الرئيسية » هاني المصري »   21 شباط 2012

| | |
أنا والمصالحة
هاني المصري

 

 

بعد "إعلان الدوحة"، وفي ظل الانتقادات التي وجهت له بالرغم من موجة الترحيب الواسعة به، قال لي أكثر من مراسل صحافي وصديق ومهتم: لماذا لا ترحب بالمصالحة وأنت الذي بذلت الكثير الكثير من أجلها؟.

لقد كتبت عشرات المقالات، وعدد من الدراسات وأوراق تقدير موقف، وساهمت في بلورة العديد من المبادرات مع شخصيات وطنية ساهمت في إزالة بعض العراقيل أمام المصالحة من موقع الشراكة لا الوساطة، مثل ضرورة أن يكون أي اتفاق رزمة واحدة تطبق بشكل متزامن ومتوازٍ، وأهمية الأخذ بفكرة الاتفاق على برنامج سياسي التي لم يؤخذ بها تمامًا حتى الآن، والمساهمة باقتراح فكرة التوصل إلى تفاهمات وتقديم صيغ محددة، وصولًا إلى إضافة ورقة تفاهمات إلى الورقة المصرية، واقتراح  وثيقة دعم اتفاق المصالحة، بمشاركة عشرات من الشخصيلت الحزبية والمستقلة التي قدمت مجموعة من الاقتراحات، من ضمنها اقتراح بتوحيد الأجهزة الأمنية على مراحل؛ نظرًا لصعوبة الأمر، بدلًا من تأجيل المسألة إلى إشعار آخر، ما يعني استمرار الانقسام حتى لو تم تشكيل حكومة واحدة.، وكنت عضوًا في لجنة الحكومة في حوارات القاهرة، وقمت بزيارات عديدة إلى دمشق والقاهرة وغزة، وغيرها من العواصم العربيّة والأجنبيّة، ما يجعلك تستحق أن تحتفل عندما تقترب لحظة تشكيل حكومة الوفاق الوطني، وبعد أن عقدت لجنة المنظمة أول اجتماعاتها بعد انتظار حوالي ست سنوات، وأن شرعت لجان الحريات والمصالحة المجتمعيّة بالعمل وحققت بعد التقدم.

كنت أجيب عن هذه التساؤلات بأن الصحافي والكاتب والمثقف وأي إنسان وطني، يجب أن يحكّم ضميره، ويحاكم المسائل انطلاقًا من المصلحة الوطنيّة العليا، وفق المعايير التي خطّها  لنفسه. وليس أن يكون بوقًا للهتاف ينبري لتأييد أي شيء، وينحاز لهذا الطرف أو ذاك انحيازًا أعمى، وينصره ظالمًا أو مظلومًا، فإذا كانت المصالحة مستحيلة لدى الطرف الذي يؤيده يجب أن يروج لذلك، ويقدم المسوّغات، وينظر بأن الخلاف جذري، وأن "فتح" و"حماس" يسيران بخطين متوازيين لا يلتقيان، وأنّ هناك تدخلات عربيّة وإقليميّة ودوليّة وإسرائيليّة تجعل المصالحة مستحيلة، وتجاهل أهمية أنّ الاحتلال ضد الكل الفلسطيني، وأنّ الإرادةَ الفلسطينيّة قادرةٌ على إنهاء الانقسام في حال تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئويّة والفصائليّة.

فإذا تم الاتفاق في الورقة المصريّة على رزمة واحدة تضم المنظمة والحكومة والانتخابات والأمن والحقوق والحريات، وعلى أن يتم تطبيقها بالتوازي والتزامن؛ يجب أن نهلل ونرحب بما تم الاتفاق عليه.

وإذا تم تأجيل القضايا المركزيّة، مثل البرنامج السياسي والمنظمة والحكومة والأمن، وأعطيت الأولويّة للحقوق والحريات والمصالحة المجتمعيّة، والقضايا الإجرائيّة، مثل كيف يمكن أن تشكل لجنة الانتخابات ومحكمة الانتخابات ولجنة الأمن بالتشاور أو بالتوافق؛ يجب أن نرحب بالتأجيل وبالحكمة التي تقف وراءه، وإلا نتّهم بأننا ضد المصالحة وخارجين عن المشروع الوطني.

وإذا تم تحويل مسألة تشكيل الإطار القيادي المؤقت الذي قراراته غير قابلة للتعطيل، كما تنص الورقة المصريّة، إلى لجنة المنظمة، بحيث تكون مهمتها تقديم مقترحات سياسيّة وقانونيّة حول كيفيّة إعادة تشكيل المنظمة، بحيث لا تلعب أي دور حقيقي، ولا تؤدي إلى إشراك الفصائل والقطاعات التي لا تزال خارج المنظمة لحين إجراء انتخابات المجلس الوطني، فيجب أن نصفق لهذا المخرج العبقري ونصدق الادعاءات بأن لجنة المنظمة الاستشاريّة لا تختلف بتاتًا عن الإطار القيادي المؤقت الذي كان من المفترض أن يقود المنظمة طوال الفترة الانتقاليّة، التي تمتد من لحظة توقيع الاتفاق لحين إجراء انتخابات المجلس الوطني، الذي لا يعلم أحد حقًا: متى ستعقد، وماذا كانت ستعقِد أصلًا؟

أكبر دليل على ذلك، أن "إعلان الدوحة" شطب بخفة متناهيّة ما جاء في كل الاتفاقات الموقعة منذ إعلان القاهرة في آذار 2005، مرورًا باتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنيّة، ووثيقة الأسرى التي أصبحت وثيقة الوفاق الوطني، وانتهاء بالورقة المصريّة؛ حول ضرورة إجراء انتخابات للمجلس الوطني حيثما أمكن ذلك، لتحل محلها عبارة تتحدث عن إعادة تشكيل المجلس الوطني، وسط أفكار دعت إليها، ولها رواج، عن ضرورة فصل المجلس التشريعي عن المجلس الوطني، التي لا تؤدي عمليًا إلا إلى تسهيل التخلص من إجراء انتخابات للمجلس الوطني.

