الرئيسية » هاني المصري »   28 آب 2007

| | |
ما تحمله السنوات القادمة: دولة أم فوضى أم ماذا؟
هاني المصري

 

سألني زائر من فلسطينيي 1948، ويدرّس في جامعة كولومبيا الاميركية عن توقعاتي للسنوات الخمس المقبلة. وبعد التأمل والتفكير وبعض الحيرة قلت له ان المحلل السياسي ليس منجماً ولا عرافاً ولا يمكنه قراءة المستقبل، بل ان اكثر ما يستطيعه هو البحث في اسباب وخلفيات وتداعيات الاحداث ووضع السيناريوهات المحتملة لتطورها اللاحق دون ادعاء القدرة على الامساك بقراءة الغيب. فلا يعرف الغيب الا علام الغيوب، الله سبحانه وتعالى.
واذا اردنا معرفة ما يمكن ان يحدث خلال السنوات المقبلة، علينا اولاً معرفة ما هو الموجود الآن على أرض الواقع؟ وما هي التطورات المحتملة والعوامل التي يمكن ان تؤثر على ما هو قائم الان؟ فرغم كل التغييرات الحاصلة والمحتملة في منطقتنا والعالم، والدلائل التي تشير الى ان المنطقة حبلى بتغييرات كبرى، الا ان عصر المعجزات قد انتهى. وما يمكن ان يحدث قد لا يخرج عن السيناريوهين التاليين:


السيناريو الاول: ان تمضي اسرائيل في سياسة خلق الحقائق على الارض التي تجعل اكثر واكثر الحل الاسرائيلي هو الحل المطروح عملياً. وهذا يقوي من احتمال تمرير خيار الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة التي تتفاوض الى اجل غير مسمى مع اسرائيل على قضايا الوضع الدائم. ويمكن تغطية هذا الخيار من خلال الاتفاق على اعلان مبادئ، او حتى نوع من اتفاقية اطار توضح بشكل ضبابي وغامض وعام الاهداف النهائية دون الزام اسرائىل بأي شيء واضح وقاطع، يتم تنفيذه خلال مدة زمنية قصيرة.
وهذا الخيار تفضله اسرائيل لانه يؤجل القضايا الاساسية الحساسة (القدس والحدود واللاجئين) ويسمح لها الادعاء بانها سوت القضية الفلسطينية ويعفيها من المسؤوليات المترتبة عليها وفقاً للقانون الدولي بوصفها دولة احتلال. ويبعد هذا الخيار خطر الدولة الواحدة ثنائية القومية او دولة الفصل والتمييز العنصري، ويحافظ على اسرائيل كدولة يهودية. وهذا الخيار تدعمه الولايات المتحدة الاميركية لانه يحقق رؤية بوش التي تقوم على معادلة دولتين لشعبين على اساس ان يتم التفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين لتحديد حدود الدولة الفلسطينية ومساحتها وعاصمتها ومقومات السيادة التي ستتمتع بها.
العائق الاكبر امام هذا الخيار ان العرب والمجتمع الدولي لا يمكن ان يقبلوا هذا الخيار ما لم يوافق عليه الفلسطينيون، والفلسطينيون من الصعب جداً ان يوافقوا على دولة ذات حدود مؤقتة يعرفون سلفاً انها ستكون دائمة. وان اقصى ما تحققه المفاوضات القادمة التي ستجريها مثل هذه الدولة، هو ضم مساحات جديدة لهذه الدولة ذات الحدود المؤقتة لكي تستطيع الادعاء بانها حصلت على حدود دائمة. وهذه الحدود لا يمكن ان تكون على اساس حدود الرابع من حزيران العام 1967، ولا حدود قريبة منها. فالاطماع الاسرائيلية لا تقبل بدون ضغوط شديدة وهائلة على اسرائيل باقل من الاحتفاظ بـ30% من الاراضي المحتلة العام 1967، وكل الاحاديث عن الانسحاب من 90% او 96% او 100% وفقاً لآخر بدعة اطلقها شمعون بيريس ما هي سوى الاعيب تحاول ان تخدع الفلسطينيين من خلال احتساب النسبة من الاراضي المحتلة بعد خصم مساحة القدس الكبرى واللطرون والمناطق الحرام، واحياناً بعد خصم الاغوار التي تشكل حوالي 30% من مساحة الاراضي المحتلة.
واذا رفض الفلسطينيون خيار الدولة ذات الحدود المؤقتة، سيجدون امامهم خيارات مثل التقاسم الوظيفي، والخيار الاردني والمصري، او تدويل القضية ليس لحماية الشعب الفلسطيني وتمكينه من تقرير مصيره، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، بل للانابة عن الاحتلال ومساعدته في تمرير الحلول التصفوية التي يطرحها. ويبقى خيار استمرار حالة الفوضى والفلتان الأمني والانقسام ماثلاً، بل يمكن ان تتفاقم الفوضى الى حد انهيار السلطة وتشجيع قيام سلطات متعددة بديلة عنها، بحيث يقود هذه السلطات امراء الحرب وقادة الميليشيات الذين سيتعامل كل واحد منهم بمفرده مع سلطات الاحتلال بما يمكنها من فرض شروطها واملاءاتها باحسن الشروط واقل التكاليف، لانها ستعرضها عليهم متفرقين بعيداً عن القضية التي توحدهم.
السيناريو الثاني وهو يقوم على ان الشعب الفلسطيني صاحب المفاجآت، فهو كان كلما بدا ان الظلام دامس والطريق مسدود امام الفلسطينيين يجترح حلاً من خلال تفجير انتفاضة او اطلاق ثورة او اضراب طويل، فبعد الاضراب الشهير العام 1936، وبعد حرب 1948، تفجرت الانتفاضة الشعبية الاولى العام 1987 في وقت كان الاحتلال يتغنى بقدرته على ايجاد "الاحتلال الهادئ والمربح" وبانه جعل الاغلبية الفلسطينية تنسى قضيتها الوطنية من خلال العمل في اسرائيل والاستفادة من التعامل مع شركائها وترويج بضائعها، لتقع الانتفاضة وتغير كل شيء، وتفجرت الانتفاضة الثانية بعد فشل قمة كامب ديفيد العام 2000، وفي وقت كان الاقتصاد الفلسطيني جيداً وعلى الاقل ليس في اسوأ حالاته، لان الشعب أدرك ان لا سبيل لاحقاق الحقوق الوطنية الا بالانتفاضة.
صحيح انه يمكن ان يقال الكثير حول تقييم الانتفاضتين الاولى والثانية، وما حققتاه من انجازات، ولكن كل هذا التقييم لا يمكن ان يستطيع ان يتجاهل ان الانتفاضة الاولى فرضت القضية الفلسطينية كقضية عادلة، وفرضت الشعب الفلسطيني على خارطة العالم باظهار القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني لم تستطع اسرائيل تصفيتها رغم كل الحروب والويلات والمجازر والمعاناة الهائلة التي تحملها الشعب الفلسطيني منذ سقوط اول شهيد وحتى اندلاع الانتفاضة.
كما لا يستطيع احد ان ينكر ان الانتفاضة الثانية رغم انجرارها الى العسكرة والحرب التي تشكل الميدان المفضل لاسرائيل الا انها فرضت خيار الدولة الفلسطينية على الاميركيين والاسرائيليين، فبعد هذه الانتفاضة اصبحت الدولة الفلسطينية خياراً موجوداً والصراع اخذ يدور حول حدود وماهية مقومات هذه الدولة.
قد نكون بحاجة الى انتفاضة ثالثة حتى نكسر الحلقة المفرغة التي نعيش فيها حالياً، بحيث يكون هدفها اعادة تثبيت الخيار الفلسطيني تمهيداً لتحقيق الدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً وفقاً لقرار 194. وليس هذا الامر على الشعب الفلسطيني بغريب ولا ببعيد. وهذا احتمال لا يمكن اسقاطه ابداً من الحساب!!
واخيراً، لا شك في ان عوامل عديدة ستؤثر على كيفية سير الاحداث واي الخيارات سيكون الاكثر احتمالاً. منها ان اسرائيل غير جاهزة للسلام وتستعد للحرب وتفكر بالحرب لاستعادة هيبة الردع الاسرائيلية المفقودة اكثر مما تفكر بالسلام. ومنها ان ادارة بوش تقترب من نهاية فترة الرئاسة الثانية، وهي تعاني من ازمات داخلية وخارجية تجعلها مهددة بهزيمة كبرى في العراق والمنطقة، ستؤثر على هيمنتها على العالم، ما قد يدفعها للاستمرار بالتطرف والعدوانية والحروب ونحو دفع المنطقة نحو المزيد من الفوضى الخلاقة بل المدمرة!!
وقد يدفعها لاحتواء الموقف وتقليل الاضرار والانسحاب بحفظ اكبر قدر ممكن مما تبقى من ماء الوجه.
الرهان يجب ان يكون ويبقى على الشعب الفلسطيني صاحب القضية والاقدر على حمايتها وتجسيدها!!

 

 

مشاركة: