الرئيسية » هاني المصري »   15 حزيران 2010

| | |
إنهاء الانقسام أولًا، أم المصالحة الوطنية أم نظام سياسي جديد؟
هاني المصري

بعد الثورات العربية المتلاحقة ومن أجل توظيفها لصالح القضية الفلسطينية، لا بد من إنهاء الانقسام السياسي والجغرافي في فلسطين، ففي ظل الانقسام لا يمكن الاستفادة مما يحصل، بل على العكس ستضيع الفرصة وستلحق الأضرار بالقضية وشعبها، وتخطئ أي قوة إذا تصورت أنه بإمكانها الاستفادة لوحدها من التغيرات الحاصلة .
في هذا السياق، تضع المصالحة الوطنية نفسها على رأس جدول الأعمال، وتتحول من مسألة سياسية تهم القوى والقيادات وبعض النخب السياسية فقط إلى قضية شعبية ومجتمعية تهم قطاعات متزايدة من الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه. والدليل على ذلك تصاعد التحركات الشعبية التي رفعت شعار "الشعب يريد إنهاء الانقسام".

 

المراقب للطروحات التي طرحت لمعالجة الانقسام يستطيع أن يلاحظ المبادرات التالية:

طرحت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وحركة فتح تحديدًا، مبادرة تقضي بتوقيع الورقة المصرية والذهاب إلى المصالحة الوطنية، أو الاحتكام إلى الشعب بإجراء انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية قبل شهر أيلول القادم.

طرح الدكتور سلام فياض مبادرة تقوم على إنهاء الانقسام أولًا من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس وثيقة الأسرى، وترسيم المفهوم الأمني المشترك الذي تمارسه السلطة بشكل منفصل في الضفة وسلطة الأمر الواقع في غزة، مع الإبقاء على الوضع في الضفة وغزة على ما هو عليه الآن، أي تحتفظ فتح وحماس بسيطرتهما لكي لا تشعرا إن إنهاء الانقسام على حسابهما، على أمل أن قوة الدفع التي ستنشئها حكومة الوحدة الوطنية؛ ستقود إلى المصالحة كهدف نهائي وليس كشرط يتحقق منذ البداية.

وإذا اعتمدت هذه المبادرة يمكن أن تؤدي فورًا إلى إشاعة الحقوق والحريات، وإطلاق سراح المعتقلين ووقف العمل بالسلامة الأمنية، وفتح معبر رفح، وحل الكثير من القضايا العملية والحياتية العامة.

مبادرة تقوم على تشكيل حكومة وحدة وطنية على غرار حكومة الوحدة الوطنية السابقة، على أساس اعتماد كل ما تم الاتفاق عليه سابقًا في إعلان القاهرة وبرنامج حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت عقب اتفاق مكة، ووثيقة الأسرى، وحوار القاهرة وما اتفق عليه في الورقة المصرية، على أن يترك حل القضايا المتبقية (وخصوصًا البند السياسي في الحكومة، والمسألة الأمنية) إلى فترة لاحقة يمكن أن تتم في إطارات المجالس (الوطني والمركزي والتشريعي) التي سيتم انتخابها مجددًا.

مبادرة تقوم على الدعوة لإطلاق حوار وطني شامل يستهدف تقييم ومراجعة التجارب السابقة، ووضع إستراتيجية جديدة للتصدي لتحديات ومخاطر المرحلة الحالية، وتنطلق هذه المبادرة من اعتماد كل الوثائق السابقة التي كانت محل إجماع ومعالجة التطورات الجديدة خصوصا بعد وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، وتريد الخروج بصفقة كاملة قادرة على إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة مرة واحدة، وعلى أسس وطنية وديمقراطية.

مبادرات أخرى تقوم على أساس أن إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة أمران مستحيلان؛ إما لرغبة ودفاعًا عن جماعات الانقسام ومصالحها أو لتعذر ذلك، نتيجة قناعة بأن الانفصال بين الضفة وغزة واقع حتى قبل الانقسام جراء عدم وجود التواصل الجغرافي، لذلك لا يجب إضاعة الوقت والجهد وراء وهم إمكانية تحقيق الوحدة، لأن أسباب وعوامل الانقسام محلية وعربية وإقليمية ودولية وإسرائيلية أولًا وأخيرًا، ولا يمكن تحقيق الوحدة بدون توفر ظرف محلي وإقليمي عربي ودولي وإسرائيلي يسمح بذلك، وهذا أمر لا يزال برجم المجهول، فأكثر ما يدعوا إليه أصحاب هذا الرأي هو إدارة الانقسام والتعايش معه، وبعضهم يدعوا إلى اتحاد فيدرالي يحافظ على الوضع الخاص للضفة الغربية وقطاع غزة.

ملاحظات على المبادرات المطروحة

أولا: المأخذ الأول على معظم المبادرات المطروحة؛ أنها تنطلق وكأن الأزمة الفلسطينية أزمة الضفة وغزة والشعب القاطن فيهما، أو حتى أزمة سلطة وكيفية استعادة وحدتها وشرعيتها، وليست أزمة شعب بأسره يعاني من الاحتلال والتشرد، ويجب البحث عن حل لكل مشكلاته ومكوناته، بعد أن فشلت كل الخيارات التي اعتمدت سابقًا، ولم تحقق أهدافه.

الأزمة عامة ولا بد من البحث عن حل عام، لذلك بدون بلورة أسس إجماع وطني جديد يتيح إحياء المنظمة وإعادة بناء مؤسساتها، على أساس ميثاق وطني جديد ينبثق عنه

إستراتيجية جديدة قادرة على فتح بدائل وخيارات أخرى قادرة على إنهاء الإحتلال وعلى توحيد الشعب الفلسطيني وليس فقط الضفة وغزة. وإذا تم إحياء المنظمة وضمت الجميع، أو كل من يتفق على ميثاقها الجديد، سيسهل حل مشكلة السلطة، التي هي فرع من أصل ويمكن إيجاد الحل بإعادة تشكيل السلطة وتغيير وظائفها، بحيث تستمد شرعيتها من المنظمة ومن برنامجها المدافع عن الحقوق الوطنية، وليس من عملية السلام المزعومة التي انهارت، ولا من اتفاق لم تحترمه الحكومات الإسرائيلية ولا مرة واحدة.

ثانيًا: الملاحظة الثانية على المبادرات أن بعضها يحاول أن يتفق على القضايا الكبرى، ثم يتجاهل القضايا الأخرى أو يهملها أو ينتقل لمعالجة القضايا الأخرى الأقل أهمية وصولًا بالمتعلقة بالجوانب العملية والحياتية، وبعضها الآخر يبدأ بالقضايا الصغرى أو التي يمكن الاتفاق عليها المتعلقة بالجوانب العملية، وبعضها الثالث يريد إنهاء الانقسام أولا وتأجيل المصالحة، وكأن إنهاء الإنقسام ممكن بدون إزالة أسبابه وجذوره، مركزًا على نقطة واحدةٍ وهي المفهوم الأمني المشترك القائم على التهدئة مع إسرائيل، وتعميمه بما يوصل إلى تهدئة أمنية داخلية.

ولكل مبادرة عناصر قوة وعناصر ضعف، مع أن بعض المبادرات لا تملك مقومات النجاح، ولقد تم تجريب إمكانية التوصل لرزمة واحدة (حوار القاهرة والورقة المصرية) وفشل، كما تم تجريب الاتفاق على نقاط وتأجيل القضايا الأخرى (اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية) وفشل، وأيضًا تم تجريب قضايا عملية، مثل: جواز السفر، وموسم الحج، وإطلاق سراح الأسرى، وامتحانات الثانوية العامة، والرياضة، والمعبر، والكهرباء، وإعادة الموظفين إلى أعمالهم في غزة، وإعادة المفصولين ووقف الفصل الوظيفي، فبعضها نجح والآخر مني بالفشل.

فإذا لم تتوفر الإرادة اللازمة لتغليب المصلحة الوطنية لا يمكن أن ينجح أي شيء، لذا من أجل تحقيق الوحدة لا بد توفر إرادة شعبية ضاغطة متصاعدة تفرض على الجميع الوحدة رغمًا عنهم.

ثالثًا: رغم محصلة الفشل من الجهود والمبادرات من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة وتحقيق المصالحة، إلا أن التطورات العاصفة التي تشهدها المنطقة يمكن أن توفر فرصةً أفضل للنجاح.

فمن جهة انهار نظام حسني مبارك وانهارت المفاوضات وما سمي "عملية السلام"، وهذا وتلك كانا من أهم العقبات التي حالت دون إنجاح الجهد من أجل المصالحة الوطنية، فالعقبة الرئيسة التي سبقت حصاد الفشل تتمثل بالتمسك بشروط اللجنة الرباعية الدولية. هذا العامل بات أقل تأثيرًا، وخصوصًا أن الإدارة الأميركية الآن في موقف أضعف بعد أن عجزت عن إقناع إسرائيل بتجميد الاستيطان وبعد استخدامها للفيتو؛ عجزت عن استئناف المفاوضات، وأصبح وضعها في المنطقة والعالم أضعف وسط خشية كبيرة من تداعيات الثورات العربية.

إن هذه التطورات قد تسمح بقيام حكومة وحدة وطنية بدون أن يستند برنامجها إلى شروط الرباعية الدولية. بل يمكن الإكتفاء بتضمينه إقرارا بالحقوق الوطنية وبالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة لذا وفي كل الأحوال ليس من الحكمة القفز عن البند السياسي وتأجيله؛ لأنه سيكون أمامنا حتما، فلا يمكن وضع مصير حكومة الوحدة الوطنية في مهب الريح بدون برنامج سياسي، رغم أن إمكانية الحل لم تعد موجودة.

رابعًا: يمكن العمل في كل الاتجاهات معًا، بحيث يتم التحضير لحوار وطني شامل بشكل متوازٍ مع العمل على أساس النقاط المتفق عليها وتطبيق بالنقاط العملية فورا وبدون إبطاء.

خامسًا وأخيرًا: إن مبادرة الدكتور سلام فياض مثيرة للانطباع ويمكن أن تنجح، إذا وضعت ضمن تصور متكامل معروف نهايته منذ البداية حتى وإن نفذ على مراحل؛. وهي تتطلب أن تكون جزءا من خطة كفاحية لمقاومة الإحتلال مقاومة شاملة حتى لا تكون مقايضة بين توفير الأمن للاحتلال مقابل مواصلة الدعم الدولي للسلطة ، ومفترض تبنيها بشكل رسمي وجدي، ليس من سلام فياض وبعض أوساط حركة فتح فقط، وإنما من القيادة والرئيس أبو مازن وحركة فتح، أو إعطاء ضوءًا أخضر ببحثها على الأقل حتى تكون جدية وليست مناورة للاستهلاك، وحتى يفرض على حماس أن تتعامل معها بشكل جدي.

فعلى سبيل المثال

لا بد أن نعرف منذ البداية متى موعد وكيفية إعادة بناء وهيكلة الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة على أساس عقيدة وطنية، وضمن أسس مهنية بعيدًا عن الحزبية، وعلى أن تكون خاضعة للسلطة الشرعية المنتخبة ، وللقيادة التي تمثلها مؤسسات المنظمة بعد إعادة تشكيلها.

لا بد أن نعرف منذ البداية موعد إجراء الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية،وإنتخابات المجلس الوطني، أو الإكتفاء بالإنتخابات الأولى والأخيرة حتى لا تكون حكومة الوحدة جسرًا للتغطية على استمرار الانقسام، وغطاءً على شكل من أشكال المحاصصة الفصائلية(الثنائية أو العامة) بعيدًا عن مصالح الشعب وإحتياجاته وطموحاته.

لا بد وأن يسبق تطبيق مبادرة فياض أو أن يكون في المرحلة الأولى من تطبيقها اتخاذ إجراءات لبناء الثقة التي باتت معدومة، مثل: إطلاق سراح المعتقلين وعدم اعتقال أحد على خلفية سياسية، وفتح المؤسسات المغلقة، وإعادة المفصولين والمستنكفين إلى أعمالهم، ووقف التحريض الإعلامي، وفتح معبر رفح والشروع في إعمار قطاع غزة.

إن أفضل خيار هو الاتفاق على رؤية شاملة وإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني إستجابة للتغيرات العاصفة في المنطقة وتلبية الأولويات والاحتياجات والنظام السياسي الفلسطيني مفترض أن يكون مرنا، وإذا لم يتغير بنفسه سيغير وينهار، وأمامه فرصة للتغير لا تتجاوز حتى شهر أيلول القادم، الذي لن يشهد ولادة الدولة وإنما مرحلة جديدة من النضال لتحقيقها. الرؤية المطلوبة تشمل المنظمة والسلطة والمقاومة والمفاوضات والطابع الديمقراطي للنظام السياسي، والتحرك السياسي والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أيضًا؛ ينبثق عنها ميثاق وإستراتيجية جديدين.

ولكن إذا كان الاتفاق الشامل متعذرًا الآن، فما لا يدرك كله لا يترك جله.

 

مشاركة: