الرئيسية » هاني المصري »   27 تشرين الأول 2009

| | |
ما بعد المرسوم: وفاق وطني وانتخابات أم سقوط في الهاوية؟
هاني المصري

 

" بعد صدور المرسوم الرئاسي بإجراء الانتخابات، لجأت الى صديقي القاضي الذي ألجأ إليه عند كل قضية مفصلية لها بعد قانوني لأستزيد منه بما يساعدني على بلورة موقف. ما كتبته في هذا المقال لصديقي القاضي فضل به".

رغم أن المجلس المركزي لمنظمة التحرير أكد في بيانه أن مرسوم الانتخابات لا يغلق طريق الوحدة، وأنه حق دستوري إلا أن الإقدام عليه في الظروف الراهنة عقد الوضع ويمكن أن يشكل قفزة نحو المجهول. فبعد إصدار المرسوم وموافقة المجلس المركزي عليه، ورغم أن الاتجاه العام في المجلس ينظر للمرسوم كتكتيك للضغط على "حماس" وفرق بين صدور المرسوم بإجراء الانتخابات وبين إجرائها فعلا، إلا أن صدوره سيجعل إجراء الانتخابات أمراً لا مفر منه فيما لو أصرت "حماس" على موقفها المتهرب من التوقيع على الورقة المصرية.

إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري حق لا جدال في ذلك ولكن هذا لا ينهي المسألة. فليس كل حق جائز عمله في كل وقت. فالأمور تقاس بنتائجها وأوقات حدوثها، ومدى الفائدة أو الضرر منها.

فإذا كانت ممارسة الحق الدستوري ستؤدي الى ضرر أكبر من الفائدة، فإن الحكمة تقتضي الأخذ بالقواعد الفقهية والدستورية التي ترى بأن "درء المفاسد أولى من جلب المنافع"، وأن "الضرورات تبيح المحذورات".

تأسيساً على ما سبق فإن إصدار مرسوم رئاسي بإجراء الانتخابات في موعدها، وإجراءها فعلاً، دون وفاق وطني على إجراء الانتخابات وحدها، او على اتفاق متكامل يتضمن إجراء الانتخابات، في ظل الانقسام وتحت الاحتلال مجازفة قد تتحول الى مجازفة غير محسوبة العواقب. لأن الشروع بتنفيذ المرسوم الرئاسي سيؤدي الى خلق مناخ من المنافسة وتقديم المصالح الفردية والفئوية للراغبين بالحصول على عضوية المجلس التشريعي والذين يمكن أن تغريهم المشاركة دون مشاركة "حماس" لأنها تزيد من فرصهم بالفوز في مقاعد أكثر، وبما يولد قوة دفع نحو إجراء الانتخابات، من الصعب بعدها الوقوف في وجهها. فتأجيل الانتخابات إذا لم توافق "حماس" على الورقة المصرية، أو لأي سبب آخر ليس أمراً سهل المنال، كما يعتقد الكثيرون الذين وافقوا على إصدار المرسوم وهلّلوا له دون أن يدرسوا ما يمكن أن يقود إليه. والاتجاه العام في "فتح" والمنظمة يقول حتى الآن: لن تكون انتخابات دون قطاع غزة. ولكن هذا القول ينفع إذا وافقت "حماس" على الورقة المصرية. أما إذا لم توافق سنجد أنفسنا أمام انتخابات لا تريدها الأغلبية في المنظمة وليس فقط مرفوضة من "حماس" والمعسكر المؤيد لها.

إذا كانت الحسابات الدستورية والديمقراطية هي التي تقف وراء إصدار المرسوم الرئاسي ووراء إجراء الانتخابات، فهي مفهومة ولكن مع التذكير بإن هناك قيما سامية هي أهم وأعظم وأولى من الدستور. وقد تكون هذه القيم، وهي فعلا واردة في كل دستور. وحتى لو لم تكن واردة، فهي في كل الأحوال ووفقا للغالبية العظمى من الفقهاء الدستوريين أولى بالإتباع إذا تعارضت مع الدستور. من هذه القيم السامية، العدالة والمساواة والحرية والمصلحة الوطنية العليا،.. الخ.

إن المصلحة الوطنية العليا تتعارض مع إجراء انتخابات في الضفة الغربية فقط. فهي انتخابات ستشارك بها نسبة تتراوح ما بين 40 ـ 60% ممن يحق لهم حق الاقتراع، أي أقل من نصف الـ 70% من المقيمين في الضفة الذين يحق لهم الاقتراع. فمن المعروف أن 70 ـ 80% من المسجلين في جداول الانتخابات يشاركون بالانتخابات. والنسبة هذه المرة ستكون أقل بكثير لعدم تمكن أهل قطاع غزة من المشاركة لأن سلطة "حماس" ستمنعهم من ذلك، وجراء الإحباط واليأس الناجمين عن الانقسام والأوضاع العامة، وبسبب المقاطعة التي ستشمل أعضاء وأنصار "حماس" والجهاد الإسلامي والفصائل المقيمة في دمشق، وربما الجبهة الشعبية والمبادرة وغيرهما من فصائل م.ت.ف وقطاعات من المستقلين.

قد يقول قائل، إن نص مرسوم الانتخابات يتضمن إجراءها في الضفة الغربية وقطاع غزة بما في ذلك القدس المحتلة، وهذا صحيح، ولكن تجاهل أن قطاع غزة تحت سيطرة "حماس"، وأنها رفضت، وكان من المتوقع أن ترفض، إجراء الانتخابات دون وفاق وطني ما يعني أننا إذا لم توقع "حماس" على الورقة المصرية سنكون امام احتمالين:

إما إجراء الانتخابات حتى لو في الضفة فقط ويشكل ذلك قفزة كبرى نحو الانهيار التام، فهي ستجري بهذه الحالة بمشاركة أقل من نصف من يحق لهم الاقتراع في الضفة وهذا يكرّس الانقسام ويحوّله الى انفصال مرشح أن يستمر لسنوات طويلة قادمة.

إن تأجيل الانتخابات ممكن سواء بمبادرة قيادية أو إذا قدمت لجنة الانتخابات توصية بتأجيلها لأنها لم تتمكن من إيجاد آليات تضمن مشاركة قطاع غزة أو لأسباب أخرى يمكن ان تظهر لاحقاً مثل منع مشاركة أهل القدس في الانتخابات.

إن تأجيل الانتخابات وفقاً لما هو وارد في الورقة المصرية رغم صدور المرسوم ممكن. فهناك مخارج سياسية وقانونية لتفسير ذلك. منها الاستناد الى أن المصلحة الوطنية العليا تقتضي ذلك. ومنها العودة الى م.ت.ف المرجعية العليا للشعب الفلسطيني، والتي أنشأت السلطة وعينت رئيسها في المرحلة الأولى وحتى إجراء الانتخابات عام 1996، وبمقدورها أن تصدر قراراً يدعو السلطة الى تأجيل الانتخابات تحقيقاً للمصلحة الوطنية العليا.ومنها إمكانية دعوة المجلس التشريعي للانعقاد للبحث في مسألة واحدة هي إقرار تعديل على قانون أو إصدار قانون بتأجيل الانتخابات.

لقد تمت الموافقة من الرئيس والمنظمة على تأجيل الانتخابات الى الثامن والعشرين من حزيران عام 2010 وفقاً لما هو وارد في الورقة المصرية، وهذا يضرب الاستحقاق الدستوري، وبالتالي يمكن تأجيلها أيضا حفاظاً على المصلحة الوطنية العليا حتى لو لم توقع "حماس" على اتفاق المصالحة.

مسألة أخرى في منتهى الأهمية يهملها المتحمسون جدا لإجراء الانتخابات في كل الظروف والأحوال، هي أن فلسطين تحت الاحتلال وتمر في مرحلة التحرر الوطني، وهي مرحلة لا تضبط بقوانين عادية وهذا يعني أن شرط الحرية اللازم لإجراء الانتخابات غير متوفر ، إن الوفاق الوطني وحده يجعل تأثير الاحتلال في أدنى الحدود. إن قدرة الانتخابات الضرورية جدا على إحداث التغيير المطلوب تنبع بالدرجة الأساسية من وجود توافق وطني يضمن وضع حد للانقسام وتوحيد الشعب والنظام السياسي.

إن فلسطين ليست مثل سويسرا. فهي ليست دولة حرة مستقلة ذات سيادة كي يتم الحديث وكأنها كذلك، وعن أن الشعب مصدر السلطات ويستطيع أن يمارس حريته بالانتخابات، والاحتكام لها.

إن الوحدة الوطنية هي القانون الأساسي الذي يجب أن يحكم في مرحلة التحرر الوطني. ومن يتناسى وجود الاحتلال، وحقيقة أن القانون الأساسي متعذر تطبيقه أساساً بسبب وجود الاحتلال عليه أن يعرف أن الطريق الذي يسير فيه سيؤدي في نهاية المطاف الى الانتحار السياسي او الاستسلام لشروط الاحتلال التي سقفها الأعلى حكم ذاتي تحت الاحتلال يسمى باسم الدولة.

إن الغيورين جداً على الدستور (وبعضهم غيرته مفاجئة) عليهم أن يتذكروا أن الدستور كان الضحية الأولى التي سقطت على يد كل الأطراف التي انتهكته كل أنواع الانتهاك بعد الانقسام السياسي والجغرافي.

نقطة أخرى مهمة هي أن الصراع الداخلي الفلسطيني أساسه سياسي وليس دستورياً والحل يجب أن يكون سياسياً أو لا يكون أبداً. وبعد ذلك يمكن النظر في الجوانب الدستورية.

لقد توصل الحوار الوطني والشامل الى الورقة المصرية، رغم الملاحظات العديدة والجوهرية عليها وعلى ما هو غير وارد فيها، ولكنها تشكل المدخل الوحيد المتاح لاستمرار الحوار وتحقيق المصالحة. فهي شعرة معاوية التي إن قطعت سنسقط جميعاً في الهاوية.

لقد ارتكبت حركة حماس خطأ كبيراً بعدم التوقيع على الورقة المصرية، لأنها أعطت الأولوية لإضعاف الرئيس و"فتح" على المصالحة الوطنية من خلال السعي لاستخدام فضيحة غولدستون للحصول على شعبية، ولا يمكن ان يكون الرد على خطأ "حماس" بخطأ آخر، من قبيل المناكفة، ولو كان عن طريق التهديد بممارسة حق دستوري. كما ان المضي بإجراء الانتخابات دون وفاق وطني يعتبر خطأ أكبر. فالوفاق الوطني في ظل الاحتلال والانقسام يجب أن يكون شرطاً لإجراء الانتخابات.

ردا على هذه الحجة الوجيهة نقول أن الهدف الأساسي لإجراء الانتخابات هو ممارسة تهدف الى تحقيق المصلحة الوطنية العليا. واعتقد أن غالبية الشعب الفلسطيني وقواه الحية توافق على أن تكريس الانقسام وتحويله الى قطيعة دائمة وكاملة معاكس للمصلحة الوطنية العليا على طول الخط، ويضرب بالصميم أية شرعية.

إن أقلية هنا وهناك هي التي رقصت وترقص على أنغام الانقسام، وهي أقلية فاسدة تحقق في ظل الانقسام ثروة أكبر ونفوذاً أعظم، ولا مانع لدى هذه الأقلية أن تستخدم الاحتلال والحرب والحصار والتجويع لصالحها بحيث تسعى لإجراء الانتخابات وليكن ما يكون لأنها تراهن على الفوز فيها. أو تعمل من أجل تأجيل الانتخابات الى أجل غير مسمى حتى يتوفر الظرف المناسب لها.

أي شرعية يجري الحديث عن الحفاظ عليها أو الوصول إليها إذا جرت الانتخابات بمشاركة نصف أو أقل من نصف من يحق لهم الاقتراع في الضفة الغربية فقط أي بمشاركة أقل من ربع الشعب الفلسطيني المقيم في الضفة والقطاع والذي يصل عدده الى أكثر من 4 مليون أكثر من نصفهم يحق لهم الاقتراع.

أتمنى أن يكون مرسوم الانتخابات وسيلة لتأكيد الشرعية والحق الدستوري والضغط على "حماس" لكي توقع على الورقة المصرية، وليس قراراً تم اتخاذه بمنتهى الجدية ولا تراجع عنه.

إن الشرعية القادمة إذا جرت الانتخابات بمشاركة جزء من الضفة فقط هي التي تجعل رئيس كل الشعب الفلسطيني رئيسا لأقل من نصف من يحق لهم الاقتراع في الضفة وهي شرعية لا يحتاجها الرئيس ابو مازن، ولا أي شخص فلسطيني يمكن أن يطمح لتبوأ هذا المنصب. إن رئيس جزء من الشعب الفلسطيني يناسب الدولة ذات الحدود المؤقتة، دولة البقايا ولا يناسب دولة الشعب الفلسطيني الحرة المستقلة ذات ذات السيادة عاصمتها القدس.

وأتمنى ان توقع "حماس" خصوصاً انها لم تعد لها أية ذريعة بعد أن اعلنت مصر أنها ستأخذ الملاحظات المقدمة من الفصائل بالحسبان عند التطبيق. وأتمنى أن يصدر الرئيس مرسوماً بتأجيل الانتخابات سواء إذا وقعت "حماس" أو لم توقع على الورقة المصرية، لأن المصلحة الوطنية العليا تقتضي تأجيل الانتخابات لحين تحقق الوفاق الوطني حتى لا يصب إجراؤها في تعميق الانقسام، وإضعاف جميع الفرقاء الفلسطينيين وجعلهم لقمة سائغة في فم الاحتلال.

بات واضحا أن هناك أوساطا عربية وإقليمية ودولية، (وإسرائيل طبعا) لا تريد إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية لأسباب مختلفة، منها أطراف تريد ربط المصالحة بأجندتها الإقليمية وتحقيق مصالحها الخاصة، أو الإصرار على أن تكون وفقا لشروط اللجنة الرباعية الدولية، أو لا تكون أبدا. فالإدارة الأمريكية رفعت الفيتو في وجه المصالحة الوطنية عندما جددت موقفها المطالب باعتماد شروط اللجنة الرباعية الدولية غداة تقديم الورقة المصرية للتوقيع عليها.

إن تغليب المصلحة الوطنية يقتضي التوقيع على الورقة المصرية والعمل على حل الملفات العالقة لأن الوحدة تقوي الأطراف الفلسطينية جميعاً. أما استمرار الانقسام فيجعل الأطراف ضعيفة وغير قادرة على تحمل الضغوط التي تمارس ضدها لتعطيل المصالحة أو للدخول في مفاوضات وفقاً للشروط الإسرائيلية.

هناك نقطة أخيرة، يجب أن تؤخذ بالحسبان هي احتمال إقدام حكومة نتنياهو على عدم السماح بمشاركة أهل القدس في الانتخابات. فهل ستجرى الانتخابات دون القدس أيضا. أم أن هناك اطمئناناً الى أن الإدارة الأميركية ستضغط على إسرائيل لتمرير هذه المسألة. وإذا قامت حكومة نتنياهو بتمريرها فماذا ستطلب بالمقابل. ممكن أن تطلب دفن تقرير غولدستون!! هل يمكن دفع مثل هذا الثمن؟

إن المصلحة الوطنية العليا فوق كل المصالح والأحزاب والقيادات مهما علا شأنها.

 

مشاركة: