الرئيسية » هاني المصري »   24 تموز 2007

| | |
أين المشروع الوطني الفلسطيني؟
هاني المصري

منذ تفجر الصراع بين فتح وحماس تتردد عبارة بشكل واسع حول ان حماس ضد المشروع الوطني الفلسطيني، وان مشروعها اسلامي او ايراني سوري ولا يهمها مقاومة الاحتلال ودحره واقامة دولة فلسطينية، لأن ايجاد الفرد المسلم والمجتمع الاسلامي هما الاولوية عندها، وهذا ينطوي على قدر من الصحة ولكنه ليس صحيحاً بالمطلق.

قبل مناقشة هذه الآراء، والأهم من مناقشتها، لا بد وان أعرض مفهومي للمشروع الوطني حتى نتجادل على نور ومعرفة.

المشروع الوطني من وجهة نظري (وأحسب ان الامر هو كذلك بالفعل) يقوم على اربعة أركان اساسية، هي: الاهداف، الخطط والوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الاهداف، الشعب المطلوب منه الكفاح والتنظيم والتعبئة والتوحد لتحقيق هذه الاهداف، والقيادة التي ستدمج كل هذه العناصر بسياسات ومواقف واشكال وخطط عمل حتى تتحقق هذه الاهداف باسرع وقت واقل التضحيات، واركان المشروع الوطني الاربعة باتت غائبة او مغيبة او ضائعة.

 

لقد توافقت اغلبية ساحقة من الفلسطينيين على ان الاهداف الوطنية تتحدد في انجاز حق تقرير المصير ودحر الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الاراضي المحتلة العام 1967 بما فيها القدس وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً وفقاً لقرار 194.

ومن اجل تحقيق هذه الاهداف، لجأ الفلسطينيون للمقاومة والمفاوضات واقاموا منظمة التحرير الفلسطينية، وانشأوا السلطة التي هي من المفترض مجرد مرحلة ووسيلة على طريق اقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق مجمل الاهداف الفلسطينية.

بدأت أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية ومجمل النظام السياسي الفلسطيني عندما اتضح ان امكانية تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني تتراجع باستمرار، وذلك لسببين اساسيين، الاول: ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة اعتمدت سياسة فرض الحقائق على الارض عبر توسيع وتكثيف الاستيطان وبناء جدار الضم والتوسع، وتقطيع الاوصال بالطرق الالتفافية والمناطق الامنية والعسكرية ومصادرة الاراضي واغلاق المناطق بحيث اصبح ويصبح هدف اقامة الدولة الفلسطينية ابعد وابعد وابعد.

الثاني: ان السياسات والخطط وادوات العمل الفلسطينية فشلت فشلاً ذريعاً، ولم يتم وضع سياسات وخطط وادوات عمل جديدة بدلاً منها قادرة على حماية المشروع الوطني والتقدم على طريق تحقيقه. فاتفاق اوسلو انهار وتجاوزته الاحداث بعد ان استخدمته اسرائىل غطاء لسياسة فرض الحقائق على الارض، ولم يعد ملزماً لاسرائيل. بل ما يمنعها من الغائه رسمياً بعد ان قتلته انها تريد ان تحافظ على الالتزامات الفلسطينية فيه. وانها لا تريد ان تتحمل المسؤولية عن دفنه امام المجتمع الدولي، وعملياً منذ فشل قمة كامب ديفيد لم تعد هناك عملية سلام، ولو من حيث الشكل، واسقطت اسرائيل المفاوضات والحل المتفاوض عليه، وادعت عدم وجود شريك فلسطيني، والرد الفلسطيني على السياسة الاسرائيلية كان افعالياً وردة فعل ومناشدة ومطالبة واسترضاء، بحيث لم تتبلور استراتيجية فلسطينية جديدة تتناسب مع المعطيات والحقائق الجديدة. لقد اصبحت القيادة الفلسطينية خصوصاً بعد رحيل واغتيال ياسر عرفات تلهث وراء المفاوضات وتعتمد على المفاوضات دون مفاوضات وانخفض السقف السياسي الفلسطيني الى اتصالات واجتماعات وخطط يضعها مبعوثون اميركيون او دوليون بعيداً عن الاساس السياسي والقانوني الذي يعتمد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بحيث اصبح الأمن الاسرائيلي هو المرجعية الوحيدة للمفاوضات او الاتصالات التي غدت، والافق السياسي للمفاوضات (الاتصالات) معروف الاّ للأعمى الذي لا يريد ان يرى الحقائق التي يقيمها الاحتلال والتي تجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عملياً، اذا لم تقلب الطاولة على اللاعبين.

واذا اضفنا الى ذلك ان السلطة اصبحت غاية وليست وسيلة، واصبح الصراع على السلطة والمكاسب والمغانم والمراكز والمصالح والاجهزة الامنية يطغى على كل شيء آخر. وهذا الصراع وتلك الاولوية لم يبدآ بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية وانما تفاقما أكثر بعد هذا الفوز. فالصراح اصبح ليس داخل فتح واجنحتها المختلفة ومراكز القوى فيها فقط وانما ايضاً بين فتح وحماس التي تريد كل منهما الانفراد بالسلطة او الحصول على او الاحتفاظ بالحصة الرئيسية فيها.

أما المنظمة فاصبحت مشلولة واداة في يد السلطة بدلاً من ان يكون العكس بحيث ان السلطة هي اداة من ادوات المنظمة، وبلغ الامر ان موازنة المنظمة اصبحت بنداً في موازنة السلطة، والآن المحاولات لاحياء المنظمة تكاد تكون محصورة باستخدامها في اطار التجاذبات والصراعات ما بين المنظمة وحماس، بينما المنظمة اهم واعظم من ذلك بكثير فهي قيادة الشعب الفلسطيني وكيانه الوطني وممثله الشرعي والوحيد.

أما المقاومة التي من المفترض انها الوسيلة المفترضة لتحقيق الاهداف الفلسطينية فهي إما غير موجودة بحثاً عن الهدنة المتبادلة المتزامنة والشاملة والتي تنتهي في العادة الى هدنة من جانب واحد، او اصبحت المقاومة ورقة تستخدم اساساً في الصراع الداخلي من اجل تحسين مواقع هذا الفصيل او ذاك، اما المقاومة كوسيلة استراتيجية فغابت منذ زمن طويل وعندما اعتقدنا انها عادت في الانتفاضة الحالية، رغم اعتراضنا على الاساليب التي استخدمت فيها، تبين اننا مخطئون فهي توقفت بشكل عام دون تحقيق اي من اهدافها، وبعد ان اصبح تحقيق هذه الاهداف اصعب.

دون مقاومة مجدية ومثمرة قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية، وتخضع للمصلحة الوطنية، وتنجسم مع عدالة القضية الفلسطينية وتفوقها الاخلاقي ومع القانون الدولي الذي يقر المقاومة، وتعتمد على الشعب، والمقاومة الشعبية اساساً، وتهدف لتعزيز عوامل الصمود والوجود البشري الفلسطيني على ارض فلسطين، وتفهم طبيعة الصراع وخصائصه، وخطأ دفعه للمعارك الحاسمة والفاصلة والفلسطينيون غير مستعدين، لا يمكن ايجاد توازن في القوى يسمح بتحقيق الاهداف الوطنية.

ان غياب المشروع الوطني وتغييبه، واعتماد سياسة المفاوضات دون مفاوضات، والتغني للمقاومة دون مقاومة، وابتعاد امكانية تحقيق الاهداف الوطنية، واتضاح الحاجة لدمج الوطنية الفلسطينية مع عمقها العربي والبعد الاسلامي والدولي وليس الغرق اكثر في القطرية أدى إلى هبوط الحركة الوطنية الفلسطينية وخصوصاً حركة فتح، وصعود الحركة الاسلامية وخصوصاً حركة حماس. فحماس لم تقدم نفسها فقط بوصفها حاملة للمشروع الاسلامي بل حاولت ان تحمل المشروع الوطني وذلك ظهر من خلال مشاركتها اولاً بالانتفاضة الاولى التي ولدت فيها، كما ظهر هذا الامر بوضوح اكبر من خلال اعتماد نمط العمليات الاستشهادية، خصوصاً في الانتفاضة الثانية.

ومن اجل ان تظهر حماس البعد الوطني أكثر أجرت تغييرات عديدة على مواقفها وبرامجها ظهرت بموافقتها على اعلان القاهرة، والتهدئة، والاشتراك بالسلطة عبر الانتخابات واعتماد برنامج اقامة دولة على حدود 7691، وارسال اشارات عديدة عن استعدادها للاعتراف باسرائىل مقابل ثمن معقول، وعن استعدادها للموافقة على دولة ذات حدود مؤقتة مقابل هدنة، ولكن كل هذه السياسات والاشارات لم تقبل منها ولم تفتح لها طريق الاعتماد كطرف فلسطيني اساسي من قبل الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل. وهذا جعل حماس في حيص بيص. فهي غير قادرة على العودة الى حماس الاولى والى المقاومة، فهي ذاقت طعم السلطة وامتلكتها شهوة السلطة وتعرف الثمن الفادح الذي ستدفعه اذا عادت للمقاومة، وهي ايضاً اي حماس غير قادرة على الاحتفاظ بالسلطة ومواصلة مسيرة الاعتدال التي بدأتها، فالمطلوب منها ان تخلع كل ملابسها، وان تلقي كل اسلحتها دون ان تحصل على اي شيء بالمقابل سوى مجرد وعد باعتمادها لاعباً رئيسياً وبان يتم حل القضية على اساس رؤية بوش دون ضمانات بأي شيء. وهذا ساهم في مسارعة حماس نحو الانقلاب لعله يسرع الاعتراف بها ويفتح الطريق للحصول على مقابل لما قدمته وما يمكن ان تقدمه. ولكن الانقلاب لم يحقق لها ما ارادت بل اصبحت مقيدة بحبال انتصارها.

الخلاصة التي اريدها من هذا المقال، ان المشروع الوطني هو الغائب الاكبر، وبسبب ذلك هزمت فصائل واحزاب م.ت.ف، الهزيمة تلو الاخرى من الانتخابات البلدية الى التشريعية الى غزة والحبل على الجرار.

وما لم يتم استخلاص الدرس الاساسي وهو اعادة الاعتبار للمشروع الوطني الموجه اساساً ضد الاحتلال، ستتواصل الهزائم ولن تصعد حماس ولا مشروعها الا اذا حملت المشروع الوطني وادانت الحسم العسكري للخلافات الداخلية، وإلا سنسير معاً نحو الهاوية والكارثة المحدقة اساساً بالقضية الوطنية!!

 

مشاركة: