تحليل سياسات - نحو سياسات وطنية موحَّدة للتعامل مع الخطة الأميركية بشأن غزة
419
    

إعداد: إسلام عبد الجبار، حمزة محيسن، هدير البرقوني، ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" - الدورة الثامنة، الذي ينفذه مركز مسارات بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.**

مقدمة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتنسيق مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 29 أيلول/ سبتمبر 2025[1]، خطة من واحد وعشرين بندًا لوقف إطلاق النار وإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة[2]، تتضمن ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية واقتصادية تشمل تبادل الأسرى، وتشكيل إدارة انتقالية، وإطلاق مسار لإعادة الإعمار، ونزع سلاح المقاومة. وقد طُرحت الخطة في ظل ضغط حرب الإبادة والكارثة الإنسانية في القطاع[3]، واختلال في موازين القوى حدَّ من القدرة الفلسطينية على الرفض أو المناورة السياسية.

وعلى الرغم من إضفاء طابع دولي على الخطة عبر قرار مجلس الأمن رقم (2803)[4]، فإنها تتجاوز وقف الحرب وإعادة الإعمار إلى إعادة صياغة واقع غزة السياسي والأمني بما يمنح الولايات المتحدة ودولة الاحتلال دورًا حاسمًا في إدارة مستقبل القطاع. وتفتح الصياغة العامة لعدد من بنودها المجالَ لتفسيرات متباينة تسمح بإعادة إنتاج أهداف الحرب الإسرائيلية في إطار سياسي ودولي أكثر قابلية للتسويق.

تكمن خطورة الخطة فيما تنطوي عليه من مساس بجوهر الحقوق الوطنية الفلسطينية، عبر ترسيخ فصل غزة عن الضفة الغربية، وربط الإعمار والمساعدات الإنسانية بشروط أمنية وسياسية[5]، وإضعاف المرجعية الوطنية الفلسطينية لصالح أطر دولية وإقليمية[6].

في ضوء ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تحليل المخاطر الإستراتيجية للخطة الأميركية، وطرح بدائل سياساتية فلسطينية تقلِّص مخاطرها، وتمنع توظيفها أداة تعيد إنتاج أهداف الحرب على غزة بوسائل سياسية وقانونية، بما ينسجم مع وحدة الأرض الفلسطينية والحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف.

المشكلة السياساتية

تطرح الخطة الأميركية بشأن غزة إطارًا لوقف الحرب وإطلاق مسار لإعادة الإعمار، لكن مضامينها تعيد تشكيل الواقع السياسي والأمني والإداري في القطاع ضمن ترتيبات دولية وإقليمية تقودها الولايات المتحدة، وتستجيب بدرجة كبيرة للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية. وانطلاقًا من هذه المقاربة، تتعامل الخطة مع قطاع غزة على أنه ملف أمني–إنساني منفصل عن بعده الوطني بوصفه جزءًا لا يتجزأ من القضية الفلسطينية، وتُخضعه لآليات إدارة خارجية تعيد تعريف أولويات المرحلة المقبلة وحدود الفعل الفلسطيني فيها.

وتمنح الخطةُ دولةَ الاحتلال قدرةً واسعةً على التحكم في مسارات التنفيذ، عبر ربط الانسحاب، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم بمعايير أمنية فضفاضة، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة[7]. كما فتحت المجال لإنشاء أطر انتقالية جديدة، مثل "مجلس السلام" واللجنة الإدارية[8]، بما قد ينقل مركز القرار من المؤسسات الوطنية الفلسطينية إلى هياكل دولية وإقليمية موازية[9].

وتحمل الترتيباتُ أخطارًا إستراتيجيةً تتعلق بتكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، وإعادة هندسة القطاع مكانيًّا وديمغرافيًّا، وربط المساعدات الإنسانية والإعمار بشروط سياسية وأمنية، بما قد يحوِّل الاحتياجات الإنسانية إلى أدوات ضغط لإعادة تشكيل بيئة غزة السياسية والأمنية وفق أولويات خارجية.

وتزداد خطورة ذلك في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، وضعف المرجعية الوطنية الموحَّدة، وغياب رؤية فلسطينية جامعة للتعامل مع ما بعد الحرب، ما يحدُّ من القدرة على التأثير في مسارات تنفيذ الخطة، ويُبقي الموقفَ الفلسطينيَّ عرضةً للتشتت بين الرفض غير القابل للتحقق، أو التكيف القسري مع الوقائع المفروضة، أو الاكتفاء بردود فعل محدودة الأثر.

وبناء عليه، تتمثل المشكلة السياساتية في غياب مقاربة فلسطينية موحَّدة للتعامل مع الخطة الأميركية، بما يهدف إلى تقليص مخاطرها الإستراتيجية، ومنع تحويلها إلى أداة لإعادة إنتاج أهداف الحرب الإسرائيلية بوسائل سياسية وقانونية، مع الحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني وصون الحقوق الوطنية.

الأسباب الرئيسة للمشكلة السياساتية

تعود المشكلة السياساتية المتعلقة بخطة ترامب إلى ثلاثة عوامل رئيسة مترابطة. يتمثل العامل الأول في الاختلال الحاد في موازين القوى لصالح الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، ما حوَّل الخطة من إطار تفاوضي مفترض لإنهاء الحرب إلى مسار يُطرح تحت ضغط الإبادة الجماعية والكارثة الإنسانية في القطاع، بما قيَّد القدرة الفلسطينية على الرفض أو المناورة السياسية الفاعلة[10].

أما الثاني فيرتبط بطبيعة الخطة، إذ تتعامل مع غزة بوصفها ملفًّا أمنيًّا–إنسانيًّا منفصلًا عن السياق الوطني الفلسطيني[11]، وتربط إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية بترتيبات أمنية وسياسية تشمل نزع سلاح المقاومة وإعادة تشكيل بنية الحكم والإدارة، بما يفتح المجال لإعادة هندسة القطاع سياسيًّا وأمنيًّا وديمغرافيًّا وفق المتطلبات الأمنية الإسرائيلية[12].

ويتمثل العامل الثالث في استمرار الانقسام الفلسطيني وغياب مرجعية وطنية موحَّدة قادرة على إنتاج رؤية جامعة للتعامل مع ما بعد الحرب على غزة، ما أضعف القدرة الفلسطينية على التأثير في مسارات تنفيذ الخطة، وأتاح هامشًا أوسع للتدخلات الدولية والإقليمية في صياغة ترتيبات الحكم والإدارة في القطاع[13].

وانطلاقًا من ذلك، تفترض الورقة أن جوهر المشكلة يكمن في محاولة فرض الخطة الأميركية بوصفها إطارًا مرجعيًّا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، في ظل غياب مقاربة فلسطينية وطنية متكاملة وموحَّدة. ويحوِّل هذا الفراغ السياساتي الخطةَ من مسار لوقف إطلاق النار إلى آلية ضغط متعددة الأبعاد تمس سلاح المقاومة، وبنية التمثيل الوطني الفلسطيني، ومستقبل الكينونة السياسية الفلسطينية.

أهداف الورقة

الهدف الرئيس

اقتراح بدائل سياساتية فلسطينية موحَّدة وقابلة للتطبيق للتعامل مع الخطة الأميركية بشأن غزة، بما يحدُّ من مخاطرها على المشروع الوطني الفلسطيني، ويحافظ على وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني، ويخفِّف الآثار السياسية والإنسانية المترتبة على حرب الإبادة، ويمنع تحويل القطاع إلى كيان معزول خاضع لترتيبات أمنية دولية طويلة الأمد.

الأهداف الفرعية

  • تحليل المضامين السياسية والأمنية والإدارية والاقتصادية التي تتضمنها الخطة، وتقييم انعكاساتها المحتملة على القضية الفلسطينية.
  • تحديد المخاطر الإستراتيجية المرتبطة بالخطة، بما يشمل تدويل إدارة القطاع، ونزع سلاح المقاومة، وإعادة هندسة غزة مكانيًّا وديمغرافيًّا، واستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
  • تقييم تأثير الخطة على وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل التمثيل الوطني، والعلاقة بين قطاع غزة والضفة الغربية.
  • تقديم رؤية تحليلية تساعد صانع القرار الفلسطيني على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بما يوازن بين المتطلبات الإنسانية العاجلة وحماية المصالح الوطنية الفلسطينية.

تحليل المخاطر الإستراتيجية للخطة الأميركية بشأن غزة

تتجاوز خطة ترامب هدف وقف إطلاق النار ومعالجة التداعيات الإنسانية المباشرة للحرب، لتطرح تصورًا لإعادة تنظيم القطاع سياسيًّا وأمنيًّا وإداريًّا واقتصاديًّا ضمن ترتيبات دولية وإقليمية تقودها الولايات المتحدة، وتستجيب بدرجة كبيرة لأولويات الاحتلال الأمنية[14].

ولا تنحصر خطورة هذه المقاربة في بنودها المعلَنة، وإنما في ما قد تفضي إليه من إعادة تعريف لموقع غزة داخل النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسكانية في القطاع، وفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

ويمكن تحديد خمسة مخاطر إستراتيجية رئيسة تنطوي عليها الخطة الأميركية:

أولًا: تدويل إدارة قطاع غزة وإضعاف المرجعية الوطنية الفلسطينية

يمثل تدويل إدارة غزة أحد أبرز مخاطر خطة ترامب، لأنه ينقل مركز القرار من المؤسسات الوطنية الفلسطينية إلى أطر دولية وإقليمية تتولى إدارة الأمن والإعمار والحوكمة[15]. وبناءً عليه، تؤسِّس الخطة لبنية مؤسسية جديدة قد تعيد تشكيل منظومة الحكم والشرعية السياسية في القطاع خارج الأطر الوطنية الفلسطينية القائمة[16].

لم يعُد هذا المسار مجرد تصور نظري، إذ أتاحت الخطة بالفعل إنشاء وتفويض هياكل جديدة لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع. فقد شُكِّل "مجلس السلام" وهيئته التنفيذية بوصفهما المرجعية العليا المشرفة على تنفيذ الاتفاق، وشُكِّلت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" من شخصيات من التكنوقراط لتولِّي إدارة القطاع في المرحلة الانتقالية[17]. وعلى الرغم من أن اللجنة حظيت بموافقة القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية، وترحيب السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بتشكيلها، فما تزال مرجعيتها السياسية والقانونية تتسم بدرجة عالية من الضبابية.

وتنبع هذه الضبابية من أن خط الاتصال الرئيس للجنة وتفويضها العملي يرتبطان مباشرة بـ"مجلس السلام" ومبعوثه نيكولاي ميلادينوف، الذي يمثِّل المرجعية الفعلية لعملها، في ظل غياب دور واضح للسلطة الفلسطينية في توجيه اللجنة أو الإشراف على عملها، باستثناء إعلان إنشاء مكتب ارتباط للتنسيق بين السلطة ومكتب الممثل السامي للمجلس[18]. وقد أوضح ميلادينوف أن مكتب الارتباط قناة رسمية للتواصل والتنسيق، في حين يتولى مكتب الممثل السامي، بصفته حلقة الوصل بين "مجلس السلام" واللجنة الوطنية لإدارة غزة، ضمان تنفيذ ترتيبات الإدارة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وإعادة التطوير في القطاع[19].

وعلى الرغم من تقديم هذه الهياكل بوصفها حلولًا تقنية ومؤقتة لإدارة مرحلة انتقالية، فإنها تنطوي على أبعاد سياسية عميقة، لأنها تربط إدارة القطاع وترتيبات الحكم والإعمار بمرجعيات دولية وإقليمية، وتفتح المجال أمام إعادة تشكيل النخب السياسية والإدارية وفق معايير خارجية لا تستند بالضرورة إلى توافق وطني فلسطيني[20].

ويحمل هذا المسارُ خطرَ تكريس الفصل الإداري والسياسي بين غزة والضفة الغربية، إذ قد يؤدي نشوء منظومة حكم ترتبط وظيفيًّا وسياسيًّا بجهات دولية راعية إلى تثبيت نموذج منفصل لإدارة القطاع، بدل أن يشكِّل مدخلًا لإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته[21].

وبناء عليه، لا يكمن جوهر المخاطرة في وجود دور دولي مساند بحد ذاته، وإنما في تحوُّل هذا الدور إلى مرجعية فعلية بديلة من المؤسسات الوطنية الفلسطينية، بما يعيد تشكيل الشرعية السياسية وآليات الحكم على أسس تتقدم فيها اعتبارات الأمن والاستقرار وإدارة الأزمة على حساب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ووحدة نظامه السياسي.

ثانيًا: نزع سلاح المقاومة وتحويل الحق في المقاومة إلى ملف أمني

تضع الخطة قضية نزع سلاح المقاومة في قلب ترتيبات ما بعد الحرب، إذ تنص على تفكيك البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية، ومنع إعادة بنائها، وربط إعادة الإعمار وترتيبات الحكم بتنفيذ هذه الخطوة[22]. وبذلك، يتحول ملف السلاح إلى شرط سياسي وأمني مسبق، يمنح الولاياتِ المتحدةَ ودولةَ الاحتلال أداةَ ضغطٍ مركزيةً للتحكم في مسارات التنفيذ.

وتزداد حساسية هذا البند بالنظر إلى أن القانون الدولي يقر بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة السيطرة الأجنبية في إطار حقها في تقرير المصير[23]. ويعني التعامل مع سلاح المقاومة بوصفه مشكلة أمنية مجردة من سياق الاحتلال عمليًّا نزعَ إحدى أدوات القوة الفلسطينية قبل التوصل إلى تسوية سياسية تضمن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وتكشف تصريحات ترامب[24]، ونتنياهو[25]، وممثلي "مجلس السلام"[26]، أنه يُنظر إلى نزع السلاح بوصفه شرطًا سابقًا لإعادة الإعمار ولأي انسحاب إسرائيلي أو ترتيبات سياسية لاحقة. ويمنح ذلك الاحتلالَ قدرةً واسعةً على استخدام الملف أداةَ ابتزاز دائمة، ليصبح أي تقدم في الإعمار أو الإغاثة أو الانسحاب مرتبطًا بدرجة الاستجابة الفلسطينية للمطالب الأمنية الإسرائيلية.

ولا تقتصر دلالات هذا المسار على البعد العسكري، إذ يمس بنية التوازن الداخلي الفلسطيني، ويستهدف تقليص قدرة الفلسطينيين على امتلاك أدوات الردع والتأثير، بما قد يفضي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الاحتلال والفلسطينيين على أساس إدارة السكان وضبط الأمن، بدل معالجة جوهر الصراع بوصفه قضية تحرر وطني[27].

ثالثًا: قوة الاستقرار الدولية (ISF) وإدارة الأمن وفق منظور خارجي

تنص الخطة على إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة تتولى الانتشار في قطاع غزة، وتدريب قوات الشرطة الفلسطينية، والمساهمة في تأمين الحدود، ومراقبة وقف إطلاق النار، ومنع تجدد أنشطة الفصائل المسلحة[28]. ويمنحها قرار مجلس الأمن (2803) دورًا محوريًّا في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة[29].

نظريًّا، تُقدَّم هذه القوة بوصفها آلية لتحقيق الاستقرار ودعم المؤسسات الفلسطينية، لكن طبيعة تفويضها، والمهام المنوطة بها، وهيكلها القيادي المرتبط بالقيادة المركزية الأميركية، والتنسيق الوثيق بينها وبين الاحتلال؛ كلها عوامل تثير مخاوف جدية من تحولها إلى أداة لإدارة الأمن الداخلي في غزة وفق أولويات أميركية–إسرائيلية[30].

ويتعزز هذا التخوف في ضوء التصريحات الإسرائيلية التي تؤكد أن هدف القوة المركزي يتمثل في نزع سلاح المقاومة ومنع إعادة بناء قدراتها العسكرية. وبذلك، قد تتحول تلك القوة من أداة لحفظ الاستقرار إلى إطار مؤسسي لتكريس ترتيبات أمنية خارجية تتولى ضبط البيئة الأمنية الفلسطينية والإشراف على إعادة تشكيلها[31].

كما أن نجاحها يبقى مرهونًا بطبيعة تفويضها، ومدى وضوح مهماتها، وحدود استخدامها للقوة، وقبول الأطراف المختلفة بها[32]. وفي حال جاء التفويض فضفاضًا أو منحازًا، فقد يحوِّل ذلك القوةَ الدوليةَ إلى عنصر إضافي في تعقيد المشهد بدلًا من المساهمة في استقراره[33].

رابعًا: إعادة هندسة قطاع غزة مكانيًّا وديمغرافيًّا عبر بوابة إعادة الإعمار[34]

تشير التصورات المطروحة لإعادة إعمار غزة إلى أن العملية قد تتجاوز البعد الإنساني والتنموي؛ لتصبح أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا القطاع السكانية والعمرانية وفق اعتبارات أمنية وسياسية بعيدة المدى، ما يُثير مخاوف بتحول العملية إلى استمرار للحرب بوسائل بيروقراطية واقتصادية[35]، ما تصفه بعض الأدبيات بـ"تسليح إعادة الإعمار"[36].

ويشمل ذلك احتمالات إعادة توزيع السكان، وإنشاء مناطق عازلة وممرات أمنية[37]، وإعادة تخطيط المدن والمخيمات بصورة تحد من قدرتها على الحفاظ على بنيتها الاجتماعية والسياسية التاريخية[38]. وقد تقود بعض التصورات إلى ما يوصَف بـ"الهندسة الديمغرافية الصامتة"، عبر سياسات إسكان وتخطيط عمراني تعيد تشكيل التوزيع السكاني داخل القطاع[39]، وتضعف دور المخيمات بوصفها حوامل للهوية الوطنية الفلسطينية[40].

خريطة (1)[41]: خريطة متصورة لخطة إعادة تنظيم قطاع غزة ضمن الخطة الأميركية الرئيسة، وتتضمن تقسيمات وظيفية واقتصادية وعمرانية تشمل مناطق سياحية وصناعية وسكنية وممرات نقل وبنية لوجستية.

خريطة (2)[42]: خريطة تُظهر التأثيرات المكانية المحتملة للخطة الأميركية على الأحياء والمخيمات في قطاع غزة، بما يشمل إعادة توزيع المناطق السكنية والصناعية والسياحية، وانعكاس ذلك على بنية القطاع اجتماعيًّا وعمرانيًّا.

ويتفاقم هذا الخطر مع تدويل الإعمار، إذ تمنح الخطةُ الجهاتِ الدوليةَ المانحةَ والمؤسساتِ المشرفةَ دورًا مركزيًّا في تحديد أولويات التمويل والتنفيذ، وربطها بشروط سياسية وأمنية، وفي مقدمتها نزع السلاح وترتيبات الحكم. كما أن التحكم في تدفق مواد البناء ضمن ما يُصطلح على تسميته بـ"صنبور الإسمنت" يمنح الجهاتِ المسيطرةَ قدرةً كبيرةً على توجيه مسار الإعمار وتحديد من يستفيد منه ومتى.

اقتصاديًّا وإداريًّا، قد تؤدي هذه الترتيبات إلى نشوء منظومة خاصة بغزة ترتبط بالجهات الدولية المانحة أكثر من ارتباطها بالاقتصاد الفلسطيني، ما يكرِّس التعامل مع القطاع بوصفه وحدة مستقلة ويعمِّق انفصالَه المؤسسي عن الضفة الغربية.

خامسًا: تكريس السيطرة الأمنية الإسرائيلية غير المباشرة

تطرح الخطة مسارًا لإنهاء الحرب، لكن ترتيباتها الأمنية تتيح للاحتلال الاحتفاظ بدرجات متفاوتة من السيطرة على القطاع، فانسحابه يبقى مشروطًا بتحقيق "المعايير الأمنية المتفق عليها"، وفي مقدمتها النزع الكامل لسلاح غزة، دون جدول زمني ملزِم أو ضمانات واضحة للانسحاب الكامل[43].

خريطة (3)[44]: التصور الميداني لمراحل الانسحاب الإسرائيلي من غزة، المقترحة ضمن الخطة الأميركية: اللون الأزرق يمثل مناطق سيطرة جيش الاحتلال داخل القطاع ويُعد نقطة الانطلاق في تنفيذ مراحل الانسحاب؛ والأصفر يمثل المرحلة الأولى من الانسحاب وتتزامن مع عملية الإفراج عن الأسرى؛ والأحمر يمثل المرحلة الثانية من الانسحاب ونشر القوة الدولية؛ والمنطقة المظللة تمثل المرحلة الثالثة والأخيرة من الانسحاب وتشكِّل منطقة أمنية عازلة.

وتعزِّز التصريحات الإسرائيلية هذا التوجه، إذ تؤكد أن الانسحاب لن يجري قبل ضمان عدم وجود أي قدرة عسكرية فلسطينية يمكن أن تشكِّل تهديدًا مستقبليًّا لدولة الاحتلال. وتشير الوقائع الميدانية إلى استمرار توسُّع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية داخل القطاع، بما فيها ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي كرَّس سيطرة إسرائيلية على نحو 52% من مساحته، قبل توسيعه إلى ما بات يُعرف بـ"الخط البرتقالي"، لترتفع المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى نحو 60%[45]. ويعكس هذا التوسع سعيًا إسرائيليًّا منهجيًّا إلى تكريس واقع جغرافي وأمني جديد يفرض حدودًا ميدانية وسياسية مختلفة على القطاع.

خريطة (4)[46]: المنطقة التي وافق الاحتلال على الانسحاب إليها تتركه مسيطرًا على نحو 53% من أراضي القطاع، حسبما حدده اتفاق وقف إطلاق النار.

كذلك، تتيح الخطة للاحتلال الاحتفاظ بدور مركزي في مراقبة الحدود والمعابر والمجالين البحري والجوي، والاحتفاظ بحق التدخل العسكري عند الحاجة. وبالتوازي مع ربط الإعمار والمساعدات الإنسانية بالترتيبات الأمنية، تتحول الاحتياجات الأساسية للسكان إلى أدوات ضغط مستمرة، تسمح للاحتلال بممارسة نفوذ واسع دون تحمل الأعباء المباشرة للاحتلال التقليدي.

وبناء عليه، تتمثل النتيجة المحتملة لهذا المسار في تحويل غزة إلى منطقة أمنية خاضعة للمراقبة الدائمة، تُدار عبر ترتيبات دولية وإسرائيلية مشتركة، بما يضمن استمرار السيطرة على القطاع بصورة غير مباشرة وطويلة الأمد[47].

خلاصة تحليل المخاطر

توضح المخاطر السابقة أن الخطة تتجاوز وقف الحرب وإعادة الإعمار إلى إعادة تنظيم القطاع سياسيًّا وأمنيًّا وإداريًّا، ضمن ترتيبات قد تعيد تعريف موقعه داخل النظام السياسي الفلسطيني. وتكمن خطورتها في ما قد تفضي إليه من إضعاف المرجعية الوطنية الفلسطينية، وتقليص قدرة الشعب الفلسطيني على تقرير مصيره، وتحويل غزة إلى كيان خاضع لوصاية دولية وأمنية طويلة الأمد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على مستقبل القضية الفلسطينية ووحدة الأرض والشعب.

البدائل السياساتية

في ضوء ما تضمنته خطة ترامب بشأن غزة، وما أقرَّه مجلس الأمن من ترتيبات مرتبطة بها، إلى جانب الفجوات والغموض في تفاصيل تنفيذية كثيرة، تبرز الحاجة إلى بلورة خيارات فلسطينية عملية تقلل مخاطر الخطة، وتمنع تحويلها إلى مسار مفروض لإعادة تشكيل القطاع سياسيًّا وأمنيًّا. وانطلاقًا من ذلك، يمكن طرح ثلاثة بدائل سياساتية متدرجة، تجمع بين التعامل التكتيكي مع الأمر الواقع، وبناء مسار وطني موازٍ، وإدارة الكلفة الإنسانية والسياسية المباشرة.

البديل الأول: الانخراط الفلسطيني التكتيكي المشروط

يقوم هذا البديل على الانخراط الفلسطيني الحذر في المسارات المنبثقة عن الخطة الأميركية، مع التعامل معها بوصفها إطارًا يمكن التأثير في تفاصيله التنفيذية والحد من مخاطره، من دون التسليم بمرجعياته السياسية أو الأمنية. وينطلق هذا الخيار من فرضية مفادها أن الانسحاب الكامل من المسار الدولي قد يترك المجال أمام الولايات المتحدة ودولة الاحتلال لفرض ترتيبات ما بعد الحرب أحاديًّا، في حين أن المشاركة المشروطة قد تتيح للفلسطينيين هامشًا للتأثير في بعض القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وترتيبات الحكم، وإعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

ويهدف هذا البديل إلى إعادة إدخال البعد الوطني الفلسطيني إلى ترتيبات ما بعد الحرب، وربط أي تعاون فلسطيني مع الخطة بشروط سياسية ووطنية تمنع تحويلها إلى إطار دائم لفصل غزة عن الضفة، أو إلى أداة لتكريس الوصاية الدولية على القطاع.

متطلبات البديل

  • ربط أي مشاركة فلسطينية في ترتيبات ما بعد الحرب باعتراف واضح بوحدة الضفة والقطاع ضمن إطار سياسي واحد، ورفض أي صيغة تؤدي إلى فصلهما.
  • اشتراط أن تكون أي ترتيبات دولية مؤقتة وخاضعة لتوافق وطني فلسطيني.
  • اشتراط جدول زمني واضح ومحدد للانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع.
  • ربط الترتيبات الأمنية بضمانات دولية متعددة الأطراف، لا باحتكار أميركي–إسرائيلي للمسار.
  • رفض تحويل إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية إلى أدوات ابتزاز سياسي أو أمني.
  • رفض تحويل "مجلس السلام" أو اللجنة الإدارية أو أي هياكل انتقالية إلى بديل للمرجعية الوطنية الفلسطينية، وتحديد مرجعية واضحة من النظام السياسي الفلسطيني الرسمي.
  • استثمار التناقضات الدولية والإقليمية للحد من قدرة الاحتلال على فرض تفسير أحادي لبنود الخطة، وحشد موقف إقليمي بشأن الرؤية الفلسطينية للتأثير على الموقف الأميركي.

محاكمة البديل

يحظى بديل الانخراط الفلسطيني التكتيكي المشروط بدرجة من القبول لدى أطراف فلسطينية وعربية ودولية، لأنه لا يقوم على رفض مطلق للخطة قد يُنظر إليه بوصفه تعطيلًا لمسار وقف الحرب وإعادة الإعمار، ولا ينطوي في المقابل على قبول غير مشروط بمرجعياتها السياسية والأمنية. كما أن طبيعته البراغماتية تجعله أكثر قابلية للتسويق أمام الوسطاء والجهات المانحة التي تبحث عن شريك فلسطيني منخرط في ترتيبات ما بعد الحرب، مع تمسكه في الوقت ذاته بالشروط الوطنية الأساسية.

يتمتع هذا البديل بدرجة مرتفعة نسبيًّا من المعقولية، لأنه ينطلق من موازين القوى القائمة، ويسعى إلى التأثير في مسارات التنفيذ من داخل الإطار السياسي القائم بدلًا من الرهان على إسقاط الخطة بالكامل. وهو لا يتطلب تغييرات بنيوية واسعة في النظام السياسي الفلسطيني، بمقدار ما يحتاج إلى حد أدنى من التوافق الوطني على الخطوط الحمراء والشروط التي تضبط المشاركة الفلسطينية.

يوفر هذا البديل إمكانية واقعية للتأثير النسبي في التفاصيل التنفيذية للخطة، والحد من بعض مخاطرها، خاصةً ما يتعلق بوحدة النظام السياسي الفلسطيني، وجدول الانسحاب الإسرائيلي، وآليات إعادة الإعمار، لكن فاعليته تبقى محدودة بميزان القوى القائم، وبمدى استعداد الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، للتعامل الجدي مع الشروط الفلسطينية.

تكمن أبرز مكاسب هذا البديل في الحفاظ على حضور فلسطيني داخل مسارات التفاوض والتنفيذ، وتقليل احتمالات فرض ترتيبات نهائية بصورة أحادية، وإتاحة فرصة لتخفيف بعض الأضرار السياسية والإنسانية. وتتمثل أبرز مخاطره في احتمال منح بعض الترتيبات الدولية والأمنية شرعية ضمنية، وما قد يترتب عليه من انزلاق تدريجي نحو التكيف مع بنية الخطة ذاتها من دون القدرة على تعديل جوهرها.

يحافظ هذا البديل على درجة معقولة من المشروعية الوطنية والقانونية ما دام الانخراط الفلسطيني مقيدًا بشروط واضحة تؤكد وحدة الأرض الفلسطينية، ورفض الفصل بين غزة والضفة الغربية، وعدم المساس بالحقوق الوطنية. وتبقى مشروعيته مرهونة بقدرة القيادة الفلسطينية على منع تحول المشاركة التكتيكية إلى قبول سياسي ضمني بترتيبات تتعارض مع الثوابت الوطنية الفلسطينية.

البديل الثاني: بناء مسار سياسات وطني موازٍ

يقوم هذا البديل على الانتقال من الاكتفاء برد الفعل على الخطة الأميركية إلى بلورة رؤية فلسطينية شاملة ومتكاملة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، تُطرح أمام المجتمع الدولي بوصفها إطارًا وطنيًّا بديلًا يستند إلى القانون الدولي والحقوق الوطنية الفلسطينية. ويهدف هذا الخيار إلى استعادة الفلسطينيين زمام المبادرة السياسية، ومنع احتكار الولايات المتحدة ودولة الاحتلال لمسار إعادة تعريف مستقبل القطاع، وإعادة ربط ملف غزة بالسياق الأشمل للقضية الفلسطينية.

وينطلق البديل من فرضية مفادها أن مواجهة المخاطر الكامنة في الخطة لا تقتصر على تعديل بعض بنودها أو الحد من آثارها، وإنما تتطلب تقديم تصور فلسطيني متكامل يعالج قضايا الحكم، والأمن، وإعادة الإعمار، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية ضمن إطار سياسي وطني موحَّد.

متطلبات البديل

  • إطلاق حوار وطني فلسطيني شامل بشأن مستقبل غزة وترتيبات "اليوم التالي".
  • صياغة رؤية وطنية متكاملة لإدارة القطاع سياسيًّا وأمنيًّا وإداريًّا واقتصاديًّا وعلى صعيد إعادة الإعمار.
  • إنشاء مرجعية وطنية موحَّدة لمتابعة ملف الإعمار والتنسيق مع الأطراف العربية والدولية.
  • تقديم تنازلات متبادلة بين القوى الفلسطينية للتوصل إلى مشروع وطني مشترك وقابل للتطبيق.
  • تأكيد وحدة النظام السياسي الفلسطيني ووحدة التمثيل الوطني ووحدة الأرض الفلسطينية.
  • المضي في إصلاح منظمة التحرير وتفعيل دورها بصفتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.
  • تعزيز الارتباط السياسي والمؤسسي بين قطاع غزة والضفة الغربية.
  • إعادة تعريف أشكال المقاومة ضمن إستراتيجية وطنية شاملة ومتفق عليها.
  • تطوير إطار وطني يجمع القوى الفلسطينية حول أدوات كفاحية وسياسية مشتركة.
  • طرح الرؤية الفلسطينية أمام المجتمع الدولي بوصفها بديلًا وطنيًّا للخطة الأميركية.
  • تفعيل الحراك السياسي والدبلوماسي الفلسطيني عربيًّا ودوليًّا لحشد الدعم للرؤية الوطنية.

محاكمة البديل

يحظى بديل بناء مسار سياسات وطني موازٍ بأعلى درجات المقبولية الوطنية، لأنه يستند إلى إعادة الاعتبار للإرادة الفلسطينية، ويؤكد وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ووحدة الأرض والتمثيل الوطني. وهو أكثر انسجامًا مع تطلعات القوى الوطنية والمجتمعية والأكاديمية التي ترى أن مواجهة الخطة الأميركية تتطلب مبادرة فلسطينية مستقلة لا تقتصر على التفاعل مع المقترحات الخارجية. عربيًّا ودوليًّا، يمكن أن يكتسب هذا البديل قبولًا متزايدًا إذا قُدِّم بوصفه رؤية واقعية ومتماسكة تستند إلى القانون الدولي وتوفر إطارًا عمليًّا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.

على الرغم من قوته السياسية والإستراتيجية، يواجه هذا البديل تحديات تنفيذية واضحة، لأنه يتطلب حدًّا أدنى من التوافق الوطني الفلسطيني، وتوافر إرادة سياسية لتقديم تنازلات متبادلة، وقدرة مؤسسية على صياغة رؤية موحدة ومتابعة تنفيذها. ولذلك فمعقوليته التنفيذية متوسطة في الظروف الحالية، لكنها ترتفع كلما توفرت قناعة فلسطينية مشتركة بأن المخاطر القائمة تستدعي تجاوز الانقسام وإعادة بناء المرجعية الوطنية الجامعة.

يُعد هذا البديل الأكثر فاعلية على المستوى الإستراتيجي، لأنه ينقل الفلسطينيين من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، ويعيد ربط ملف غزة بالمشروع الوطني الفلسطيني، ويحد من مخاطر التدويل والفصل بين غزة والضفة الغربية. كما يوفر إطارًا سياسيًّا متكاملًا يمكن استخدامه في التفاوض مع الأطراف الدولية والإقليمية، ويعزز قدرة الفلسطينيين على التأثير في مستقبل القطاع وفق رؤية وطنية مستقلة.

تكمن أهم مكاسب البديل في استعادة المبادرة السياسية الفلسطينية، وتعزيز وحدة النظام السياسي، وبناء مرجعية وطنية قادرة على إدارة ملف غزة والإعمار ضمن إطار جامع. وتتمثل أبرز مخاطره في احتمال تعثره نتيجة استمرار الانقسام الداخلي، أو تعرضه لضغوط خارجية تحول دون بلورته أو تمنع ترجمته إلى سياسات عملية، إضافة إلى الكلفة السياسية والتنظيمية المرتفعة اللازمة لإنجازه.

يمتلك هذا البديل أعلى درجات المشروعية الوطنية والسياسية، لأنه يستند إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم الوطنية بعيدًا عن الوصاية الخارجية، ويؤكد دور المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها منظمة التحرير. وينسجم مع قواعد القانون الدولي التي تكفل للشعوب الواقعة تحت الاحتلال حقها في تنظيم شؤونها السياسية وتحديد مستقبلها بحرِّية.

البديل الثالث: إدارة الصراع وتقليل الكلفة السياسية والإنسانية

يقوم هذا البديل على التعامل مع الخطة الأميركية بوصفها أمرًا واقعًا يصعب إسقاطه أو تعديله جذريًّا في المدى القريب، والتركيز بدل ذلك على تقليل الخسائر السياسية والإنسانية المترتبة عليها. وينطلق من أولوية تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع استئناف الحرب، وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية، وإطلاق إعادة الإعمار، وحماية المجتمع الفلسطيني في غزة من مزيد من الانهيار.

ويستند البديل إلى مقاربة براغماتية تعطي الأولوية للاحتياجات الإنسانية العاجلة، وتتعامل مع القضايا السياسية والأمنية الحساسة، وفي مقدمتها ملف سلاح المقاومة، ضمن منطق تدريجي ومرن يهدف إلى منع استخدام هذا الملف ذريعة لاستئناف الحرب، مع الحفاظ على الحق الفلسطيني المشروع في مقاومة الاحتلال.

متطلبات البديل

  • العمل على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
  • إعطاء الأولوية للإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار ومنع الانهيار الإنساني.
  • حماية الحاضنة المجتمعية والحيلولة دون تفكك بنية القطاع الاجتماعية.
  • الحفاظ على الحد الأدنى من البنية المؤسسية والإدارية داخل غزة.
  • إدارة العلاقة مع الأطراف الإقليمية والدولية بمنطق تقليل الأضرار لا الحسم السياسي.
  • الاستفادة من الضغوط الدولية لمنع التصعيد العسكري الإسرائيلي.
  • تطوير أدوات مقاومة شعبية ونضال سياسي ودبلوماسي أكثر قدرة على التأثير.
  • تجنب المواجهات السياسية التي قد تؤدي إلى تعطيل المساعدات أو إعادة إشعال الحرب.
  • اعتماد مقاربة فلسطينية مرحلية ومرنة لملف سلاح المقاومة، تربط أي ترتيبات تتعلق بالأسلحة الثقيلة والتصنيع العسكري والأنفاق بمسارات متدرجة ومتبادلة تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة الإعمار، والإغاثة الإنسانية، وبضمانات متعددة الأطراف.

محاكمة البديل

يحظى هذا البديل بدرجة مرتفعة من المقبولية المجتمعية، لأنه يستجيب مباشرة لأولويات السكان في قطاع غزة المتمثلة في وقف الحرب، وتأمين الغذاء والدواء والمأوى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار. ويمكن أن يلقى قبولًا واسعًا لدى الوسطاء الإقليميين والدوليين والجهات المانحة، لانسجامه مع الهدف المباشر المتمثل في تثبيت التهدئة ومنع تدهور الوضع الإنساني.

يُعد البديل الأكثر قابلية للتنفيذ على المدى القصير، لأنه يركز على أهداف عاجلة وملموسة يمكن العمل عليها حتى في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني واختلال موازين القوى. كما أنه لا يتطلب توافقات سياسية شاملة أو إعادة بناء مؤسسية واسعة، ويعتمد على توظيف الأدوات السياسية والإنسانية المتاحة لتقليل الخسائر ومنع انهيار المجتمع الفلسطيني في القطاع.

تتمثل فاعلية البديل في قدرته على تقليل الكلفة البشرية والسياسية المباشرة، وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، ومنح القطاع فرصة للتعافي النسبي، والحد من احتمالات العودة إلى حرب شاملة، لكن فاعليته تبقى محدودة في معالجة الجذور السياسية والإستراتيجية للأزمة، لأنه يركز على إدارة التداعيات أكثر من تركيزه على تغيير البنية التي أنتجتها الخطة الأميركية.

تكمن أبرز مكاسب هذا البديل في حماية المجتمع الفلسطيني من مزيد من الانهيار، وتوفير مساحة زمنية لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية. وتتمثل أبرز مخاطره باحتمال تحوُّل الإدارة المرحلية للأزمة إلى صيغة دائمة تكرِّس الأمر الواقع، وتعزِّز فصل قطاع غزة عن بعده الوطني والسياسي، وتحصر الأولوية الفلسطينية في إدارة الاحتياجات الإنسانية بدلًا من معالجة جوهر الصراع مع الاحتلال.

يحافظ البديل على درجة مقبولة من المشروعية الوطنية والقانونية ما دام بقي محكومًا بهدف حماية السكان المدنيين وتعزيز صمودهم، من دون أن يتحول إلى قبول ضمني بترتيبات تمس الحقوق الوطنية الفلسطينية أو تنال من الحق المشروع في مقاومة الاحتلال. وتظل مشروعيته مرهونة بوضوح طابعه المرحلي، وارتباطه بإطار وطني أوسع يسعى إلى حماية القضية الفلسطينية ومنع تكريس النتائج السياسية للحرب.

المفاضلة بين البدائل

تختلف البدائل المطروحة من حيث مستوى الطموح السياسي، وإمكانات التنفيذ، والأفق الزمني الذي تتحرك ضمنه. فأما البديل الأول، المتمثل في الانخراط الفلسطيني التكتيكي المشروط، فيوفر هامشًا واقعيًّا للتأثير في مسارات تنفيذ الخطة الأميركية وتقليل بعض مخاطرها، لكن فاعليته تبقى محدودة بميزان القوى القائم، وينطوي على احتمال الانزلاق التدريجي نحو التكيف مع البنية السياسية والأمنية التي تفرضها الخطة.

وأما البديل الثاني، القائم على بناء مسار سياسات وطني موازٍ، فيعد الأكثر انسجامًا مع المصالح الوطنية الفلسطينية على المدى الإستراتيجي، لأنه يستهدف استعادة المبادرة السياسية، وإعادة ربط ملف غزة بالمشروع الوطني، وتقديم رؤية فلسطينية متكاملة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. ومع أنه يتطلب مستوى مرتفعًا من التوافق الوطني والقدرة المؤسسية، فإن هذا البديل يوفر الإطار الأكثر قدرة على حماية وحدة النظام السياسي الفلسطيني ومنع تكريس الفصل بين الضفة والقطاع.

في المقابل، يُعد البديل الثالث، المتمثل في إدارة الصراع وتقليل الكلفة السياسية والإنسانية، الأكثر قابلية للتطبيق الفوري في ظل الكارثة الإنسانية الراهنة، فهو يمنح الأولوية لتثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين الإغاثة، ومنع انهيار المجتمع الفلسطيني في غزة، لكنه لا يعالج جذور المشكلة السياسية، وقد يؤدي إذا طال أمده إلى تكريس الأمر الواقع وتحويل إدارة الأزمة إلى صيغة دائمة.

وبالاستناد إلى معايير المفاضَلة المعتمدة في هذه الورقة، يمكن القول إن البديل الثاني يحقق أعلى قيمة إستراتيجية، لأنه الأكثر قدرة على حماية المصالح الوطنية الفلسطينية على المدى البعيد، مع أنّ معقوليته التنفيذية أقل نسبيًّا في ظل الانقسام الداخلي. ويأتي البديل الأول في المرتبة الثانية من حيث التوازن بين المعقولية والمقبولية والمرونة، في حين يمثل البديل الثالث خيارًا ضروريًّا على المدى القصير للتعامل مع المتطلبات الإنسانية والأمنية العاجلة.

وانطلاقًا من ذلك، توصي الورقة بتبنِّي مقاربة تكاملية تجمع بين البدائل الثلاثة بصورة متوازية ومتدرجة. ففي المدى القصير، يُعطَى البديل الثالث الأولوية لضمان تثبيت وقف إطلاق النار وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة. وبالتوازي، يُستخدم البديل الأول للتأثير في ترتيبات تنفيذ الخطة الأميركية وتقليص مخاطرها السياسية والأمنية. وأما إستراتيجيًّا، فيُعتمد البديل الثاني إطارًا مرجعيًّا رئيسًا لإعادة بناء المبادرة السياسية الفلسطينية، وتقديم رؤية وطنية بديلة وشاملة.

وتتيح هذه المقاربة المركَّبة التعامل مع الأزمة على ثلاثة مستويات متكاملة: إنسانيًّا عبر حماية المجتمع الفلسطيني من الانهيار، وتكتيكيًّا عبر الحد من الأضرار الناجمة عن الخطة الأميركية، وإستراتيجيًّا عبر استعادة المبادرة الوطنية ومنع تحويل ترتيبات ما بعد الحرب إلى مسار يقود إلى تكريس الوصاية الدولية وفصل قطاع غزة عن المشروع الوطني الفلسطيني.


**ما يرد في هذه الورقة من آراء يعبر عن رأي كتابها، ولا يعكس بالضرورة موقف مركز مسارات

[1] ترامب يشكر نتنياهو على "موافقته" على خطة السلام في غزة، سي أن أن، 29/9/2025: tinyurl.com/3rxx5bpm.

[2] خطة الرئيس دونالد ترامب الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، الخارجية الأميركية، 29/9/2025: tinyurl.com/arn39wm4.

[3] Humanitarian Situation Update #326 | Gaza Strip, OCHA, 25/9/2025: tinyurl.com/mvap7uzn, Reported impact snapshot | Gaza Strip, OCHA, 24/9/2025: tinyurl.com/25dbr846.

[4] نص قرار مجلس الأمن الدولي 2803 بشأن قطاع غزة وإنهاء الحرب، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 17/11/2025: https://info.wafa.ps/pages/details/35931.

[5] أحمد الطناني، خطة ترامب: إعمار مشروط وخرائط احتلال جديدة، نون بوست، 1/10/2025: noonpost.com/335586.

[6] عبد الحميد صيام، من تغييب النكبة إلى وصاية في غزة.. كيف تعاملت الأمم المتحدة مع فلسطين؟، القدس العربي، 11/5/2026: https://tinyurl.com/tu8s59v7.

[7] الطناني، مصدر سابق.

[8] Statement on President Trump’s Comprehensive Plan to End the Gaza Conflict، The White House, 16/1/2026: https://tinyurl.com/384yd73c.

[9] يارا هواري، قرار ترامب في مجلس الأمن رقم 2803: استعمار مُعادٌ تغليفه، شبكة السياسات الفلسطينية، 20/11/2025: https://tinyurl.com/mwypyf5h.

[10] أبو مرزوق للجزيرة: حماس وافقت على خطة ترامب ولكن التطبيق يحتاج إلى تفاوض، الجزيرة نت، 4/10/2025: aja.ws/gjqo1s.

[11] هاني المصري، مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني... قرارات حاسمة في لحظة فاصلة، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، 27/1/2026: tinyurl.com/4sybdepk.

[12]  Stéphanie Latte Abdallah, Le plan “de paix” de Trump a imposé une vision du future de Gaza fondée sur la logique colonial, Le Monde, 6/11/2025: https://tinyurl.com/fejfupwd.

[13] هاني المصري، القضية الفلسطينية... بين مخاطر الوصاية وفرص الوحدة الوطنية، مركز مسارات، 25/11/2025: https://tinyurl.com/mvwew9mm.

[14] الطناني، مصدر سابق.

[15] من الاحتلال المباشر إلى الوصاية الدولية، مصدر سابق.

[16] الطناني، مصدر سابق.

[18] من الاحتلال المباشر إلى الوصاية الدولية، مصدر سابق.

[19] السلطة الفلسطينية ترحب بإنشاء مكتب ارتباط للتنسيق مع الممثل السامي لغزة ملادينوف، العربي الجديد، 20/2/2026: https://tinyurl.com/yvs43mp4.

[20] Mark Hannah, Who Will Govern Gaza After the War?, The Week, 11/1/2025: https://tinyurl.com/4yfema39.

[21] الفصائل الفلسطينية تتفق على إدارة تكنوقراط لغزة ولكن الخلاف قائم، يورونيوز، 24/10/2025: tinyurl.com/3mxsrj24.

[23] رشيد العنزي وعبد السلام العنزي، المقاومة المسلحة في ظل قواعد القانون الدولي، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، العدد 58، 10/2015، ص 304.

[24] كلمة ترامب في افتتاح أول اجتماع لـ "مجلس السلام" في واشنطن، فرانس 24، 19/2/2026: tinyurl.com/4kjjdzmc.

[25] شلومو داياز، نتنياهو: "نحن نركز على إنجاز المهمتين المتبقيتين - نزع سلاح حماس وتجريد غزة من السلاح"، هيدبروت، 27/01/2026: hidabroot.org/article/1218726؛ نتنياهو: "المرحلة الثانية في غزة تتطلب نزع سلاح حماس بالكامل"، آي نيوز 24، 30/12/2025: https://tinyurl.com/mryd8a3u.

[26] Ephrat Livni, Plan to Disarm Hamas in Gaza Is Detailed at U.N, The New York Times, 24/3/2026: https://tinyurl.com/5n9yjvv7.

[27] من الاحتلال المباشر إلى الوصاية الدولية، مصدر سابق.

[28] خطة الرئيس ترامب، مصدر سابق.

[29] نص قرار مجلس الأمن 2803، مصدر سابق.

[30] من الاحتلال المباشر إلى الوصاية الدولية، مصدر سابق؛ أودي ديكل، مطالب إسرائيل بنزع سلاح قطاع غزة ومبادئ قوة الاستقرار الدولية (ISF)، معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، 4/11/2025: https://www.inss.org.il/he/publication/isf/

[32] المصدر السابق.

[33] الطناني، خطة ترامب، مصدر سابق.

[34] انظر: خرائط توثّق المساحات المدمرة في غزة في خلال حرب الإبادة:

 Gaza war in maps and satellite images, BBC, 13/10/2025: https://sl1nk.com/wev2mu2.

[35] How reconstruction became Israel’s new weapon of ‘silent transfer’ in Gaza, Aljazeera, 8/2/20206: https://aje.news/covcsz.

[36] من الاحتلال المباشر إلى الوصاية الدولية، مصدر سابق.

[37] انظر: خريطة توضح محور "نتساريم": https://aje.io/f3kg7p.

[38] Trump peace plan envisions 'New Gaza' and Trump-led 'Board of Peace, Reuters, 30/9/2025: https://l1nq.com/v0sr7o9.

[39] How reconstruction became Israel’s new, ibid.

[40] انظر: خريطة مخيمات قطاع غزة وفق وكالة الأونروا: https://www.unrwa.org/where-we-work/gaza-strip.

[41] Map shows what would happen to Gaza under the US ‘master plan, Aljazeera, 27/1/2026: https://tinyurl.com/3j7ydtpu.

[42] Ibid.

[43] الطناني، مصدر سابق.

[44] President Donald J. Trump’s Comprehensive Plan, ibid.

[45] نتنياهو يعلن السيطرة على 60% من قطاع غزة متجاوزًا حدود اتفاق ترامب لوقف إطلاق النار، يورونيوز، 15/5/2026: https://sl1nk.com/nwt3mj5.

 

[46] Gaza war in maps, ibid.

[47] الطناني، مصدر سابق.

كلمات مفتاحية::
هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.