 إن الأمانة تقتضي القول، وإعادة القول والإصرار على أن أي مصالحة إذا لم تستند إلى ميثاق وطني "ركائز المصلحة الوطنية العليا" لن يكون لها معنى حقيقي، وستكون مجرد إدارة للانقسام والاقتسام إذا لم يكن لها مضمون سياسيّ يرتكز إلى القواسم الوطنيّة المشتركة التي من المفترض أن تجمع الشعب الواقع تحت الاحتلال.

كما أن الأمانة تقتضي كذلك وضع معايير لنجاح المصالحة تؤدي إلى جعلها أكبر بكثير من مجرد مصالحة بين "فتح" و"حماس"، أو اتفاق بينهما، وهذا يعني أن أي مصالحة ما لم تبدأ ولم تتضمن خطة قادرة على إنهاء الانقسام عن طريق توحيد المؤسسات، بدءًا بالحكومة والوزارات، ومرورًا بالقضاء والمجلس التشريعي، وانتهاءً بتوحيد وتفعيل وإصلاح وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنيّة.

من الملفت للنظر أن يتحدث "إعلان الدوحة" عن تشكيل حكومة برئاسة الرئيس بشكل يخالف القانون الأساسي، مهمتها إجراء الانتخابات والبدء في إعمار قطاع غزة دون أن ينبس ببنت شفة حول توحيد المؤسسات، وخصوصًا الأاجهزة الأمنيّة.

إن تشكيل حكومة فوقيّة لا تضع الأولويّة لعملها الاتفاق على برنامج سياسي وتوحيد المؤسسات على أساسه؛ ستكون في أحسن الأحوال حكومة تغطي على استمرار واقع الانقسام، وستؤدي، إذا تم تشكيلها، إلى بقاء الوضع على ما هو عليه.

وإذا اطمأنت "حماس" في غزة أن سيطرتها على القطاع لن تمس بالرغم من "إعلان الدوحة" وما بعده، سنرى كيف ستتبخر الاعتراضات عليه، أو إذا لم تطمئن لأن حصتها مضمونة سنرى كيف سيتم تمييع تطبيقه؟.

ومثلما يقال أول الغيث قطرة، فقد بدأ الحديث حتى قبل تشكيل الحكومة عن التوجه لتأجيل إجراء الانتخابات، فواحد يقول يمكن أن تعقد في حزيران أو تموز، وآخر يقول لن تعقد قبل أيلول لأن آب سيشهد شهر رمضان، ولن تعقد الانتخابات في الشهر الفضيل، وثالث يقول لن تعقد الانتخابات قبل نهاية العام، وتحديدًا بعد الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، لأن كل ما يجري هو نوع من الاتفاق الصريح أو الضمني على انتظار ما ستؤول إليه الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، وهل سيعاد انتخاب باراك أوباما حتى تعود الأسطوانة المشروخة إلى الغرف؛ بأن المفاوضات ستستأنف، وأن الرئيس الأميركي في فترة رئاسته الثانية سيكون حرًا من الضغط الممارس عليه من إسرائيل ومجموعات الضغط المؤيدة لها في الولايات المتحدة الأميركيّة.

إنّ لديّ من المؤشرات ما يكفي للخشية بأن ما يحدث، حتى الآن، بخصوص المصالحة لا يعدو أن يكون سوى نوعًا من إدارة الانقسام لا أكثر؛ انتظارًا لما ستؤؤل إليه الأوضاع العربيّة والإقليميّة والدوليّة، ومعرفة ماذا سيحدث، تحديدًا في مصر وسوريا، وهل ستكون هناك حربًا على إيران؟

الانتظار ليس سياسة، بل أسوأ سياسة؛ لأنه سياسة قاتلة. لا بديل عن مراجعة التجربة، وبلورة رؤيّة إستراتيجيّة ترتكز إلى كيفيّة الصمود في مواجهة الاحتلال وإحباط مخططاته المفضّلة، ومنعه من النجاح في استكمال فرض واقع احتلالي استيطاني عنصري يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن والمطروح.

إن من الخطورة بمكان أن تتحول المصالحة، إذا لم تستند إلى الاتفاق على إستراتيجيّة جديدة، إلى اتفاق يعيد إنتاج البرامج التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من تعميق الاحتلال وتقطيع الأوصال وتوسيع الاستيطان والحصار، وإلى عمليّة من دون مصالحة تدير الانقسام وتتعايش معه، في حين أن فلسطين بحاجة إلى مصالحة تكون جزءًا من عمليّة قادرة على إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، وللمقاومة المثمرة و"ركائز المصلحة الوطنيّة العليا"، وللمنظمة التي من المفترض أن تجمع الفلسطينيين جميعًا، وتوحدهم، بحيث تكون أي خلافات أو تعدديّة أو تنافس فيما بينهم في إطار الوحدة.

Hanimasri267@hotmail.com

 

مشاركة: