الرئيسية » هاني المصري »   10 أيار 2011

| | |
المنتصِرُ والمهزومُ في اتفاقِ القاهرة
هاني المصري

بعد أن انتهت مراسمُ حفل المصالحة، "راحت السكرة وأتت الفكرة". وابتدأ تقييم الاتفاق بين مؤيدين ومعارضين له، حتى داخل الفريق الواحد.

فهناك في حركة فتح والسلطة والمنظمة من اعتبر الاتفاق انتصارًا كاملًا لهم، خصوصًا بعد خطاب خالد مشعل المعتدل، فحماس وافقت على الورقة المصرية بعد أن عارضتها أكثر من عام ونصف، وسلّمت بألا يجلس مشعل على المنصة والاكتفاء بخطاب موجز له، ووافقت على حكومة مستقلين يتم التوافق على رئيسها وأعضائها، بعد أن طالبت طويلًا بحكومة وحدة وطنية يترأسها قيادي من حماس، بوصفها الحاصلة على الأغلبية في المجلس التشريعي، وأكدت على أن إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 هو الهدف الوطني المشترك، والتزمت بأن إدارة الصراع بكل أشكاله السياسية والدبلوماسية والعسكرية يجب أن يكون بالتوافق الوطني وبقرار مشترك، وأعطت للمفاوضات (المتوقفة منذ أيلول الماضي) فرصةً إضافيةً.

وفي المقابل، هناك في هذا الفريق من اعتبر الاتفاقَ سيئًا؛ لأنه أنقذ حماس من المصير المحتوم الذي كانت تنتظره، بعد أن خسرت الكثير من أوراقها وحلفائها، وانهيار محور الممانعة في ضوء ما يجري في وسوريا واليمن وليبيا والسودان، وانعكاسات ذلك على تحالفها مع إيران، وفي ظل تزايد النقمة الشعبية ضدها في قطاع غزة، جراء: الحصار، وعدم الإعمار، والقمع وانتهاك الحريات، وحلول اقتصاد الأنفاق محل الاقتصاد الطبيعي، ما أدى إلى ظهور شرائح جديدة حلت مكان الشرائح القديمة.

ووصل الأمر ببعض أنصار هذا الفريق إلى حد الادعاء بأن حماس في غزة ستنهار بعد عدة أسابيع على الأكثر، لو لم يتم إنقاذها باتفاق المصالحة، وقال آخرون منهم: إن أبو مازن أضاع غزة بعد اتفاق مكة، وسيضيع الضفة بعد اتفاق القاهرة؛ لأن حماس ستدخل إلى النظام السياسي بكل مكوناته، خصوصًا إلى المنظمة، وتستفيد من مظلة الشرعية ومن مكاسب المنظمة العربية والدولية دون أن تدفع ثمنًا يوازي ذلك، وهو ثمنٌ لا يجب أن يقلّ عند هؤلاء عن الموافقة على البرنامج السياسي للمنظمة؛ الأمر الذي بدونه ستدفعُ المنظمةُ ثمنًا باهظًا (دوليًا وإسرائيليًا)، كما يتضح من ردود الأفعال الأميركية والإسرائيلية والألمانية على اتفاق المصالحة.

وهناك في حماس من اعتبر اتفاق القاهرة نصرًا كاسحًا لها، بدليل أن محضر التفاهمات تضمّن جميع ملاحظاتها على الورقة المصرية، وأن الاتفاق والتفاهمات التي حصلت بعده تقضي ببقاء الوضع على ما هو عليه في الضفة الغربية وقطاع غزة من ناحية الأجهزة الأمنية، حتى بعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني ولحين إجراء الانتخابات، كما أنّ حماس ضَمِنت في هذا الاتفاق: رفعَ الحصار عن قطاع غزة وإعادةَ إعماره، وعلاقاتٍ ممتازةً مع القيادة المصرية الجديدة. وفتحت طريقَ الاعتراف العربي والدولي بها مقابل ثمنٍ سياسيٍ قليلٍ، لم يصل إلى حد تغيير برنامجها السياسي ولا حتى إلى إسقاط حق المقاومة، بل تقييده بالتوافق الوطني.

في المقابل، هناك في حماس من اعتبر أن حركته هزمت شر هزيمة في اتفاق القاهرة، وأخذت تسير سريعًا في نفس الطريق الذي سلكته فتح. فحماس الجديدة عند هؤلاء الحمساويين عبارة عن "فتح بلحية"، فهي قاومت وقدمت التضحيات والشهداء والجرحى والمعتقلين، وقبلت بسلطة مقيدة بقيود مجحفة تحت الاحتلال، وتزحف للحصول على الاعتراف العربي والدولي بأي ثمن، وعلّقت المقاومة وربطت ممارستها بموافقة فريق اعتبر المقاومة المسلحة جزءًا من الإرهاب والعنف، وأنها سببت كارثة على القضية والشعب، وأنه سيمنعها بكل قوة.

إنّ التأييدَ الجارفَ والمعارضةَ الواسعةَ للاتفاق داخل كل فريق دليلٌ لا يدحض أن الاتفاق عَكَسَ معادلة "لا غالب ولا مغلوب"، حيث خرج كل طرف بتحقيق جزءًا من مطالبه ومصالحه، وإن لم يحقق كل مطالبه، أما ما تبقى وهو كثير فسيكون عرضةً للمحاصصة الثنائية إذا لم تتدخل أطرافٌ أخرى تَضمَن شراكةً حقيقيةً.

وبما أن الاتفاق فرضته العوامل الخارجية (انتصار الثورة المصرية، والأحداث الجارية في سوريا) أكثر من العوامل الداخلية (إرادة الأطراف، والحراك الشعبي والشبابي)، فهو لا يزال هشًا ومجرد خطوة هامة في مسار طويل، قد يتم التراجع عنها، أو المضي قدمًا لمواصلة السير على خطاها، وذلك اعتمادًا على: التطورات القادمة عربيًا ودوليًا، خصوصًا لجهة مصير الثورات العربية؛ وعلى صعيد المسار السياسي والمفاوضات وما يسمى عملية السلام؛ وأيضًا على ضوء إرادة الشعب الفلسطيني وقيادته وقواه المؤثرة على قراره السياسي.

إنّ الاتفاقَ مهمٌ جدًا، لكنه غير كافٍ، فلا بد من تطبيقه وتطويره؛ ليضمَنَ شراكةً سياسيةً حقيقيةً على أساس برنامج سياسي نضالي مشترك، وبما يحمي التعددية الفكرية والسياسية والحزبية والتنوع والمنافسة ومختلف أسس النظام الديمقراطي، وتحويله إلى اتفاق وطني شامل أكثر منه اتفاقًا ثنائيًا يفتح الباب لمحاصصة فصائلية بين حركتي فتح وحماس، وإلى اقتسام في ظل الانقسام، وهو أيضًا تفادى قضايا هامة لا يمكن في ظل تفاديها تحقيق إنهاء الانقسام وإنجاز وحدة حقيقية.

لا يمكن أن يكون هناك وحدة مستدامة بدون برنامج سياسي يلتزم بالأهداف والحقوق الفلسطينية، ويحدد أشكال العمل والنضال اللازمة لتحقيقها، وأن يحظى هذا البرنامج بثقة الشعب الفلسطيني، ويستند إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارتها.

فلا يصحّ الحديث عن حكومة مهمات بدون برنامج سياسي، أو أنّ الحكومة حكومة الرئيس وبرنامجها هو برنامج الرئيس أو المنظمة، أو أنّ الحكومة يجب أن تستند إلى برنامج المقاومة فقط، فما كان يصح وممكنًا قبل المصالحة لا ينفع بعدها. نحن بحاجة إلى برنامج يجسد القواسم المشتركة ويقطع الطريق على المقاطعة الدولية بدون الخضوع لشروط اللجنة الرباعية الظالمة. إنّ العالم الخاضع للولايات المتحدة الأميركية يريد رؤية برنامج الحكومة الجديدة قبل أن يتخذ موقفًا من اتفاق القاهرة، والعالم يفرّق ما بين مهمات ووظائف الحكومة وبرنامجها السياسي، فلا حكومة بلا برنامج سياسي، لذلك يجب الشروع في حوار للاتفاق على برنامج سياسي تشكل الحكومة على أساسه، ومن أجل تطبيقه.

كما تضمن اتفاق القاهرة دعوة الإطار القيادي المؤقت للمنظمة للانعقاد بأسرع وقت، وهذا أمر مهم جدًا طال انتظاره، ولكن يجب إزالة التناقض في الاتفاق بين عبارة"إن مهمات وقرارات هذا الإطار غير قابلة للتعطيل" وعبارة"بما لا يتعارض مع صلاحيات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير"، لأن حماس تفسر هذه الصيغة – أعني العبارة الأولى- بمعنى: إن الإطار القيادي المؤقت هو المرجعية العليا، وهو فوق اللجنة التنفيذية للمنظمة وإلا فلا قيمة له، أما فتح فتفسرها: إن الإطار المؤقت خاضع للجنة التنفيذية، وإلا سيمس بشرعيتها ومكتسباتها.

وإذا تمسك كل طرف بتفسيره، فهذا يعني أن الإطار القيادي المؤقت سرعان ما يدور في حلقة مفرغة من التفسيرات والتفسيرات المناقضة، وهذا يعرض الاتفاق كله للفشل.

وهناك مخرجان للخروج من دوامة التفاسير، أولًا: إما الاتفاق على على أن الإطار القيادي المؤقت الذي يضم الجميع هو المرجعية العليا والقيادة الوطنية الموحدة، ويستمد شرعيته من الإجماع المتوفر حوله، خصوصًا إذا تم إعادة تشكيله، بما يمثل بشكل أكبر الشباب والمرأة والمستقلين والشتات. ثانيًا: أو الاتفاق على لائحة تفصيلية تحدد المهمات التي يتخذ فيها هذا الإطار قرارات غير قابلة للتعطيل، وتوضيح الصلاحيات التي تكون فيها اللجنةُ التنفيذية المرجعيةَ العليا.

وهناك ثغرة أخرى في الاتفاق، وهي بقاء الوضع الأمني على ما هو عليه لحين إجراء الانتخابات، لأن البحث في الملف الأمني يمكن أن يُعجِّل بانهيار الاتفاق بسرعة على خلفية التنسيق الأمني، وحول ما هو المطلوب: هل إعادة بناء وتشكيل الأجهزة في الضفة وغزة معًا، أم في غزة فقط.

إن صعوبة الملف الأمني تستدعي التعامل معه بالتدريج وعلى مراحل، وليس تأجيله لمدة عام كامل؛ لأن استمرار الوضع الأمني على حاله يعني استمرار الانقسام، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من اعتقالات وانتهاكات للحقوق والحريات الفردية والعامة، ويمس بمدى إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

إن الاتفاق على البرنامج السياسي والنضالي المشترك ضروري جدًا ولا غنى عنه، ويفتح الطريق للاتفاق على دور ومهمات الأجهزة الأمنية وكيفية بنائها وتشكيلها، وعلى دور ووظيفة الحكومة وكيفية تشكيلها، ومواجهتها لاستحقاق أيلول والاستعداد لما بعده، خصوصًا أن المؤشرات والمعلومات تشير إلى أنّ الدولة لن تقام في أيلول، حتى لو حصلنا على قرار من الجمعية العامة يعترف بها.

إنّ الحركةَ مهمةٌ جدًا، ولكنَّ الهدفَ النهائيَ أهمُ منها، فالحركة ليست كلَ شيء، وبدون هدف نهائي تكون بركة لا أكثر، ومن المهم أنَّ اتفاقَ القاهرة تضمّن رزمةً متكاملةً جمعت ما بين الورقة المصرية والتفاهمات، وتشمل الحفاظ على الطابع الديمقراطي وإجراء الانتخابات على كل المستويات، لكن كل هذه البنود يمكن أن تبقى حبرًا على ورق إذا لم تبقى العوامل الفارضة للاتفاق فاعلة، وإذا لم تتعزز بإرادة فلسطينية متعاظمة، وملتزمة بتطبيق الاتفاق وتطويره، وهذا لن يكون بدون ضغطٍ شعبيٍ متصاعدٍ قادرٍ على جعل إرادة الشعب ومصلحته فوق كل الإرادات والمصالح الفردية والفئوية والفصائلية والإقليمية والخارجية.

 

 

مشاركة: