الرئيسية » هاني المصري »   11 تموز 2009

| | |
لا انتخابات موحدة في ظل الانقسام
هاني المصري

 

طالب الرئيس أبو مازن حركة حماس باللجوء الى الانتخابات لحسم الخلاف وإنهاء الانقسام، على أن تجرى تحت إشراف عربي ودولي والاحتكام الى نتائجها مهما تكن.

ولم يوضح الرئيس أن هذا الطلب يأتي في سياق استكمال الحوار المطروح، وفي حال نجاحه حيث بند إجراء الانتخابات مطروح في إحدى لجان الحوار الوطني الشامل أم أنه يأتي كإشارة على اليأس من إمكانية توصل الحوار الى اتفاق وطني؟

إذا كان الأمر في سياق الحوار فإنه لا يحمل جديداً، فالاتفاق الوطني سيتضمن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في موعدها الدستوري أي بما لا يتجاوز 25 - 1 - 2010، كما سيتضمن إجراء انتخابات للمجلس الوطني تعقد في الموعد نفسه.

أما إذا كانت مطالبة أبو مازن، كما توحي بعض الإشارات، بإجراء الانتخابات بديلا عن الاتفاق فإنها مسألة هامة تثير الكثير من النقاش والمعارضة.

إن الانتخابات صعبة بل مستحيلة في ظل الانقسام، ولن يقلل من صعوبتها توفير إشراف عربي ودولي، لأن الإشراف لا يغير من حقيقة أن قطاع غزة تحت سيطرة سلطة تتزعمها حركة حماس، وهي التي ستتحكم بالانتخابات سواء بالموافقة على إجرائها أو عدمه، وهي التي ستتحكم بنتائجها إذا أتت "الرياح بما لا تشتهي السفن". فالانقسام قاد الى حرب تشنها السلطة على حركة حماس في الضفة، وحرب أخرى تشنها سلطة "حماس" على حركة فتح في القطاع. والسؤال هو كيف يمكن في ظل هذه الحرب المتبادلة تنظيم الحملات الانتخابية وتأمين حرية الترشح والدعاية والتحرك وهي شروط ضرورية لتوفير نزاهة أية انتخابات.

كيف ستنظم "حماس" حملتها الانتخابية وحوالي ألف من أبرز كوادرها في المعتقلات وعدد من أهم مؤسساتها مغلق أو تمت السيطرة عليها، وحرية عملها مقيدة الى حد كبير. وما ينطبق على "حماس" في الضفة ينطبق على "فتح" في غزة.

كيف ستكون هناك انتخابات وسط حملات التحريض الإعلامية التي يتم فيها التخوين والتكفير بدون حساب، وبما يقوض نسيج المجتمع الفلسطيني كله؟

كما أن الانتخابات صعبة الى حد الاستحالة في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق لقطاع غزة، واستمرار العدوان وحملات الاعتقال الإسرائيلية خصوصا ضد "حماس" في الضفة الغربية. فلا يزال 36 نائبا معظمهم من "حماس" في المعتقلات، واعتقالهم يدل على أن الشعب الفلسطيني ليس حرا فيما يختار. وإذا اختار من لا ترضى عنهم إسرائيل، فسيكون مصيرهم في السجون الإسرائيلية.

إن اعتقال قوات الاحتلال لعشرات النواب شل المجلس التشريعي. ألا يطرح هذا الأمر ضرورة الاتفاق على إقامة حاجز وطني جماعي قادر على منع إسرائيل في المستقبل من التأثير الحاسم على اللعبة البرلمانية الفلسطينية. عن طريق شلها أو المساس الجوهري بحرية ونزاهة الانتخابات التي تجرى تحت الاحتلال وتحت تهديد الجوع والحصار والاعتقال.

فإسرائيل إذا لم تستطع منع المرشحين غير المرغوبين من الترشح من خلال اعتقالهم أو منع حرية حركتهم التي تقتضيها الحملة الانتخابية، فهي تعتقلهم بعد نجاحهم.

إن من شروط نجاح الانتخابات أن تكون حرة ونزيهة وأن يتم التوصل الى اتفاق وطني يتضمن إجماعا وطنيا على ركائز المصلحة الوطنية العليا، التي تحدد المرجعية والأهداف وأشكال النضال وقواعد اللعبة الديمقراطية، وعلى توفير شبكة أمان تأخذ صفة القانون الملزم، تضمن لكل كتلة حقها بالتصويت وفقا لعدد النواب الذين حصلت عليهم في الانتخابات، إذا أقدمت إسرائيل على اعتقالات بحق النواب.

يمكن أن تأخذ شبكة الأمان شكل التوكيلات التي مارستها كتلة التغيير والإصلاح من جانب واحد بشكل غير قانوني، ولكن بعد إقرارها بقانون في المجلس التشريعي القادم.

كما يمكن أن تأخذ شبكة الأمان، شكل حلول المرشحين في قائمة التمثيل النسبي الذين ترتيبهم يتلو المرشحين الفائزين محل الذين يتم اعتقالهم شرط أن يعود النائب المعتقل بعد تحريره الى مقعده النيابي.

أو يمكن أن تأخذ شبكة الأمان، شكل احتساب صوت النواب المعتقلين حتى وهم معتقلون، كما تفعل الأحزاب والفصائل عند اتخاذ القرارات الجوهرية عندما تحتسب أصوات كوادرها قادتها المعتقلين ضمن مراتبهم التنظيمية المختلفة. فالمعتقل يكفيه معاناة الاعتقال حتى يتم شطب دوره من قبل إخوته وأشقائه في الفصيل والبرلمان.

لا يمكن أن نذهب الى انتخابات في ظل الانقسام وبدون حل هذه المسألة، مسألة كيفية قطع الطريق على التدخل الإسرائيلي على دور المجلس التشريعي.

إن خطورة الدعوة لإجراء الانتخابات بدون التوصل الى اتفاق وطني أولا، أنها يمكن أن تقود الى عكس ما تدعو إليه، أي الى عدم إجراء الانتخابات.

فهناك أوساط في "حماس" أعربت عن رغبتها بتأجيل الانتخابات لمدة عامين أو أكثر أو أقل، حتى تتمكن الأغلبية التي حصلت عليها "حماس" في الانتخابات السابقة من ممارسة العمل الذي حرمت منه طوال السنوات الأربع الماضية، كما أن تأجيل الانتخابات يوفر ظرفاً لإيجاد أجواء مناسبة لإجراء الانتخابات من الأجواء الحالية التي لا تبشر بأن الانتخابات على الأبواب، بل تنذر بأننا سنتجاوز الموعد الدستوري مثلما تجاوزنا موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، ومثلما استمرت الحكومة المقالة في الحكم وتم ادخال وزراء جدد إليها بشكل مخالف كليا للدستور، وتحولت حكومة الطوارئ الى حكومة تسيير أعمال، ثم الى حكومة جديدة دون أن تحصل أي واحدة من الحكومات الثلاث على ثقة المجلس التشريعي أو مساءلة أو مراقبة لأعمالها.

إن هناك خطورة إذا استمر الحوار ثنائيا بعيدا عن الحوار الوطني الشامل أن يتم التوصل الى اتفاق محاصصة يتضمن تأجيل الانتخابات، وهذا أمر يمكن أن يكون مريحا لـ"حماس" التي تحافظ على الأغلبية التي حصلت عليها، ومريحا لـ"فتح" التي تحتفظ بالرئاسة، وهي غير جاهزة بعد لخوض انتخابات في ظل الصراع بين أجنحتها المختلفة على خلفية عقد المؤتمر السادس.

إن موعد الخامس والعشرين من كانون ثاني القادم يقترب، ومفترض أن يقوم الرئيس قبل ثلاثة أشهر من هذا التاريخ بإصدار مرسوم يحدد فيه موعد الانتخابات، ويعيد تشكيل لجنة الانتخابات المركزية التي ستشرف على الانتخابات.

كيف سترضى "حماس" عن تشكيل هذه اللجنة من قبل الرئيس إذا لم يسبق ذلك التوصل الى اتفاق، وبدون مشاركتها أو موافقتها أو حتى تشاور معها؟

وكيف يمكن أن يشاركها الرئيس أو يتشاور معها وهو يعتبرها تنظيما متمردا أجرى انقلابا على السلطة وسيطر عليها في غزة؟

إن حلول موعد الانتخابات الدستوري بدون إجرائها سينزع الشرعية عن الرئيس والمجلس التشريعي، وعن السلطة كلها.

على الجميع أن لا ينسى أن فلسطين تحت الاحتلال، وأن لا انتخابات ولا تنمية ولا اصلاح ولا أمن ولا استقرار ولا تقدم ولا سلام، بدون إنهاء الاحتلال، وأن الوحدة الوطنية الفلسطينية، ضرورية قبل وأثناء وبعد الانتخابات لأنها هي أساس إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني القادر على إنهاء الاحتلال وإنجاز الحرية والعودة والاستقلال. ولا ينفع بعد ذلك ادعاء "حماس" بأن المجلس التشريعي سيستمر الى أن يسلم لمجلس تشريعي آخر. مثلما لا ينفع الادعاء بأن الرئيس سيستمر الى أن يسلم رئيساً آخر. فهذه دعوات لتأبيد الوضع القائم الى أجل غير مسمى.

إن استمرار الانقسام سيؤدي الى عدم إجراء الانتخابات أو الى إجراء انتخابات منفصلة في الضفة وأخرى في غزة، أو في الضفة وحدها أو غزة وحدها. وهذا طبعا يعمق الانقسام ويحوله من انقسام مؤقت الى انفصال دائم.

 

مشاركة: