الرئيسية » الأخبار »  

| | |
الخطيب: ضعف الأداء القياديّ التفاوضيّ الفلسطينيّ كان من أسباب نتائج أوسلو

 

خلال لقاء نظّمه مركز "مسارات" حول تجربة مفاوضات مدريد – واشنطن

الخطيب: ضعف الأداء القياديّ التفاوضيّ الفلسطينيّ كان من أسباب نتائج أوسلو

البيرة: قال الدكتور غسّان الخطيب، إنّ تهميش دور القيادة والحركة الوطنية الفلسطينية في داخل المناطق المحتلة في العملية التفاوضية عند الانتقال من مفاوضات واشنطن إلى أوسلو، إضافة إلى البيئة والعوامل المحيطة بالوضع الفلسطيني، واختلال ميزان القوى لصالح الجانب الإسرائيلي؛ كان له أثر واضح في العيوب التي تضمنتها الاتفاقات مع الجانب الإسرائيلي.

جاء ذلك خلال لقاء نظّمه المركز الفلسطيني لأبحاث السّياسات والدّراسات الإستراتيجيّة- مسارات في مقره بمدينة البيرة يوم أمس (السبت)، وحضره عشرات الشخصيات السّياسيّة والأكاديميّة، وأداره مدير البحوث في المركز خليل شاهين؛ حيث قدّم فيه الخطيب عرضًا عن كتابه الصادر باللغة الإنجليزيّة "السّياسة الفلسطينيّة وعمليّة السّلام في الشرق الأوسط: فريق المفاوضات الفلسطينيّ بين الانسجام والتّنافس"، والذي بني على أطروحته لشهادة الدكتوراة.

 

وبيّن الخطيب أنّ هدف هذه الدراسة هو البحث في أسباب الإخفاق في تقديم أداء سياسي فلسطيني أفضل ضمن عملية السلام، من خلال السلوك التفاوضي الفلسطيني ومحدداته والعوامل المؤثره فيه في ضوء مساري التفاوض العلنيّ في واشنطن (وفد الداخل) والسري في أوسلو (وفد الخارج). وقال إنّ الأدبيات التي تناولت هذه القضية انطلقت من فهم الباحثين والأكاديميين لنتائج العملية بمعزل عن تحليل التركيبة والأداء القياديين، ومن زواية العلاقة بين الداخل والخارج– والمقصود بمسمى الداخل والخارج للقيادة الفلسطينيّة قبل عودة القيادة إلى الوطن عام 1994-، حيث قالوا إنّ قيادة الخارج كانت أكثرُ تصلبًا من الداخل الأكثر ليونة، وإنّ العلاقة بينهما جامدةٌ وتنافسية، ويُعزى هذا الأمر إلى كون أغلب الكتّاب والباحثين غير فلسطينيين، وكذلك تناولتها الأدبيات بالحكم على نتائجها مبكرًا، إذ حمّل الباحثون القيادةَ الفلسطينية فشلَ المفاوضات دون أن يستندوا إلى تحليل بنية وأداء القيادة التفاوضي، والبيئة المحيطة بها، والاختلال الفادح في ميزان القوى.

وأضاف الخطيب: إنّ العلاقة بين قيادة الداخل والخارج كانت علاقة تكامليّة وديناميكيّة، مع الإشارة إلى التباين في أولويات كل منهما، حيث كانت منظمة التحرير إطارًا تمثيليًا أكثر من كونها مجرد بنية بيروقراطية، وكانت تعنى بالبرنامج السياسي، وتشهد مواقفَ تشددٍ وليونةٍ ونقاشاتٍ حول القضايا في الداخل وفي الخارج، إضافة إلى ما كانت تعوّل عليه المنظمة من موالاة قيادة الداخل لها وللقيادة في الخارج في مختلف القضايا والتوجهات والسّياسات التي تنتهجها.

وأوضح أنّه كان هناك تباين في أولويات الخارج والداخل خلال المفاوضات التي انطلقت بعد مؤتمر مدريد (1991)؛ "فالخارج كان أولويته المكان الذي يحتضنه والإمكانات الماديّة والماليّة التي تمكّنه من القيام بواجبه تجاه قضيته والحصول على الشرعية المطلوبة لتسهيل حركته السياسيّة والديبلوماسيّة بين مختلف البلدان. أما الداخل، فكانت أولوياته إيقاف الاستيطان المتواصل ومصادرة الأراضي والاعتقال. ولم يمنع هذا التباين بينهما التمسك بالأولويات المشتركة لهما إزاء القضايا الفلسطينية المختلفة، كوحدانية التمثيل وإنهاء الاحتلال وحق العودة والاستقلال وإقامة الدولة، فهذه جميعها هي قواسم مشتركة بينهما، وهي الهم الأكبر للشعب الفلسطيني أينما وجد، سواء داخل فلسطين أم خارجها".

وفي وصفه لوفد المفاوضات إلى مدريد وواشنطن، بيّن الخطيب أنّ "وفد واشنطن كان من قيادة الداخل وبتوجيه من قيادة م.ت.ف، وكان يحظى بتأييد شعبي داخلي، وهذا مصدر قوته وشرعيته، بينما كان وفد المفاوضين إلى أوسلو من قيادة الخارج الذي عمل على تعزيز مكانة منظمة التحرير، وكان يمكن أن يقبل باتفاق سلام لا ينص على وقف الاستيطان خلافًا لوفد واشنطن، وتَوَّجَ هذا الوفد المفاوضات باتفاق أوسلو عام 1993".

وقال الخطيب: إنّ ميزان القوى هو من يتحكم بنتائج المفاوضات السريّة. فالمفاوضات السريّة تغيب عنها العوامل والبيئة المحيطة بها، إضافة إلى غياب الرأي العام والإعلام. فهذه الاتفاقات الضعيفة أوجدت واقعًا صعبًا؛ لأنها جاءت بناء على أداء تفاوضي، وفي ظل غياب للمرجعية، ما أدى إلى حلقة مفرغة من الأداء التفاوضي الضعيف، الذي ينتج اتفاقات غير جيدة، يؤدي تطبيقها إلى واقع أصعب وتوازن أسوأ، يعود ويؤدي إلى أداء تفاوضي أضعف، وهكذا في ظل الأداء الضعيف الخاضع أيضا للاختلال في ميزان القوى.

وأكد على أنّ "الاحتلال لم يسعَ إلى خلق نخب داخل فلسطين، اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ذات تأثير سياسي، قبل قيام السلطة، إلا في نطاق محدود جدًا. وبعد قيام السلطة وعودة القيادة من الخارج، سهل الاحتلال نشوء عدد من النخب، تمثلت في الاحتكارات التجارية، مثل البترول، وهذه النخب كانت متحالفة مع النخبتين الأمنيّة والبيروقراطيّة، وهذا ما أوجد فجوة ما بين القيادة والشعب؛ الأمر الذي مكّن إسرائيل من التراجع عن التزاماتها تجاه الفلسطينيين، وإضعافها للقيادة، بحيث لا تتمكن من اتخاذ قرارات صعبة، أو السير في مسارات سياسيّة لا تقبل بها إسرائيل، وفي ظل قناعة لدى أميركا وإسرائيل بعدم فاعلية استخدام القوة ضد الفلسطينيين، وإنما بفاعلية خيار العملية السياسية الذي مكّن إسرائيل من تحقيق جزء كبير مما تريده بتكلفة أقل".

وفي الختام، طرح الحضور العديد من الأسئلة والمداخلات التي ركزت على أهمية الاستفادة من تجربة المفاوضات في ظل الاختلال في ميزان القوى وتهميش الخارج والداخل معًا، لاسيما بغياب تأثير الراي العام على عملية صنع القرار الفلسطيني. وأكدوا على أنّ أولويّة قيادة الخارج في تلك الفترة تمثلت في عودة البيروقراطيّة والقيادة والأمن إلى فلسطين، مع عدم إيلاء اهتمام كافٍ بتعزيز التكامل ما بين الداخل والخارج، وتغليب إحساس الفلسطينيين بحاجتهم إلى المفاوضات أكثر من إسرائيل، ما أدى إلى سيطرة هاجس المفاوضات على القيادة طوال السنوات العشرين الماضية.

وأشاد المتحدثون بالدراسة التي أعدها الخطيب، لاسيما أنها تضيف جديدًا إلى عملية المراجعة التاريخية لعملية المفاوضات، ودعوا إلى تكريس المزيد من الجهد لدراسة العلاقة بين الداخل والخارج في ظل مسار أوسلو، وبعد أن انتقلت قيادة المنظمة والفصائل ومركز صنع القرار إلى الداخل، والبحث في أسباب تآكل الأداء التفاوضي في ظل تغييب الرأي العام الفلسطيني وتهميش تأثيره على صنع القرار، خصوصًا فيما يتعلق بالمفاوضات.

مشاركة: