الرئيسية » هاني المصري »   24 كانون الأول 2011

| | |
قنبلة "الجزيرة" مدوية، والسؤال: لماذا الآن؟؟
هاني المصري

 

فجرت قناة الجزيرة الفضائية قنبلة إعلامية في وجه القيادة الفلسطينية من خلال الشروع بنشر وثائق تكشف عن الكثير من وقائع المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية فيما يتعلق بقضايا حساسة مثل القدس والحدود والاستيطان واللاجئين.

معظم ما عرضته الجزيرة حتى الآن لا يحتوي جديداً مثيراً من حيث الجوهر إلا بالنسبة لبعض المسائل المتعلقة بالحرم ونسبة تبادل الأراضي في القدس. فما بثته الجزيرة معروف بالإجمال من المتابعين لمسيرة المفاوضات. ولكن كونه معروفاً لا يقلل من أهميته وخطورته.

 


فلا يكفي أن يكون الرد الفلسطيني على هذه الوثائق أنها "مجتزأة" و"أكاذيب وأنصاف حقائق"، أو "أن كل ما قمنا به من نشاطات يبلغ به العرب بالتفاصيل"، فإبلاغ العرب لا يقلل من المسؤولية ولا يعفي من مسؤولية القيادة الفلسطينية بوضع شعبها أمام التفاصيل أولاً بأول، وإيضاح ما هي الحقائق وما هي الأكاذيب.

على القيادة الفلسطينية أن تنفذ ما أعلن عنه صائب عريقات بوضع الوثائق الأصلية أمام الفلسطينيين، وتطبيق ما قاله ياسر عبد ربه عن تشكيل لجنة تحقيق يجب أن تكون مستقلةً حتى تتوصل إلى الحقائق دون زيادة أو نقصان، حتى يمكن محاسبة كل من ارتكب جريمة التنازل عن الحقوق الفلسطينية بصورة مجانية ودون مقابل.

لقد قدمت القيادة الفلسطينية في قمة كامب ديفيد العام 2000 ومباحثات طابا العام 2001، تنازلات حتى لا تتحمّل المسؤولية عن الفشل ولكي تزيد من فرصة نجاح المفاوضات من ضمنها الموافقة على مبدأ "تبادل الأراضي"، والذي يشمل الاستعداد للموافقة على ضم أراض فلسطينية في القدس الشرقية والضفة الغربية لإسرائيل لأنها ترى أن هذه الأراضي ضرورية لها أمنياً أو عسكرياً أو لأن كتلاً استيطانيةً كبيرةً تقام عليها، وهو مبدأ خطير يعطي لإسرائيل شرعية ضمنية لإقامة الاستيطان ويكسر مبدأ الانسحاب من الأراضي المحتلة العام 1967 قبل أن تعترف إسرائيل بأنها محتلة وقبل أن توافق على الانسحاب، ولكن عندما انهارت المفاوضات قال الرئيس الراحل ياسر عرفات: "علينا أن نشطب كل ما حصل ونبدأ من تاني من أول وجديد"، وعاد إلى خيار المقاومة المسلحة حتى تحقق ما عجزت المفاوضات عن تحقيقه، وقضى شهيداً قبل أن يحقق حلمه التاريخي بإقامة الدولة الفلسطينية.

لقد قطعت المباحثات السابقة شوطاً واسعاً ودخلت في نسب التبادل وفي الكتل الاستيطانية التي ستضم إلى إسرائيل وتلك التي لم يتم الاتفاق عليها، ووصلت إلى حارة اليهود وحي الأرمن وحائط البراق.

كما أن المباحثات السابقة وصلت إلى حد اتخاذ موقف فلسطيني (وعربي) يتضمن الموافقة على حل متفق عليه لقضية اللاجئين، وهذا يشكل تنازلاً كبيراً لأنه يضع (الفيتو) بيد إسرائيل التي قامت على حساب الشعب الفلسطيني وشردت اللاجئين ولا توافق على عودتهم إلى أراضيهم، وأن هذه القضية يمكن أن تحل وفقاً لمعايير الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والتي لا تتضمن سوى عودة رمزية لجزء من اللاجئين إلى داخل مناطق 1948 وعلى أساس لم الشمل وليس تطبيقاً لحق العودة.

أن أهمية الوثائق أنها بيّنت مدى تعنت إسرائيل وعدم استعدادها للسلام مهما وصلت التنازلات الفلسطينية. فبدلاً من التجاوب مع المواقف الفلسطينية فتحت إسرائيل شهيتها للحصول على المزيد من التنازلات الفلسطينية وصولاً إلى فرض الحل الإسرائيلي على الفلسطينيين.

إذا كانت وثائق الجزيرة صحيحةً، فإنها كشفت عن أن القيادة الفلسطينية لا تزال تتبنى هذه المواقف ومضت أبعد في هذا الاتجاه، على الرغم من فشل كامب ديفيد ومباحثات طابا، وعلى الرغم من المواجهة الدموية التي تفجرت منذ 28/9/2000، التي تحولت فيها إسرائيل وبعدها نحو المزيد من اليمين والتطرف والعنصرية، لدرجة أن حكومة نتنياهو الحالية أعلنت رفض استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها المفاوضات السابقة، وأنها لا تلتزم بالمواقف التي عبّرت عنها الحكومات الإسرائيلية السابقة، بما فيها حكومة أولمرت التي أجرت مفاوضات مع القيادة الفلسطينية وقطعت شوطاً واسعاً وبلورت نوعاً من التفاهمات حول العديد من القضايا، كما دأب الرئيس أبو مازن على الحديث، وكما كرر صائب عريقات عشرات المرات.

إن الرد الفلسطيني على تنكر إسرائيل وتعنتها ينبغي أن يكون سحب المواقف التي طرحت سابقاً، بكل التنازلات التي انطوت عليها، والعودة إلى نقطة الصفر، وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، برنامج إنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس. فإذا كانت إسرائيل قد تجاوزت اتفاق أوسلو كلياً ولم تطبق الالتزامات الإسرائيلية فيه وفي خارطة الطريق، وتريد أن يبقى الجانب الفلسطيني ملتزماً بالتزاماته السياسية والاقتصادية والأمنية، خصوصاً لجهة استمرار الاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني معها ومحاربة المقاومة المسلحة ضدها، والالتزام باتفاقية باريس الاقتصادية، فعلى فلسطين أن تتصرف على قاعدة المعاملة بالمثل، وعلى القيادة الفلسطينية أن تعتبر نفسها بحل من الاتفاقات والالتزامات السابقة، وخصوصاً أن أي اتفاق مفترض حتى يطبق يجب أن يتوفر فيه مبدأ التبادلية بوصفه شرطا أساسيا لتطبيقه، فلا ينفع، ومن الإهانة للكرامة الوطنية ويشكل مساساً بالحقوق أن يلتزم طرف باتفاق يتنكر له الطرف الآخر بشكل كلي.

تأسيساً على ما تقدم، ومع أهمية أن تقوم وسيلة الإعلام بدورها، بنقل المعلومات والآراء حتى تحوز أكبر نسبة من المشاهدين إلا أن هناك أغراضاً سياسيةً تؤثر على الدور الإعلامي الذي تقوم به الجزيرة. لذا فإن توقيت عرض الجزيرة للوثائق يطرح أكثر من علامة سؤال؟

فالقيادة الفلسطينية على الرغم من مرونتها البالغة، وتنازلاتها المخلة، وصلت إلى قناعة الآن بضرورة وقف المفاوضات، وهذا يستحق التأييد وبدأت بالبحث عن بدائل أخرى أو التلويح بها، وشرعت باعتماد بعضها مثل اللجوء إلى مجلس الأمن، والسعي للحصول على الاعتراف بالدولة الفلسطينية من دول العالم، وتعزيز المقاومة الشعبية ومقاطعة الاستيطان، ما عرّضها لضغوط أميركية وإسرائيلية مرشحة للتزايد.


صحيح أن عينها لا تزال على المفاوضات وتراهن على استئنافها، ولكنها بدأت بالجمع بين المفاوضات وبدائل أخرى، ويجب تشجيعها والضغط عليها لكي تخرج نهائياً من مسيرة المفاوضات وتبلور بدائل حقيقيةً جديةً، لأن المفاوضات فشلت سابقاً، ومحكوم عليها بالفشل لاحقاً، لأن المفاوضات لن تحرر الأرض ولا تحقق فيها في أحسن الأحوال سوى ما تحصل عليه فعلاً على الأرض. فالمفاوضات تجري في ظل الانقسام الفلسطيني، ومع اختلال فادح في ميزان القوى، وتخلي حكام العرب عن القضية الفلسطينية فعلياً وعن أدوات الضغط العربية، ومع عدم رغبة إسرائيل بتحقيق تسوية وإنما تسعى إلى فرض الحل الإسرائيلي.

إن نشر الوثائق يضعف السلطة ويمس مصداقيتها ويمكن أن يصب في الضغوط الممارسة عليها لاستئناف المفاوضات وفقاً للشروط الأميركية والإسرائيلية حتى تقبل الدولة ذات الحدود المؤقتة التي عرضها ليبرمان وقبله ديسكين وموفاز ويعلون ويؤيدها سراً وعلناً نتنياهو.

أن بمقدور القيادة الفلسطينية أن تقلل الخسائر والأضرار إلى أدنى حد، تمهيداً للبدء في التقدم إلى الأمام من خلال إعطاء الأولوية الحاسمة لإنهاء الانقسام على أساس البرنامج الوطني وتفعيل (م.ت.ف) بحيث تضم الجميع على أسس ديمقراطية تضمن الشراكة الحقيقية ووضع إستراتيجية جديدة قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية.

إن طريق أوسلو فشل ويجب إعلان هذا الفشل والتصرف على هذا الأساس، والاستعداد لشق طريق جديد قادر على الانتصار، وعلى تحقيق الحرية والعودة والاستقلال!! .

 

مشاركة: