
مقدمة
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خطته الشاملة لإنهاء الحرب على غزة في أيلول/ سبتمبر 2025، كان الفلسطينيون أمام معادلة عبّرت عنها شخصية فلسطينية مطلعة بدقة بقولها: "قبولها مصيبة، ورفضها مصيبة أخرى". فقد جاءت الخطة تعبيرًا عن اختلال حاد في موازين القوى فرضته حرب الإبادة والوقائع الإنسانية والميدانية غير المسبوقة التي أفرزتها.
وفي لحظتها التاريخية، نُوقشت الخطة فلسطينيًا في ظل خطر وجودي يتهدد الجغرافيا والديمغرافيا معًا؛ خطر فقدان الأرض عبر الزحف الميداني المتواصل، وخطر فقدان السكان عبر التهجير الناتج عن المجاعة والدمار وانعدام شروط الحياة. فأصبح وقف إطلاق النار، على الرغم مما تنطوي عليه الخطة من أخطار بنيوية، المسار الوحيد المتاح لمنع انزلاق قطاع غزة نحو انهيار أشمل.
وبناء عليه، تتجاوز قراءة الموقف الفلسطيني ثنائية القبول والرفض، والتعاملَ مع الخطة بوصفها فرصةً سياسيةً أو فخًّا استعماريًّا مكتملَ الأركان. فالأقرب إلى الواقع أن الفلسطينيين تعاملوا معها على أنها ساحة جديدة للصراع على مستقبل غزة، في محاولة للحد من مخاطرها ومنع تحويل نتائج الحرب العسكرية إلى ترتيبات سياسية دائمة.
غير أن مسار التطبيق اللاحق كشف عن تحولات أكثر عمقًا، تمثلت في انتقال مركز الثقل تدريجيًّا من هدف وقف الحرب إلى إدارة نتائجها، وفي إعادة ترتيب الأولويات على نحوٍ يتقدم فيه الاشتراط الأمني على الاستحقاقات الإنسانية والسيادية والسياسية. وفي ظل استمرار الاختلال في موازين القوى، يبرز خطر آخَر يتمثل في تحوّل الترتيبات الانتقالية إلى أطر دائمة لإدارة القطاع وإعادة تعريف موقعه داخل القضية الفلسطينية.
تفترض الورقة أن الخطر ليس في بنود الخطة الأميركية فحسب، فالخطر الأكبر على مستقبل غزة يكمن في قدرة الأطراف الفاعلة على توظيفها لإنتاج حالة استعصاء ممتدة تُبقي الحربَ قائمةً بأدوات مختلفة، وتسمح بإعادة تشكيل قطاع غزة تدريجيًّا على المستويات السياسية والأمنية والمؤسسية. ومن هذا المنطلق، تسعى الورقة إلى تحليل منطق المقاربة الفلسطينية للخطة، وقراءة مآلات تطبيقها، وإعادة تقدير المخاطر الإستراتيجية التي بدأت تتكشف في ضوء الوقائع الميدانية والسياسية المستجدة.
منطق الرهان الفلسطيني وبنية الخطة الأميركية
لا يمكن فهم المقاربة الفلسطينية للخطة الأميركية بمعزل عن اللحظة التي طُرحت فيها. فبعد عامين من حرب الإبادة، كان السؤال المطروح على الطاولة الفلسطينية يتعلق بكلفة استمرار الحرب مقارنة بكلفة وقفها ضمن شروط مختلة، ولا يركز على جودة المقترح. وقد تجسَّد الخطر من وجهة نظر فلسطينية في بُعدين متلازمين: جغرافي يتمثل في الزحف الميداني المتواصل وتقليص مساحة القطاع؛ وديمغرافي يتمثل في دفع السكان نحو التهجير عبر تراكب المجاعة والدمار وانعدام شروط الحياة.
في مواجهة هذين الخطرين، أصبح وقف إطلاق النار، بصرف النظر عن أثمانه السياسية، شرطًا أوليًّا للحفاظ على الأرض والسكان معًا. إذ تعاملت الفصائل الفلسطينية، إلى جانب قطاع واسع من الفاعلين العرب والإسلاميين، مع الخطة على أنها المسار الوحيد المتاح لوقف الإبادة، لا الخيار السياسي المفضل.
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين القبول إقرارًا بمشروعية بنود الخطة، والقبول بوصفه دخولًا اضطراريًّا إلى مسار يراد تعديله من الداخل. فقد صدر الموقف الفلسطيني عن إدراك أن الرفض المطلق للخطة كان سيمنح الاحتلال والراعي الأميركي تفويضًا أوسع لتوسيع الإبادة، ولفرض ترتيبات أحاديّة ما بعد الحرب، في حين يتيح الانخراط المشروط هامشًا للتأثير في التفاصيل التنفيذية، ما جعل القبول بداية مسار جديد للصراع على تفسير الاتفاق وتطبيقه[1].
وتتجاوز الخطةُ هدف وقف إطلاق النار إلى بناء منظومة متكاملة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب عبر مسارات أمنية وسياسية وإدارية واقتصادية مترابطة، فتبدأ بوقف العمليات العسكرية وإعادة الانتشار الإسرائيلي وتبادل الأسرى، ثم تنتقل إلى مسار "نزع السلاح"، قبل أن تصل إلى إعادة الإعمار عبر ثلاثة هياكل رئيسة هي مجلس السلام، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقوة الاستقرار الدولية (ISF)[2]. وقد اكتسب هذا البناء غطاءً أمميًّا عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2803 في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، الذي حوّل الخطة من مقترح أميركي إلى إطار مرجعي معترف به دوليًّا[3].
لكن القراءة الدقيقة لبنية الخطة تكشف اختلالًا جوهريًا في توزيع الالتزامات بين الأطراف. فالالتزامات المطلوبة من الفلسطينيين جاءت محدَّدة ومقيَّدة بجداول زمنية واضحة، وفي مقدمتها تسليم الأسرى خلال 72 ساعة، ونزع السلاح، والتخلي عن إدارة غزة، في حين صيغت الالتزامات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي والأفق السياسي الفلسطيني بعبارات فضفاضة ومؤجَّلة وغير مقترنة باستحقاقات تنفيذية ملزِمة.
يتجلى ذلك خصوصًا في البند المتعلق بالدولة الفلسطينية، إذ اكتفت الخطة بالإشارة إلى "تهيئة الظروف لمسار موثوق نحو تقرير المصير وإقامة الدولة"[4]، وهي صيغة اختيرت بعناية كي تفتح أفقًا سياسيًّا نظريًّا من دون أن ترتب التزامًا تنفيذيًّا محدَّدًا.
وعززت المواقف الإسرائيلية هذا الاستنتاج سريعًا، بعدما أعلن نتنياهو أن الخطة لا تتضمن دولة فلسطينية، وأن الإدارة الأميركية تتفهم معارضته لهذا المسار. كما تشير قراءات متعددة إلى أن هذا البند أُدرج بدرجة كبيرة لاستيعاب مواقف بعض الأطراف العربية التي ربطت مسارات التطبيع بهذا الهدف، أكثر من كونه يعكس التزامًا فعليًّا بإنتاج مسار سياسي يقود إلى الدولة الفلسطينية[5].
وشكَّل هذا التفاوتُ بين المحدَّد والمؤجَّل أرضيةَ الرهان الفلسطيني، فالغموض - وهو يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يتيح للاحتلال إعادة تفسير البنود وفق مصالحه - يفتح في الوقت ذاته مساحةً للمناورة، إذ بقي كثير من التفاصيل التنفيذية غير محسوم بصورة نهائية. وقد استند هذا الرهان إلى ثلاثة عناصر مترابطة: أولها نقص التفاصيل التنفيذية، بما يجعل عددًا من البنود قابلًا لإعادة التفاوض في أثناء التطبيق؛ وثانيها وعود الوسطاء، لا سيما مصر وقطر وتركيا، بأن التنفيذ سيخضع لمسارات تفاوضية متواصلة لا لإملاءات أحادية؛ وثالثها انخراط دول عربية وإسلامية في مجلس السلام، بما يسمح نظريًّا باستخدام هذا الحضور لتعديل بعض المسارات التنفيذية والحد من اندفاعة التفسيرات الإسرائيلية الأحادية.
من هنا تبلورت سياسة التفكيك التدريجي للمخاطر؛ أي الانخراط في المسار لا للتسليم بمرجعياته، والسعي إلى تقليص مخاطر بنوده تدريجيًّا عبر مراكمة تعديلات صغيرة في التفسير والتطبيق يمكن أن تغيِّر طبيعة المخرجات النهائية مع مرور الوقت. ولم يكن هذا الرهان قائمًا على افتراض حسن النوايا لدى الاحتلال، واستند على فرضية أكثر واقعية؛ مفادها أن أي تنصل إسرائيلي يمكن أن يتحول إلى عبء سياسي متزايد إذا توافرت أدوات رقابة إقليمية ودولية قادرة على رفع كلفة الخرق وتقييد حرية الحركة الإسرائيلية. ولذلك كان نجاح التفكيك التدريجي مشروطًا باستكمال منظومة رقابية قادرة على تحويل الكلفة الأخلاقية للخرق إلى كلفة سياسية فعلية، وهو الشرط الذي ستكشف المرحلة الأولى من التطبيق أنه لم يكتمل.
من التفكيك الفلسطيني إلى التفكيك الإسرائيلي
قامت بنية الخطة منذ البداية على توزيع غير متكافئ بين التزامات محدَّدة وأخرى مؤجَّلة، ثم كانت المرحلة الأولى من التطبيق اللحظةَ التي اختُبر فيها الرهان الفلسطيني على أرض الواقع، لتأتي نتيجة الاختبار كاشفةً بدرجة كبيرة، فالالتزام الفلسطيني، الذي تجاوز المتوقَّع، قابله تنصل إسرائيلي شبه كامل من الاستحقاقات المقابلة. وليست أهمية هذه المفارقة في توزيع المسؤوليات بمقدار كونها تكمن في إصابتها أحد الأعمدة التي استند إليها القبول الفلسطيني ذاته، المتمثل في إنهاء المعاناة الإنسانية وتثبيت صمود السكان، ما أضعف عمليًّا الشرط الأول الذي قامت عليه سياسة التفكيك التدريجي للمخاطر.
أبدت الفصائل الفلسطينية، في المرحلة الأولى، مستوى من المرونة تجاوز تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وقدمت تنازلاتٍ عمليةً في ملفات كانت تُعد من أوراق القوة القليلة المتبقية لديها. وعلى مستوى تبادل الأسرى، سُلِّم الأحياء من الأسرى الإسرائيليين وفق الجداول المتفق عليها، مع أن مفاتيح التبادل لم ترتقِ إلى مستوى الطموح الفلسطيني، كما أُغلق ملف جثث الأسرى منهم على الرغم من التعقيدات الميدانية الحقيقية المرتبطة بتحديد أماكنها تحت ركام قطاع تعرض لتدمير واسع النطاق، وهو ملف كان يمكن أن يتحول إلى ذريعة دائمة للتعطيل لو تعاملت معه الفصائل بمنطق المماطلة[6].
وتحمل هذه المرونة دلالةً سياسيةً تتجاوز بُعدَها التقني، إذ تعكس قرارًا إستراتيجيًّا بتقديم ما يلزم لإثبات الجدية الفلسطينية في التنفيذ، وقطع الطريق على أي محاولة لتحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية تعطيل المسار. واستثمرت الفصائل التزامها أداةً ضمن معركة التفكيك التدريجي ذاتها، انطلاقًا من افتراض أن الوفاء الكامل بالاستحقاقات سيؤدي إلى تراكم رصيد سياسي وموقف دولي يضع الاحتلال تحت ضغط متزايد، ويرفع كلفة أي تنصل مقابل.
اصطدم هذا الرهان، مع كل ذلك، بسلوك إسرائيلي معاكس، إذ لم يلتزم الاحتلال باستحقاقات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها البروتوكول الإنساني الذي مثَّل أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت الفلسطينيين إلى القبول بالخطة. وبدل أن يقود وقف إطلاق النار إلى انفراج إنساني تدريجي، أبقى الاحتلال على الأوضاع الكارثية القائمة عبر منع دخول المعدات والكرفانات، إضافة إلى إعادة إنتاج التجويع بأدوات عدة، بما أفرغ أحد الأهداف الأساسية للقبول الفلسطيني من مضمونه[7].
إضافةً إلى الامتناع عن التنفيذ، أعيد تعريف الخطوات التي نُفِّذَت شكليًّا على نحوٍ يفرغها من قيمتها الإنسانية والسياسية. ويتجلى ذلك في ملف منفذ رفح، الذي خضع لسلسلة معقَّدة من الإجراءات والتفاصيل التشغيلية، انتهت إلى حصر حركة السفر بنحو خمسين مسافرًا يوميًّا، بعد موافقة إسرائيلية مسبقة على القوائم، ما يعني عمليًّا ضرب القيمة السياسية والقانونية لاتفاقية المعابر للعام 2005، وتحويل تلك البوابة التي يفترض أن تعمل ضمن ترتيبات سيادية متفق عليها إلى أداة سيطرة تُدار عبر السقوف العددية والقوائم والموافقات.
يتكرر النمط نفسه في ملف المعابر والمساعدات الإنسانية. فإلى جانب عدم الالتزام بعدد الشاحنات المتفق عليه، والبالغ نحو 600 شاحنة يوميًا، وهو الحد الأدنى الذي تعدُّه المنظمات الإنسانية ضروريًا وينص عليه البروتوكول الإنساني، أبقى الاحتلال على المعدل الفعلي عند نحو 200 شاحنة يوميًّا، مع استثمار كل انشغال دولي للعبث بالتفاصيل الإنسانية ذاتها، بما يشمل أصناف المواد المسموح بإدخالها، ومحتويات الشحنات، وتوقيت دخولها[8]. ونتيجة لذلك، أصبحت إمكانيات التعافي داخل القطاع شبه معدومة، وتحول التجويع إلى وسيلة دائمة للتحكم في القطاع عبر الأمن الغذائي والدوائي لسكانه، لا إلى نتيجة جانبية لتعثر التطبيق.
يتوازى هذا المسار مع تفكيك الجغرافيا، فقد اتجه المسار الفعلي نحو توسيعه تدريجيًّا عبر فرض وقائع ميدانية جديدة تتجاوز الحدود التي رسمها الاتفاق، بدل أن يقلِّص الوجود العسكري الإسرائيلي. وقد ظهر ذلك بوضوح في تصريحات نتنياهو، الذي أعلن أن الجيش الإسرائيلي بات يُسيطر على نحو 60% من مساحة قطاع غزة، وأنه أصدر توجيهًا بالوصول في السيطرة إلى 70%، وذلك في تجاوز صريح لما عُرف بـ"الخط الأصفر" الذي رسمه الاتفاق[9]، بالتوازي مع تصريحات وزير الأمن يسرائيل كاتس، الذي أكد أن الجيش الإسرائيلي لن يغادر المناطق التي يحتلها، ووصفها بأنها "مناطق أمنية".
لا يمكن فصل الزحف الميداني عن الخطاب الإسرائيلي المتكرر بشأن "الهجرة الطوعية"، فالوظيفتان متكاملتان؛ تضييق الحيز الجغرافي على نحو مليونَي فلسطيني محشورين داخل مساحة متقلصة، والإبقاء على شروط الحياة عند مستويات متدنية، بما يجعل التهجير حصيلةً منطقيةً لانعدام مقومات البقاء، لا قرارًا طوعيًّا بأي معنى حقيقي.
وتكشف المرحلة الأولى، في محصلتها النهائية، عن تحوُّل جوهري في طبيعة المواجهة، ففي حين سعى الفلسطينيون إلى تفكيك مخاطر الخطة تدريجيًّا من داخلها، عمل الاحتلال على تفكيك الاتفاق ذاته، جغرافيًّا وسياسيًّا وإنسانيًّا، مستفيدًا من غياب أدوات الرقابة القادرة على تحويل الخرق الإسرائيلي إلى كلفة فعلية.
هنا تحديدًا يبدأ تشكُّل حالة الاستعصاء التي تحكم مستقبل غزة، إذ يصبح الاتفاق عاجزًا عن إنهاء الحرب، في الوقت الذي يواصل فيه إنتاج وقائع جديدة على الأرض، ويصير وقف إطلاق النار إطارًا لإدارة الأزمة بصورة مفتوحة، ولا ينهيها.
خماسية المخاطر الإستراتيجية في ضوء التطبيق
تنطوي الخطة الأميركية على خمسة مخاطر إستراتيجية رئيسة، جرى تناولها سابقًا بوصفها تهديداتٍ في النصوص، إلا أن اللحظة الراهنة تجاوزت تشخيصَها نظريًّا، إذ بدأت تتكشف فيها عبر التطبيق الفعلي، بما يؤكد أن جوهرها يكمن في كيفية توظيفها داخل ميزان قوى مختل. والأهم من ذلك أن هذه المخاطر أصبحت أجزاءً من منظومة متكاملة يعزز بعضها بعضًا، في حين تتشكل عقدتها المركزية حول إعادة ترتيب الأولويات بطريقة تجعل نزع السلاح يتقدم على بقية الاستحقاقات.
الخطر الأول: تدويل إدارة غزة وإضعاف المرجعية الوطنية الفلسطينية
على الرغم من نجاح الفلسطينيين، مع تحفظاتهم، في الدفع نحو تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وقبول الأسماء المقترحة، وإخراج الموافقة عليها بصورة فصائلية ورسمية، بقيت مرجعيتها القانونية والسياسية ضبابية؛ ذلك أن خط اتصالها الرئيس وتفويضها العملي يرتبط مباشرةً بمجلس السلام ومبعوثه نيكولاي ملادينوف، الذي يُمثل المرجعية الفعلية لعملها، في حين يقتصر حضور النظام السياسي الفلسطيني على مكتب الارتباط مع السلطة الفلسطينية، الذي أُنشئ للتنسيق مع مكتب الممثل السامي لمجلس السلام، لا للإشراف أو التوجيه؛ ما يعني تحوُّل اللجنة من أداة لإدارة مرحلة انتقالية إلى نواة بنية حكم ترتبط وظيفيًّا بمرجعية دولية، بما يهدِّد بتكريس فصل القطاع عن النظام السياسي الفلسطيني.
الخطر الثاني: نزع سلاح المقاومة
تقوم خريطة الطريق التي طرحها ملادينوف على ترتيب تصاعدي يبدأ بنزع الأسلحة الثقيلة والصواريخ وتحييد الأنفاق، وصولًا إلى الأسلحة الشخصية عبر التسجيل والجمع، مع نقل السلاح إلى جهات فلسطينية تعمل تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مع الإشارة إلى أنه لن يُسلَّم مباشرةً للاحتلال. ومع أن الخريطة ترفع شعار "التبادلية"، عبر ربط كل خطوة أمنية بخطوة إسرائيلية مقابلة، فإن جوهر المخاطرة جعلُ نزع السلاح البوابةَ التي يمر عبرها كلُّ أمرٍ آخر، بما يمنح الاحتلالَ وسيلةَ ابتزاز دائمة تربط الانسحاب والإعمار وسائر الترتيبات المستقبلية بهذا الملف، ويثبت الانتقائية في التعامل مع نصوص الاتفاق بما يتوافق مع جدول الأعمال الإسرائيلي.
الخطر الثالث: قوة الاستقرار الدولية (ISF)
نجح الفلسطينيون عبر التفاوض مع الوسطاء على البروتوكول التشغيلي للقوة، في تحييد خطر تحولها إلى قوة مواجهة مع السكان، وتثبيتها بوصفها قوة استقرار تهدف إلى الفصل بين الاحتلال والفلسطينيين، لا إلى نزع السلاح بالقوة. غير أن هذا الإنجاز بقي معلقًا عند حدود التفاهمات النظرية، بعدما حالت المصلحة الإسرائيلية دون تمكين القوة من استلام مهماتها فعليًّا على الأرض، بما أفرغ الترتيب من قيمته العملية.
الخطر الرابع: إعادة الهندسة المكانية والديمغرافية عبر بوابة الإعمار
يتقاطع هذا الخطر بصورة لافتة مع البعد المالي، فقد كشفت التقارير أن صندوق مجلس السلام ما يزال يعاني فجوة تمويلية كبيرة على الرغم من التعهدات المعلنة بمليارات الدولارات، في حين تواجه الخطة، التي تقدَّر كلفتها بنحو سبعين مليارًا، فجوةً متسعةً بين التعهدات والصرف الفعلي.
الأخطر أن هذا العجز فتح البابَ أمام طرح بالغ الدلالة مرتبط بإمكانية توظيف جزء من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى الاحتلال في تمويل مشاريع مجلس السلام داخل غزة، ما يعني أن يصبح الإعمار - الذي يفترض أن يكون رافعة للتعافي - معولًا إضافيًّا لهدم السيادة المالية الفلسطينية، عبر استخدام موارد فلسطينية سيادية لتمويل بنية تتجاوز النظام السياسي الفلسطيني.
الخطر الخامس: تكريس السيطرة الأمنية الإسرائيلية غير المباشرة
ما يزال الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بمعايير أمنية فضفاضة بلا جداول زمنية ملزمة، في حين تواصل الوقائع الميدانية ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على نحو 220 كيلومترًا مربعًا من مساحة قطاع غزة، مع إعلان نية التوسع إلى 70% من جغرافيته، إلى جانب استمرار التحكم في المعابر والمجالين البحري والجوي. وبذلك، يصبح القطاع مرشحًا للتحول إلى منطقة أمنية تُدار عبر ترتيبات دولية–إسرائيلية متشابكة تضمن استمرار السيطرة من دون العودة إلى نموذج الاحتلال المباشر التقليدي.
تكتسب هذه المخاطر فاعليتها الحقيقية من إعادة هندسة جدول الأعمال ذاته، فخريطة طريق ملادينوف، التي قُدمت مدخلًا للمرحلة الثانية، تنقُل مركز الثقل من استكمال استحقاقات المرحلة الأولى إلى الانخراط في مسار نزع السلاح، حيث يصبح الاشتراط الأمني بوابة لكل ما عداه.
لذا، فإن إصرار الفصائل الفلسطينية على ربط أي نقاش جديد باستكمال التزامات المرحلة الأولى، لم يكن اعتراضًا على خريطة الطريق بحد ذاتها، لكنها محاولة لإخضاعها لمسار تفاوضي يُعيد ترتيب الأولويات، ويمنع جعل نزع السلاح نقطةً لتجاوز بقية الاستحقاقات الإنسانية والسيادية.
يضاف إلى ذلك تخوُّف متصاعد من أن تصبح هذه المقاربة مدخلًا لتكريس تقسيم وظيفي وجغرافي داخل القطاع، يُدار عبر مناطق منفصلة تخضع لترتيبات أمنية وإدارية متفاوتة، بما يُبقي أجزاءً واسعة منه تحت واقع الإبادة المستدامة، ويجعل اتفاق وقف إطلاق النار غطاءً سياسيًّا لاستمرار الأزمة وإعادة إنتاجها بصيغ أكثر تعقيدًا.
وتتزايد وجاهة هذا التخوف مع التلميحات المتكررة بإمكانية تفعيل البند السابع عشر من خطة ترمب، القاضي بإطلاق مشاريع إعادة الإعمار في المناطق التي لا تسيطر عليها حركة حماس، بما يربط الحقوق الإنسانية، وفي مقدمتها الإعمار، بمحددات سياسية وأمنية، ويفتح الباب أمام إنتاج خرائط نفوذ متباينة داخل القطاع.
كما يعيد ذلك إلى الواجهة سيناريو "المدينة الإنسانية" في رفح، الذي يقوم على إنشاء تجمع سكاني واسع النطاق يخضع لرقابة أمنية مشددة، بما يجعله أقرب إلى سجن كبير منه إلى فضاء إنساني مؤقت. وعند جمع هذه المؤشرات مع استمرار السيطرة الإسرائيلية وتعثر الإعمار واستمرار التجويع، تبدو احتمالات استئناف الإبادة الأعلى بين السيناريوهات المطروحة، سواء مباشرة عبر استئناف العمليات العسكرية، أو بصورة غير مباشرة عبر إبقاء السكان تحت شروط حياة لا تسمح بالتعافي والاستقرار.
ويتضح أن المخاطر المذكورة آنفًا منظومة متكاملة من التهديدات، تُدار عبر تقديم الاشتراط الأمني على الحق الإنساني والسيادي، فنزع السلاح يصبح شرطًا للإعمار، والإعمار يتعلق بإعادة هندسة جغرافية وديمغرافية بمنظور أمني واستثماري، وقوة الاستقرار الدولية ما تزال معطلة لتعلُّقها باستحقاقات الانسحاب، واللجنة الوطنية لإدارة غزة لم يُسمح لها بتولي مهماتها أو دخول القطاع، في حين يبقى الانسحاب رهن معايير أمنية مفتوحة تمنح الاحتلال حق النقض الدائم.
الأهم أن الشرط الذي عُلقت عليه فرص نجاح التفكيك التدريجي لم يكتمل، فقد وُظِّف جزء من البنية الدولية، عبر هياكلها وخريطة طريقها، في إعادة إنتاج أولويات جديدة تخدم المقاربة الأمنية الإسرائيلية، وبذلك لم ترفع الرقابة الإقليمية والدولية كلفةَ الخروقات.
خاتمة
تكشف القراءة السابقة أن خطر الخطة الأميركية يتجاوز غزة إلى إعادة تشكيل القضية الفلسطينية برمَّتها، فالمقاربات التي تُختَبَر في القطاع، سواء على مستوى الإدارة أو الأمن أو الإعمار أو العلاقة مع النظام السياسي الفلسطيني، تحمل قابليةً واضحةً للانتقال إلى مجمل الأراضي الفلسطينية، في الوقت الذي تضع فيه الحكومة الإسرائيلية خطة الحسم أساسًا لتحركاتها الرامية إلى تفكيك الكينونة الفلسطينية وإعدام أي إمكانية لوجود كيان فلسطيني موحَّد.
من هذا المنظار، فإن تحييد غزة من المعادلة الوطنية، وتهجير كتلة القطاع الديمغرافية، والسيطرة على جغرافيته، جزء من مسار إسرائيلي أشمل يستهدف الوجود الفلسطيني بأسره، لتصبح استعادة المبادرة الفلسطينية استحقاقًا عاجلًا يبدأ من بناء توافق وطني جامع، يعيد جمع مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني تحت مظلة واحدة، وينقل إدارة الملفات المصيرية من منطق الاستفراد إلى الشراكة الوطنية الشاملة.
يشمل ذلك مراجعة السياسات القائمة لدى الأطراف الفلسطينية الرئيسة على حد سواء، عبر نقل مسار التفاوض من حالة الاستفراد التي قادتها حركة حماس - على الرغم من إشراكها الجزئي لبعض الفصائل - إلى مرجعية وطنية جامعة، وفي الوقت ذاته مغادرة السلطة الفلسطينية والقيادة الرسمية لمنظمة التحرير سياسة الانتظارية السلبية، والركون إلى فكرة أن شرعيتها الرسمية تجعلها الممر الختامي الإلزامي لأي مقاربات مستقبلية، إلى جانب وقف التحركات المنفردة الهادفة إلى إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني بصورة تؤبد سيطرة فريق بعينه على مقاليد الحكم.
تبرز الحاجة، في موازاة ذلك، إلى مغادرة مربع تشخيص المخاطر نحو بناء خطة مواجهة فلسطينية حقيقية، تأخذ في الحسبان موازين القوى الدولية القائمة، وتراكم على الرصيد السياسي الذي راكمته حالة التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، وتعيد تفعيل النباهة الدولية تجاه ما يجري في قطاع غزة، مع العمل على جعل الرؤية الوطنية الفلسطينية رؤية عربية وإسلامية جامعة، بما يسمح بتفعيل أدوات الضغط العربية والإسلامية بهدف تفكيك مخاطر الخطة الأميركية، وتصويب بوصلة مجلس السلام، وتفعيل دور مجلس الأمن في الرقابة الفعلية على تطبيقها، بما يجعلها إطارًا حقيقيًّا لوقف الحرب لا يعيد إنتاجها بأدوات وأنساق متعددة تترك واقع الإبادة مستدامًا.
إن نجاح الفلسطينيين في بناء هذه الرؤية وجعلها مرجعية عربية وإسلامية جامعة؛ من شأنه أن يخلق أدوات ضغط إضافية على الولايات المتحدة، ويدفعها إلى إعادة النظر في مقارباتها تجاه غزة والأراضي الفلسطينية عمومًا، ويتيح كذلك التمسك بالمسار السياسي الفلسطيني للوصول إلى الدولة، والاستثمار في الانخراط الدولي الواسع للدول الداعمة لهذا المسار بمرجعية دولية واضحة، بما يضمن منح القطاع أفقًا حقيقيًا للتعافي والخروج من حرب الإبادة، مع الحفاظ على ما تبقَّى من الأرض والسكان، وامتلاك فرصة فعلية لإعادة الإعمار.
[1] التعامل الفلسطيني مع خطة ترمب، تقدير إستراتيجي، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 23/12/2025: 2u.pw/PQs7sb
[2] خطة ترمب لإنهاء حرب غزة، الجزيرة نت، 30/9/2025: 2u.pw/iCKAcX
[3] الأمم المتحدة، مجلس الأمن، القرار رقم 2803، S/RES/2803، تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
[4] المصدر السابق.
[5] التعامل الفلسطيني مع خطة ترمب، مصدر سابق.
[6] تل أبيب تغلق ملف الأسرى وتستعيد جثة آخر رهينة في غزة، صحيفة الخليج، 27/2/2026: 2u.pw/Q6Vnim
[7] دولة قطر تدين الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وزارة الخارجية القطرية، 31/1/2026: 2u.pw/Tr5DKk
[8] سياسة 'تقنين الغذاء': 200 شاحنة فقط تدخل غزة يوميًا، جريدة الأخبار، 19/6/2026: 2u.pw/9v3B1t
[9] نتنياهو يأمر بالسيطرة على 70% من قطاع غزة، سكاي نيوز عربية، 28/5/2026: 2u.pw/qGPT0q