الرئيسية » هاني المصري »   16 أيار 2006

| | |
النكبة وخطر تجدد النكبة
هاني المصري

ثمانية وخمسون عاماً مضت على النكبة، ولا تزال شروط النكبة ونتائجها قائمة، وهناك مخاطر متزايدة بتجدد النكبة عبر القضاء على وحدة الشعب الفلسطيني، وتحويله الى شعب جائع لا يهتم الا بالرواتب والمساعدات المختلفة.

ورغم مرور ثمانية وخمسين عاماً على النكبة، ورغم ما شهدته من حروب ومجازر ومتغيرات محلية واقليمية وعالمية، لا تزال القضية الفلسطينية حية، ورُسمت قضية التحرر الوطني العالمية الاولى بدون منازع. ولا يزال الشعب الفلسطيني موحداً مصمماً على تحقيق اهدافه. ولا يزال اكثر من خمسة ملايين فلسطيني راسخين في وطنهم، رغم تعرضهم لمحاولات لا تنقطع لاقتلاعهم من اراضيهم تطبيقاً للمقولة الاساسية التي قامت عليها الحركة الصهيونية "شعب بلا ارض، لارض بلا شعب". وبقيت القضية حية، والشعب موحداً، وسقطت مخططات التذويب والتوطين ومشاريع الاحتواء والوصاية والبدائل.

 

لم تنجح الحركة الصهيونية في البداية، واسرائيل فيما بعد في شطب القضية الفلسطينية عبر تقزيمها والتعامل معها كقضية انسانية. فقد استطاعت الثورة الفلسطينية المعاصرة، بقيادة م.ت.ف رغم كل اخطائها وخطاياها، ورغم كل الثغرات واوجه القصور ان تحول القضية الفلسطينية من قضية كانت انسانية بعد نكبة 1948 الى قضية سياسية. وحولت اللاجئين الواقفين على ابواب وكالة الغوث الدولية الى شعب واحد موحد حي ومقاتل من اجل حقوقه في العودة والحرية والاستقلال، واخذ الشعب الفلسطيني قضيته بيده بعد سنوات التيه والضياع، وبعد ان ادرك خطأ تسليمه لقضيته الى يد الجيوش العربية والاحزاب والانظمة العربية على اختلاف مسمياتها، وذلك بعد ان ادرك عدم وجود بديل عن دوره الخاص في تحقيق اهدافه الوطنية. وهذا لا يعني في السابق، ولا يجب ان يعني حالياً، او في المستقبل التخلي عن العمق العربي والاسلامي والتحرري والدولي. فالشعب الفلسطيني هو الضحية والنقيض التاريخي للحركة الصهيونية، وهو صاحب الارض والقضية، والشاهد الحي على النكبة وعلى النضال من اجل تحقيق الحقوق الفلسطينية.

لقد حقق نضال الشعب الفلسطيني خلال نضاله الطويل جداً، انجازات كبرى لا يمكن انكارها، أهمها بعد احياء القضية وتحقيق وحدة الشعب حفر اسم فلسطين عميقاً على خارطة العالم الجديدة على مختلف الاصعدة السياسية والبشرية والجغرافية والتاريخية.

لقد استطاع الصمود الفلسطيني ان يثبت لاسرائيل عدم امكانية حسم الصراع عسكرياً، مهما طال الصراع، ومهما انتصرت اسرائيل في الحروب العسكرية، واستطاع النضال الفلسطيني ان يجبر اسرائيل القوية والمتفوقة عسكرياً والمتحالفة استراتيجياً مع الدولة العظمى الوحيدة في العالم على التراجع عن مخطط اقامة اسرائىل الكبرى سواء من النيل الى الفرات، كما هو مكتوب على الكنيست الاسرائيلي، وكما يشير العلم الاسرائيلي، او على ارض فلسطين الانتدابية، وذلك التراجع يتضح من خلال الانسحاب والاخلاء في غزة، وابداء الاستعداد لتطبيق خطة "الانطواء" في الضفة، في سياق قبول اسرائيلي عام بمبدأ اقامة دولة فلسطينية على الاراضي التي ستخليها اسرائىل من الاراضي المحتلة العام 7691.

لقد اصبح الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي يدور، منذ سنوات ويتمحور على طبيعة ومساحة وحدود وعاصمة ومدى استقلال الدولة الفلسطينية وهل ستشمل القدس المحتلة العام 1967 أو جزاً منها أم لا تشملها؟

فاسرائيل رغم كل انتصاراتها اصبحت تخشى من استمرار احتلالها بصورته القديمة كونه يمكن ان يجعلها تضطر، اذا لم تنسحب او تنفصل عن الفلسطينيين، للتعامل مع دولة واحدة من النهر الى البحر، سيصبح الفلسطينيون فيها اغلبية بعد سنوات قليلة. فعدد الفلسطينيين في فلسطين الآن يساوي تقريباً عدد اليهود رغم كل مخططات التهجير والمذابح وتضييق سبل العيش وكل اشكال الحصار والاستيطان والعدوان والعزل وفصل المناطق عن بعضها البعض، اسرائيل اذا لم تنسحب او تتخل عن الاراضي الفلسطينية الآهلة بالسكان يمكن ان تجد نفسها امام تسوية دولية ستضطر فيها لتقديم تنازلات كبرى او تجد نفسها امام دولة تكون ذات اغلبية فلسطينية، واسرائيل قامت لتكون دولة يهودية، واذا لم تحافظ على يهوديتها فهذا يعني سقوطاً مدوياً للمشروع الصهيوني برمته.

لقد قدم الفلسطينيون تضحيات جسيمة، وجسدوا نضالات عظيمة من اجل البقاء على ارض وطنهم، ومن اجل الحفاظ على وحدتهم وعلى قضيتهم حية، بلغت حد تقديم اكثر من 120 الف شهيد، ومئات آلاف الجرحى والمعاقين ومثلهم من المعتقلين، وقدموا خسائر مادية ومعنوية مختلفة لا تقدر بثمن ولا يمكن حصرها، ومع ذلك ادرك الفلسطينيون انه بدون النضال لا يمكن تحقيق الانتصار، ولا يمكن بدون النضال الاحتفاظ بوجودهم البشري على ارض الوطن. فبقاء القضية حية والاعتراف بـ م.ت.ف كاداة لتجسيدها فلسطينياً وعربياً ودولياً، هو الذي منع اسرائىل من استكمال ما بدأته العام 8491، وتهجير ما تبقى من الفلسطينيين. فبدون الدعم الدولي للفلسطينيين لانهم يناضلون من اجل قضية عادلة، ويسعون لتحقيق اهداف تقرها الشرعية الدولية والقانون الدولي، ما الذي سيمنع اسرائيل من تهجير الفلسطينيين في ليلة ما فيها "ضوء قمر"؟

ومرت القضية الفلسطينية منذ ميلادها بمراحل كثيرة، شهدت فيها مداً وجزراً، وكانت تتقدم وتقترب حيناً من تحقيق اهدافها وتبتعد حيناً آخر عن تحقيق هذه الاهداف. واضاعت الحركة الوطنية الفلسطينية القديمة والحديثة، العديد من الفرص التاريخية، نكتفي بالاشارة الى اهمها، وهي اضاعة الفرص لاقامة دولة فلسطينية في مرحلة ما بعد قرار التقسيم، وما بعد قيام اسرائيل، ومرحلة الحرب الباردة، التي شهدت استقطاباً حاداً بين قطبين بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، وما رافقها من نهوض عارم لحركة التحرر العالمي ونضال الاحرار وقوى السلم والتقدم في العالم الرأسمالي. لم تستغل القيادة الفلسطينية فرصة وجود الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية، ولم يدرك الفلسطينيون ما خسروه الا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فبالليلة الظلماء يفتقد البدر.

الان في ذكرى النكبة، تتكاثر الجهود الاسرائيلية المدعومة اميركياً الرامية الى تصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها وابعادها، واذا لم يدرك الفلسطينيون حجم هذا الخطر، واذا لم يتجاوزوا حالة التعددية في الاستراتيجيات والبرامج والسلطات ومصادر القرار وتنازع الصلاحيات التي تفاقمت بالاشهر الاخيرة، بصورة تنذر بالشرور وعواقب الامور، ستعود القضية الفلسطينية عشرات السنين الى الوراء، بحيث تعود مجرد قضية انسانية، قضية تتعلق بالرواتب والخدمات والمساعدات المختلفة، لا يساهم باقرارها شعبها وانما اصبحت كما نشاهد حالياً عرضة لكل انواع التدخلات الاقليمية والعربية والاسرائيلية والدولية على جثة وحدة الشعب والارض والقضية والقرار، فهل يرتقي الفلسطينيون الى مستوى التحديات التي تواجه قضيتهم أم يواصلون السير بسرعة نحو نكبة جديدة، ربما تكون اسوأ من سابقتها؟؟ والانقاذ ممكن، وممكن جداً، فالقضية قطعت شوطاً واسعاً على طريق الانتصار ومن الخطير ان تتراجع الى الوراء.

 

مشاركة: