الرئيسية » هاني المصري »   14 شباط 2012

| | |
الصراعُ على سوريا قابِلَةُ إعلانِ الدَّوْحَة
هاني المصري

 

قبل أن نتطرق إلى "إعلان الدَّوْحَة" لا بد من الانطلاق أن توقيع اتفاق المصالحة في أيار الماضي لم يكن ممكنًا لولا المتغيرات العربيّة والإقليميّة والدوليّة التي أزاحت جزءًا هامًا من العوامل الخارجيّة المعيقة للمصالحة. فبعد تنحي حسني مبارك الذي كان ملتزمًا بالشروط الأميركيّة الإسرائيليّة ولا يرغب في إنجاز المصالحة الفلسطينيّة خشية من تقوية "حماس" حليفة جماعة الإخوان المسلمين المصريّة التي تشكل التهديد الرئيسي لحكمه، وانشغال محور الممانعة فيما يجري في سوريا قللا كثيرًا من تأثير هذا المحور السلبي على الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

على أهمية "إعلان الدَّوْحَة"، فدون الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة لا يمكن التقدم على طريق إنهاء الانقسام في ظل أن السلطة لم تعد سلطةً، كما قال الرئيس أبو مازن مجددًا في اجتماع لجنة المتابعة الأخير في القاهرة.

 

يمكن أن نضع ونفهم "إعلان الدَّوْحَة" ضمن رؤيته بما يجري في المنطقة والإقليم من متغيرات، خصوصًا ما تشهده مصر من أحداث، وفي ظل الصراع على سوريا المفتوح على احتمالات عدة: من بينها تطور الأحداث إلى الحرب الأهليّة، واحتمال الفتنة الطائفيّة، والتقسيم، والوصول إلى حل وسط، أو سقوط النظام.

اعتدال خالد مشعل، الذي ظهر في إعلان الدَّوْحَة كما لم يحدث من قبل، هو محاولة لحل التناقض بين حاجة الإخوان المسلمين الذين فازوا في الانتخابات في أكثر من بلد عربي، ومرشحون للفوز في بلدان أخرى حتى يثبّتوا أقدامهم بالحكم ويتجاوزوا المرحلة الانتقالية، إلى اعتراف أميركي وأوروبي ودولي بحقهم في الحكم، وهذا يتطلب تكيف "حماس" مع الواقع الجديد؛ حتى لا يؤدي استمرارها كحركة مقاومة إلى مساعدة إسرائيل على قطع الطريق على هذا الاعتراف، مستندة إلى ما تملكه من أوراق، من ضمنها شن عدوان جديد على غزة يحرج الحكام العرب الجدد.

المجازفة تظهر في أنّ تقدم "حماس" نفسها ضحية لحكم الإخوان المسلمين على أمل أن يتمكنوا من مساعدتها لاحقًا، بحيث تطول المرحلة الانتقالية ويغلب الحكام الجدد مصالحهم على مصلحة حليفتهم "حماس"، ما يسبب الضرر للقضية الفلسطينية التي سيتم التعامل معها في هذه الحالة كنقطة في محيط المشروع الإسلامي الكبير، مثلما تضررت بعد نكبة فلسطين عام 1948 عندما تم التعامل معها كنقطة في بحر المشروع القومي العربي الكبير.

وما يظهر علاقة "إعلان الدَّوْحَة" بالصراع على سوريا، أن قطر زعيمة التحرك العربيّ والدوليّ ضد النظام السوري هي التي رعته ودخلت على خط المصالحة متجاوزة بذلك مصر، التي تستحق قطف ثمار المصالحة لأنها راعية الحوار الفلسطينيّ منذ البدايّة وطوال السنوات الماضيّة، إلى أن وصلت وتكللت جهودها بالنجاح في التوقيع على الورقة المصريّة في الرابع من أيار الماضي.

لا يمكن فهم "إعلان الدَّوْحَة" إلا كجزء من حالة الانتظار لما يحدث في المنطقة، خصوصًا لجهة المساعي العربيّة والدوليّة الرامية إلى حسم الموقف في سوريا، ودفعها بعيدًا عن محور الممانعة، وتحديدًا عن إيران، من خلال جذب "حماس" بعيدًا عن محور الممانعة وضمها إلى محور الاعتدال.

ما يؤكد ذلك أن الإعلان تضمن موافقة خالد مشعل على تولي الرئيس "أبو مازن" رئاسة حكومة الوفاق الوطني خلافًا للورقة المصريّة التي تنص على تشكيل حكومة من الكفاءات الوطنيّة المستقلة.

أن يكون أبو مازن رئيسًا رسالة بالغة الدلالة على اعتدال "حماس"، هذا إذا صمد الإعلان بعد الخلافات العلنيّة حوله داخلها، لأن "أبو مازن" مقبول عربيّا ودوليّا وإسرائيليًّا، ويعلن ليل نهار تمسكه ببرنامجه السياسي وطريق المفاوضات الثنائيّة، بما في ذلك تأكيد التزامه بشروط اللجنة الرباعيّة.

من المفترض أن يؤرق معارضو "إعلان الدَّوْحَة" في "حماس" أكثر، ليس أنه مخالف للقانون الأساسي، وهو كذلك بالفعل لأنه أصبح بعد تعديله عام 2003 لإضعاف وتغيير قيادة ياسر عرفات - التي أصبحت عقبه في وجه المفاوضات - نظامًا مختلطًا رئاسيًّا برلمانيًّا، ولكن هذه المسألة يمكن حلها بسهولة بدعوة المجلس التشريعي للانعقاد وتغيير بنود القانون الأساسي، بحيث تسمح بالجمع ما بين منصبي رئيس السلطة ورئاسة الحكومة، ولأن المصلحة الوطنيّة العليا أعلى من القانون المهدور تمامًا في ظل الانقسام، وإنما أن رئيس "فتح" خصم "حماس" والمنافس الرئيس لها على قيادة الشعب الفلسطيني هو من سيرأس حكومة الوفاق الوطني؛ فهذا يعطي رسالة واضحة أنّ خلافات "حماس" في جوهرها ليست على البرنامج السياسي، بل إنها سلّمت بضرورة إعطاء الضوء الأخضر لبرنامج المنظمة السياسيّ، واستمرار زعامة "أبو مازن" في مرحلة صعود الإسلام السياسي في المنطقة التي تمر بمرحلة انتقاليّة لا تريد "حماس" أن تدفع ثمنها غاليًا مثلما حدث بعد انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، وتريد أن تستثمرها من أجل كسر المقاطعة العربيّة والدوليّة لها، والحصول على الشرعيّة التي تؤهلها لقيادة الشعب الفلسطيني في مرحلة قادمة.

فالخلاف داخل "حماس" ليس في جوهره على البرنامج السياسي بالرغم من وجود خلافات حوله، وإنما بسبب الظروف والاحتياجات والأولويات الخاصة المختلفة بين الداخل والخارج، وبين الضفة وغزة، والتنافس على موقع كل شخص قياديّ وتجمّع وتأثيره على القيادة والقرار.

تأسيسًا على ذلك، نلاحظ بوادر انحسار الخلاف داخل "حماس" حول "إعلان الدَّوْحَة"، وتركّز أخيرًا على الجانب القانونيّ، وليس على الجانب السياسيّ رغم أنّ "حماس" عارضت برنامج المنظمة السياسيّ بعناد شديد منذ تأسيسها حتى الآن. وهذا يعني أن الخلاف حول كيفيّة وصولها إلى القيادة وأهميّة احتفاظها بما لديها في غزة و"شد أذن" خالد مشعل من قيادات غزيّة كونه انفرد بالتوقيع على "إعلان الدَّوْحَة" قبل التشاور مع مؤسسات الحركة. ما سبق يعني أن "إعلان الدَّوْحَة" إذا صمد ولم يسقط يدخل تطبيقه في الدوامة التي يمكن أن نطلق عليها "عملية المصالحة".

لم تكن نقطة تولي الرئيس منصب رئيس الحكومة هي النقطة الوحيدة المخالفة للورقة المصريّة، وإنما هناك عدة نقاط أخرى.

فعدم تأكيد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة التي كان متفقًا على إجرائها في أيار القادم، يعني أن هذه المسألة تركت مفتوحة، ويبدو أنها مرتبطة بالتطورات العربيّة والإقليميّة القادمة، خصوصًا بالنسبة لمصير الصراع على سوريا، وبآفاق استئناف المفاوضات التي يدرك الجميع أنها لن تشهد اختراقًا، خصوصًا في هذا العام، وضمان موافقة إسرائيل على إجرائها بعد أن أبلغ إسحاق مولخو صائبَ عريقات: إن الحكومة الإسرائيليّة لن توافق على إجراء انتخابات يمكن أن تهدد أمنها.

كما أن من اللافت في "إعلان الدَّوْحَة" استبدال الاتفاق السابق حول تزامن إجراء انتخابات المجلس الوطني مع الرئاسيّة والتشريعيّة بالاتفاق على إعادة تشكيل المجلس الوطني، في إشارة بالغة الدلالة على الاستعداد للتخلي عن مسألة الاحتكام للشعب الفلسطيني قبل اختبار إمكانيّة إجرائها.

خطورة الجمع بين منصبي الرئيس ورئيس الحكومة، إضافة إلى المناصب الأخرى التي يتولاها عباس؛ تتعلق باحتكار السلطات من شخص واحد في زمن الربيع العربيّ والتحولات الديمقراطيّة وسط مؤشرات أنّ الرياح يمكن ألا تسير وفق مشيئة الفلسطينيين، بحيث لا تعقد الانتخابات قريبًا، وإنما في موعد قد يطول.

إذا لم تعقد الانتخابات سواء للرفض الإسرائيلي إزاء رفض طرف فلسطيني أو تواطؤ من الطرفين على تأجيل الانتخابات، فهذا يعني أن حكومة الرئيس ستعمر طويلًا في ظل سلطة ليست سلطة، ما يستدعي بناء بديل متكامل.

الخلافات داخل "حماس" حول "إعلان الدَّوْحَة" انحسرت كما لاحظنا ويمكن أن تنتهي إلى نوع من تبادل الأدوار تناسب الظروف الخاصة لمراكز القيادة المتعددة، ويحكمها حاجة "حماس" ومصلحتها الفئويّة بعدم التخلي عن سيطرتها على غزة إلا بعد ضمان مشاركتها الكاملة في السلطة والمنظمة.

إن هناك حراكًا في "حماس" كانعكاس للمتغيرات العربيّة والإقليميّة والدوليّة، ولصعود الإسلام السياسي، ووصوله إلى الحكم في أكثر من بلد عربيّ، والضغوط عليها للتحول من تنظيم مقاوم عقائدي لا يؤمن بالتعدديّة إلى تنظيم تعددي قادر على التنظيم وإدارة الخلاف داخله، وفي الإطار الوطني العام، وتأهيله للحكم أسوة بما يجري في المنطقة التي تشهد صعودا للاسلام السياسي.

السؤال الآن الذي يجب أن يُطرح على إسرائيل وليس على الفلسطينيين، بما فيهم "حماس": هل تتجاوب حكومة نتنياهو مع الاعتدال الجماعي الفلسطيني وتقدم ما يمكن أن يؤدي إلى استئناف المفاوضات ووصولها إلى حل، أم أنها ستواصل، على الأرجح، تعنتها وتطرفها وتضع اعتدال "حماس" في جعبة التنازلات الفلسطينيّة المليئة وتطالب بالمزيد بأن يوافق الفلسطينيون على استئناف المفاوضات دون شروط، أي وفقًا للشروط الإسرائيلية، وعلى الدولة ذات الحدود المؤقتة، وعلى يهوديّة إسرائيل، ما يزيد الإلحاح بضرورة بلورة إستراتيجيّة فلسطينيّة بديلة تعطي معنى حقيقيًّا للمصالحة، وتؤدي إلى إنهاء الانقسام وليس إدارته، وقادرة على إحباط المشاريع الإسرائيليّة وشق الطريق أمام تحقيق الأهداف الفلسطينيّة؟

Hanimasri267@hotmail.com

مشاركة: