الرئيسية » هاني المصري »   22 كانون الأول 2008

| | |
ما العمل؟ غزة تحت العدوان والمجازر والظلام!
هاني المصري

 

ما العمل؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه على نفسه كل انسان فلسطيني، سواء اذا كان انساناً عادياً أو مسؤولاً! فلقد شهد الاسبوع الماضي تصاعداً مجنوناً ضد أهلنا في قطاع غزة، حيث سقط خلال أيام أكثر من 50 شهيداً واضعافهم من الجرحى، كما تم تشديد الحصار الخانق واغلاق كافة المعابر، بحيث اصبح القطاع بلا وقود ولا كهرباء ولا ادوية ولا سلع ضرورية تلبي الاحتياجات الانسانية الاساسية. كل هذا يحدث وسط صمت مريب عربي ودولي يكاد يكون كاملاً واثره على الفلسطينيين اشد من الظلام الدامس الذي خيم على قطاع غزة.

ان أكثر ما عبر عنه العالم على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، هو الاعراب عن القلق ومطالبة اسرائيل بتلبية الاحتياجات الانسانية. واللافت أكثر ان الادارة الاميركية لم تحركها المجازر اليومية للضغط على اسرائيل لوقف عدوانها، بل كشفت عن وجهها الحقيقي، واعتبرت ان ما تقوم به اسرائيل من عدوان حوّل حياة سكان قطاع غزة الى جحيم لا يطاق، نوع من الدفاع المشروع عن النفس في وجه اطلاق الصواريخ والقذائف من غزة الى اسرائيل.

لم تكلف الادارة الاميركية نفسها عناء التفكير لماذا صعدت اسرائيل عدوانها في هذه الفترة رغم ان اطلاق الصواريخ يحدث منذ سنوات، ولم تتساءل عن السبب وراء اطلاق الصواريخ رغم الثمن الباهظ الاضافي الذي يدفعه الفلسطينيون من جراء اطلاقها؟

 

ان اطلاق الصواريخ من غزة على اسرائيل، رغم الملاحظات الجوهرية على جدواه، الاّ انه يأتي اساساً، كردة فعل طبيعية على استمرار الاحتلال والعدوان والاستيطان والجدار والحصار وتقطيع الاوصال، وعلى تنكر اسرائيل للقانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، ولكل المبادرات الرامية لايجاد حل عادل او متوازن للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، كما تأتي هذه الصواريخ كثمرة لعدم وجود اتفاق وطني على مقاومة مثمرة وقادرة على تحقيق الاهداف الوطنية.

ان الشاهد الحي على ما سبق هو ان الاحتلال لقطاع غزة لا يزال مستمراً رغم خطة الفصل احادي الجانب التي نفذها شارون العام 2004، ان التغير الذي حدث بعد تنفيذها يظهر في اعادة انتشار القوات المحتلة، بحيث انسحبت من داخل القطاع وحاصرته حصارٍ محكماً، واغلقت كافة المعابر ونقاط الحدود، ونفذت عمليات عدوانية تتضمن اقتحامات وقصف واغتيالات، هذا في الوقت الذي يتواصل فيه العدوان بكل اشكاله، والاستيطان والجدار في الضفة، رغم وقف المقاومة فيها وعدم اطلاق اية صواريخ على اسرائيل.

ان الفلسطينيين بادروا للاعلان عن تهدئة بعد اعلان القاهرة في آذار العام 2005، والتزموا بها 16شهراً، بينما اسرائيل لم تلتزم بوقف العدوان ولو يوماً واحداً.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة والحاح شديدين هو، ما العمل؟ هل يكفي الشجب والتنديد؟ هل دور الفلسطينيين وقيادتهم ان يقدموا ويساعدوا على وصول المساعدات الانسانية، شأنهم شأن اية دولة في العالم؟ أم ان المسؤولية الوطنية تفرض على الفلسطينيين ردوداً في مستوى التحديات والمخاطر، واكثر بكثير من مجرد دعوة وزراء الخارجية العرب، وحتى مجلس الأمن الى الانعقاد؟ هل يكفي التلويح الخجول بوقف المفاوضات، عبر الحديث عن عبثية استمرار المفاوضات اذا استمر العدوان والحصار والمجازر؟

قبل الاجابة عن هذه الاسئلة يجب الامتناع عن تصوير ما يجري، وكأنه رد اسرائيلي على الصواريخ فقط أو انه يعود لاسباب اسرائيلية تكتيكية مؤقتة فقط، اهمها محاولة حكومة أولمرت البقاء في الحكم عبر استباق صدور تقرير (فينو غراد) النهائي، والذي سيصدر في نهاية هذا الشهر، ومن المتوقع ان يحمّل الحكومة الاسرائيلية مسؤولية التقصير في الحرب اللبنانية الاخيرة ما قد يهددها بالسقوط، لذلك تبادر حكومة اولمرت في هذا التصعيد المجنون للعدوان لاثبات جدارتها للقوى والاحزاب الأكثر تطرفاً ويمينية، وانها قادرة على تحقيق الانتصار فوق اكوام من الجثث وعلى بحر من الدماء الفلسطينية.

ان العدوان العسكري الاسرائيلي الراهن، رغم علاقته بالاسباب التكتيكية، الاّ اننا يجب الاّ ننسى انه يأتي استمراراً لتنفيذ السياسة الاستراتيجية الاسرائيلية المعتمدة، والتي سارت عليها كافة الحكومات الاسرائيلية، خصوصاً منذ فشل قمة كامب ديفيد العام 2000، وحتى الآن، والرامية الى تغيير الوعي الفلسطيني وكسر ارادة الشعب الفلسطيني في الصمود والمقاومة، ودفعه لقبول ما تعرضه اسرائيل من حلول تصفي القضية الفلسطينية في مختلف ابعادها، وليست قضية اللاجئين فقط. في سياق هذا الفهم فقط نفهم لماذا استمر العدوان في الضفة رغم وقف المقاومة فيها؟ ولماذا استمر العدوان والحصار في غزة حتى في اللحظات التي توقف فيها اطلاق الصواريخ.

ان الرد الفلسطيني حتى يكون فاعلاً يجب ان يشمل اضافة الى تقديم المساعدات الانسانية والتعويضات، والتحرك للتنديد بالعدوان والعمل لوقفه، على مختلف المستويات العربية والدولية، اولاً: تعليق المفاوضات لحين وقف العدوان والاستيطان والجدار، وثانياً: اعطاء الاولوية لانهاء الحصار الخانق على غزة، وانهاء الانقسام واستعادة الوحدة. فالوحدة هي أقوى وأبلغ رد على العدوان.

ان تعليق المفاوضات والشروع في حوار لتحقيق الوحدة، هما أبسط ما يمكن ان تقوم به القيادة الفلسطينية حتى تعطي لاسرائيل والعالم كله رسالة حول عدم امكانية الاستمرار في توظيف الانقسام الفلسطيني لتحقيق الاهداف التوسعية والعنصرية الاسرائيلية بمعدلات اسرع بكثير وثمن أقل بكثير. فلا يعقل ان تستمر المفاوضات بينما تواصل اسرائيل سياسة فرض الحقائق على الارض التي تقطع الطريق على أي حل عادل اومتوازن، وتجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عملياً.

واذا اختارت القيادة الفلسطينية، لاسباب نعلمها واخرى لا نعلمها، الاستمرار في التفاوض رغم العدوان والاستيطان، ورغم عدم وجود مرجعية واضحة ملزمة لاسرائيل، فعليها ان تعيد تجميع اوراق القوة التي بعثرتها، بحيث تظهر مجدداً عدالة القضية الفلسطينية وتستعيد البعد الدولي للقضية عبر التمسك بمرجعية القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، والتمسك بخيار المقاومة على اعتبار ان المقاومة المثمرة ذات الجدوى القادرة على تحقيق الاهداف الوطنية هي الورقة الرابحة التي يجب ان يتسلح بها المفاوض الفلسطيني، بحيث يذهب الى طاولة المفاوضات وهو مدعوم، ويملك اداة للضغط والتأثير توازي الادوات التي تملكها اسرائيل من خلال العدوان والاستيطان والحصار والجدار.

ومن يقول ان استعادة الوحدة الفلسطينية مستحيلة، اقول ان الدم الفلسطيني المراق بغزارة قادر على توحيد الفلسطينيين مجدداً، خصوصاً بعد ان وصلت طريق الانقسام الى حائط مسدود في غزة والضفة. فلا المفاوضات الدائرة جادة ومثمرة، ولا المقاومة المستخدمة قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية.

ان استعادة الوحدة يمكن ان تكون عبر الدعوة الى بدء حوار وطني يستند الى مبادرة معدة سلفاً، وتشكل في كل عناصرها رزمة متكاملة، تقبل كلها او ترفض كلها، وتتضمن اولاً، انهاء الانقلاب، وثانياً، بناء اجهزة امنية مهنية بعيداً عن الحزبية ومراكز القوى، وثالثاً، اعتماد شراكة وطنية كاملة وليس نظام المحاصصة الفصائلي، والتوجه رابعا، نحو انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، وخامساً، تفعيل واصلاح وتطوير السلطة و(م.ت.ف)، واخيراً وسادساً، بلورة خطة سياسية ونضالية وتفاوضية متفق عليها قادرة على تحقيق البرنامج الوطني: برنامج العودة وتقرير المصير واقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، بعيداً عن المفاوضات العبثية والمقاومة العبثية!!

 

 

مشاركة: