساس الحقوق والمواطنة والمشاركة والمساءلة وسيادة القانون. ومن منظور نسوي، فإن إعادة بناء العقد لا تقتصر على معالجة الانقسام السياسي، بل تشمل كذلك معالجة أشكال الإقصاء والتمييز وعدم المساواة التي راكمتها التجربة الفلسطينية خلال العقود الماضية، بما يضمن حضور جميع الفئات الاجتماعية باعتبارهم شركاء متساوين في صناعة المستقبل الوطني.

لا ينبغي أن تقتصر المصالحة على تسوية الخلافات بين القوى السياسية أو إعادة توزيع السلطة والنفوذ، بل يجب أن تشكل مدخلًا لإعادة صياغة العقد الاجتماعي الفلسطيني على أسس أكثر ديمقراطية وعدالة وشمولًا. ومن منظور نسوي، فإن العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يعترف بالنساء شريكات كاملات في النضال الوطني، وفي بناء المؤسسات وصنع القرار، وأن يؤسس لعلاقة بين المواطن والدولة تقوم على الحقوق والمساءلة والمساواة وسيادة القانون. فكما كشفت سنوات الانقسام عن هشاشة البنى السياسية والمؤسسية، كشفت كذلك عن الحاجة إلى إعادة تعريف أسس الشراكة الوطنية، بما يضمن تمثيل جميع الفئات الاجتماعية ومشاركتها في رسم المستقبل. ومن هنا تصبح المصالحة فرصة تاريخية للانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق بناء دولة المواطنة والحقوق المتساوية للجميع.

رابعًا: إدماج المرأة ممثلة بأطرها الوازنة في المصالحة

لا شك أن التوافق النسوي على مطلب إدماج النساء في هندسة عملية المصالحة نفسها تحقق ضمن عديد المؤتمرات المنظمة بين طرفي الوطن، لأن التجربة الفلسطينية السابقة أظهرت أن قضايا النساء كانت غائبًا عن طاولات الحوار، وعندما شاركن كان ذلك بأعداد محدودة وفي حوارات سياسية صرفة، من دون أن تتحول قضايا النساء وحقوقهن إلى جزء من أجندة المصالحة ذاتها. وهذه نقطة تمنح المقاربة النسوية تميزها الحقيقي عن المقاربات التقليدية للمصالحة، فقد توافقت العضوات في استخلاصات اليوم المفتوح 2025 على المطالبة بالمشاركة في لجان التعافي في غزة ليس كمستفيدات فقط، بل كمشاركات في وضع توجهات عملية التعافي وإعادة الإعمار.

خامسًا: توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية في المصالحة:

تنطلق المقاربة النسوية من قناعة أن المصالحة لا ينبغي أن تبقى حكرًا على الفصائل والقوى السياسية، بل يجب أن تتحول إلى عملية مجتمعية واسعة تشارك فيها النقابات المهنية والاتحادات الشعبية والجامعات ومراكز البحث. فكلما اتسعت دائرة المشاركة في صناعة التوافقات اتسع تنفيذها واستدامتها. كما أن مشاركتها تنقل المصالحة من كونها اتفاقًا بين النخب السياسية إلى مشروع وطني يحظى برقابة مجتمعية وضغط شعبي يحميه من التراجع والتعثر.

خاتمة وتوصيات

لا يمكن إنهاء الانقسام من خلال اتفاقات سياسية ثنائية فقط تراعي مصالح الطبقة السياسية، بل يجب النظر إلى أن عملية استعادة بناء الوحدة الوطنية غير ممكنة بمعزل عن المجتمع. والخروج من آثار الانقسام يتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا يعيد بناء الشرعية والمؤسسات والثقة المجتمعية على أسس ديمقراطية.

وفي هذا السياق، تشكل النساء شريكًا أساسيًا في إعادة بناء الوحدة الوطنية، ليس فقط من خلال الدفاع عن حقوقهن، بل من خلال المساهمة في صياغة عقد اجتماعي فلسطيني جديد يحمي التعددية، ويصون الحقوق والحريات، ويضمن المساواة لجميع المواطنين. فالهدف ليس إنتاج مجتمع متطابق أو فرض رؤية فكرية واحدة، بل بناء دولة ومجتمع قادريْن على إدارة اختلافاتهم بصورة ديمقراطية وعادلة، بما يعزز صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى.

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.