الرئيسية » هاني المصري »   26 أيلول 2009

| | |
بعد القمة الثلاثية وخطاب أوباما "ذاب الثلج وبان المرج"
هاني المصري

عشية الانتخابات الاسرائيلية والاميركية اتخذت القيادة الفلسطينية قرارا يقضي بعدم استئناف المفاوضات الا بعد توفير عدد من المتطلبات اهمها تجميد الاستيطان تجميدا تاما.

استقبل هذا القرار بتأييد وترحيب فلسطيني عارم، لأنه يصحح ولو جزئيا وضعا كان معوجا، يتمثل بإجراء المفاوضات رغم استمرار اسرائيل بخلق الحقائق الاحتلالية على الأرض، ما جعل المفاوضات خدمة صافية لاسرائيل، كونها تعطيها الوقت اللازم لاستكمال المخطاطات الاسرائيلية، وتوفر لها غطاء لما تقوم به على الأرض، وتقطع الطريق على اي تدخل عربي أو دولي لأنها توحي أن عملية السلام حية، وتوهم أنها قابلة للتوصل الى اتفاق سلام.

كان هناك خشية كبيرة من أن يكون وقف الاستيطان ليس أكثر من استجابة للوقت الضائع بسبب انشغال اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية خلال الأشهر الأخيرة من العام 2008 والاشهر الأولى من هذا العام. ولكن بعد نجاح باراك أوباما بالانتخابات الأميركية وتقديمة مقاربة أميركية مختلفة عن سابقه، وتركيزه على ضرورة التوصل لحل للصراع بصورة عامة، وعلى تجميد الاستيطان بصورة عامة، شربت القيادة الفلسطينية حليب السباع، وشددت التزامها بمتطلبات استمرار المفاوضات لدرجة الاعلان عن رفض استئناف المفاوضات والمشاركة بالقمة الثلاثية اذا لم يسبقها التزام اسرائيلي بتجميد كامل للاستيطان.

فجأه بدأ كل هذا الهرم بالانهيار. فبعد الاعلان المتكرر على لسان مصادر فلسطينية مختلفة من أدنى المستويات الى اعلاها عن ان الموقف الفلسطيني لم يتغير ولن يتغير، تمت الموافقة على المشاركة الفلسطينية بالقمة الثلاثية دون التزام اسرائيلي بخصوص الاستيطان او باستئناف المفاوضات من حيث توقفت، فكل ما لدى حكومة نتنياهو لتقديمه مجرد تسهيلات وازالة بعض الحواجز، وكم هائل من المواقف الايدولوجية المتطرفة والعنصرية والشروط التعجيزية المستحيل الموافقة عليها من أية قيادة فلسطينية مهما اعتدلت.

لم نعد نعرف الآن ما هو الموقف الفلسطيني؟ وهل ستلتزم القيادة الفلسطينية بعدم استئناف المفاوضات قبل تحقيق متطلباتها؟ أم ان الانباء التي نفاها الدكتور صائب عريقات عن عقد لقاء فلسطيني ــ اسرائيلي؟ وعن الاتفاق على استئناف مفاوضات في اواخر الشهر القادم هي صحيحة؟ لقد تراجعت ادارة أوباما عن موقفها السابق، ولم تف بوعدها بتجميد الاستيطان، وقاد التراجع الاميركي الى تراجع فلسطيني مماثل، فالرهان الفلسطيني كله على ادارة أوباما. ومن يراهن على غيره يخسر نفسه.

لقد اصرت ادارة أوباما على عقد قمة ثلاثية رمزية رغم انها تعرف انها لن تحقق شيئا، لكي تسوق للرأي العام أنها حققت شيئا بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على جلوسها بالبيت الأبيض، وبعد جولات جورج ميتشل الخمس التي خرج منها بخفي حنين. وبدلا من أن تمارس الضغط على حكومة نتنياهو وتهديدها بالمقاطعة والعقوبات ووقف المساعدات، بعد أن اظهرت للعالم كله بأنها حكومة متطرفة ومعادية للسلام لدرجة أن المتحدث باسمها يتفاخر بعد القمة الثلاثية "بأن نتنياهو صمد وانتصر وانزل أوباما عن رأس الشجرة العالية، دون أن تتأثر العلاقة الأميركية ـ الاسرائيلية، وجعل أبو مازن يضطر الى الانكفاء والانبطاح والتراجع عن شروطه سواء فيما يتعلق بالمشاركة بالقمة الثلاثية أو فيما يخص استئناف المفاوضات".

لم نعد نعرف من نصدق، التصريحات الفلسطينية أم الاسرائيلية، وهذا يحز في نفوسنا، خصوصا بعد التصريحات الفلسطينية المتضاربة وبعد الحديث عن شيء وممارسة شيء آخر معاكس له تماما.

فمن جهة هناك تصريحات فلسطينية تؤكد التمسك برفض استئناف المفاوضات دون تجميد تام للاستيطان وتحديد المرجعية للمفاوضات، وأن الخلاف مع اسرائيل جذري، وضرورة أن تستأنف المفاوضات من النقطة التي وصلت اليها، وليس من نقطة الصفر، وأن نتنياهو مشكلة وليست هناك ارضية مشتركة للحديث معه.

ومن جهة اخرى نرى تصريحات وممارسات معاكسة ترى عدم وجود خيارات اخرى "سوى التحدث مع اسرائيل" والقبول بما طالب به أوباما، الذي بات يرى بأن وقف المفاوضات لا يوقف الاستيطان، وأن الحوارات طوال الأشهر السابقة حققت شيئا، ليس كل ما نتمناه وطالبنا به ولكن من الضروري الاستمرار به والبناء عليه.

لم تحقق الحوارات والجولات شيئا وكل ما قامت به حكومة نتنياهو هو المماطلة والتسويف وتفريغ المطالبة الأميركية والدولية حول تجميد الاستيطان من مضمونها. أما مسألة التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان فما هو سوى خدعة كبيرة، يجب ألا تنطلي على أحد. ان عدم تجميد الاستيطان أفضل ما يحاول نتنياهو بيعه لأنه يعطي للاستيطان شرعية فلسطينية وعربية ودولية ويعطي اسرائيل جوائز عربية عبر اتخاذ خطوات تطبيع عربية مقابل التجميد المؤقت والجزئي للاستيطان، الذي لا يشمل القدس والوحدات الاستيطانية قيد البناء والمرافق العامة.

اذا انتهت مسألة وقف المفاوضات الى استئنافها دون تجميد الاستيطان ولا تحديد مرجعية المفاوضات ولا جدول زمني، والانطلاق من نقطة الصفر ووسط التأكيدات الاسرائيلية على مواقف الحد الأقصى والشروط التعجيزية فإنها ستقود الى مفاوضات اسوأ من المفاوضات العبثية السابقة.

اذا كانت الخيارات الفلسطينية معدومة، كما تتصور القيادة الفلسطينية فلماذا اصرت طوال عام كامل على ضرورة تجميد الاستيطان قبل استئناف المفاوضات؟

اذا كانت الخيارات الفلسطينية غير موجودة حقا، لماذا وصلنا انفسنا الى هذا الوضع ؟الذي يطرح علينا خيارا واحدا هو مواصلة السير في خيار المفاوضات، الذي ثبت بالوجه الشرعي والقاطع عقمه وانه لن يوصلنا الى اهدافنا بتحقيق الحرية والعودة والاستقلال، ولا حتى الى دولة فلسطينية حقيقية مقابل التخلي عن قضية اللاجئين !!!

لماذا لا نفتح الطريق ولا نستعد لاعتماد الخيارات والبدائل الاخرى، لأن الذي لا يملك خيارات أخرى ليس امامه سوى القبول بما يطرحه عليه عدوه، او الاستمرار بلعبة المفاوضات العبثية حتى اشعار آخر.

ان الذي يصر على السير في طريق المفاوضات يجد نفسه مضطرا في النهاية لقبول ما يعرض عليه من فتات وبقايا بعد الاقرار بيهودية دولة اسرائيل، الذي اصر نتنياهو في خطابه بالامم المتحدة على انه شرط للمضي بعملية السلام والقبول باسقاط قضايا القدس والحدود واللاجئين والاستيطان.

ان ما تريده اسرائيل، ليس اتفاق سلام وانما فرض الاستسلام على الفلسطينيين او الاستمرار في التفاوض معهم الى الابد، دون حل، كما صرح افيغدور ليبرمان وزير خارجية اسرائيل.

المهم ماذا نريد نحن وكيف سنحققه ؟؟

هل نريد الاستمرار في المفاوضات رغم انها بلا افق ؟

لقد "ذاب الثلج وبان المرج" وظهر باراك اوباما، رغم اختلافه عن سابقه، كرئيس عاجز او غير راغب بتنفيذ ما وعد به سواء بخصوص الاستيطان او بالنسبة الى حل الصراع.

ان ما جرى بالنسبة للاستيطان مثّل تراجعا كبيرا قام به الرئيس الاميركي، الذي بات يتحدث الآن عن تقييد الاستيطان بدلا من تجميده، وعن استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، ولم يطرح خطته للسلام، وهذا كله ليس سوى "بروفة" لما يمكن ان يحدث بالنسبة لمستقبل عملية السلام برمتها.

لقد غرق اوباما بالمشاكل الداخلية والخارجية خصوصا بالنسبة لمسألة الصحة العامة وما يجري في افغانستان. واذا استمرت السياسة الفلسطينية عاجزة ودون خيارات وبلا استراتيجية جديدة، وفي ظل الانقسام الفلسطيني، فنحن نسير من السيئ الى الاسوأ، وليس من الانجاز الصغير الى الانجاز الكبير.

 

"فالمكتوب يقرأ من عنوانه".

لم يجرؤ اوباما حتى الآن على طرح خطته للسلام، الذي وعد بطرحها وأجّل عرضها عدة مرات. فبعد ان كان من المتوقع طرحها في خطابه بالقاهرة في حزيران الماضي، تم تأجيلها شهرا وراء شهر الى ان وصلنا الى خطابه بالامم المتحدة، وخلا هذا الخطاب من الخطة واكتفى اوباما بتكرار المبادئ العامة التي طرحها سابقا ما يدل على ان الارادة الاميركية للضغط الجدي على اسرائيل غير متوفرة، وبالتالي لن تتمكن الادارة الاميركية من حل الصراع، الا اذا وجد طرف فلسطيني يقبل ما تعرضه اسرائيل من حلول تصفوية.

من اجل توفير الحوافز والظروف المناسبة لتوفر الارادة الاميركية والدولية للضغط على اسرائيل على الفلسطينيين ان يبدأوا بتغيير انفسهم. عليهم ان يثبتوا للجميع ان لديهم خيارات وبدائل اخرى، لا يتحدثون عنها فقط وانما يستعدون فعلا لممارستها.

فمثلما فجر الشعب الفلسطيني، الثورة وراء الثورة والانتفاضة وراء الانتفاضة، بمقدوره ان يثبت انه قادر على تفجير انتفاضة ثالثة تتجاوز الاخطاء والخطايا السابقة وتحقيق ما عجزت عن تحقيقه الثورات والانتفاضات السابقة.

ففي انتفاضة العام 1987 حقق الشعب الفلسطيني اعتراف العالم واسرائيل به كشعب دون الاعتراف بحقوقه.

وفي انتفاضة العام 2000 "المغدورة" التي تحل ذكراها العاشرة بعد غد، استطاع ان يحصل على اعتراف العالم واسرائيل بحقه بإقامة دولة فلسطينية دون الاعتراف بسيادتها وحدودها وعاصمتها.

ويستطيع من خلال تفجير انتفاضة شعبية سلمية جديدة ان يحقق اهدافه بالحرية والعودة والاستقلال.

ان الشعب الفلسطيني يملك خيارا آخر غير المفاوضات العبثية، خيارا يقوم اولا واساسا على توفير مقومات الصمود على الارض والدفاع عنها، وانهاء الانقسام واستعادة الوحدة، ومقاومة الاحتلال مقاومة مثمرة، ومقاطعة الاستيطان عملا وتعاملا وتجارة في فلسطين وكل انحاء العالم، والتمسك بالبرنامج الوطني ووقف تآكله المستمر، والمبادرة بخلق الحقائق على الارض التي تؤكد الحق الفلسطيني، والجدارة الفلسطينية، وعدم العودة الى المفاوضات العبثية بأي حال من الاحوال، واعادة ملف القضية الفلسطينية الى الامم المتحدة ومجلس الامن، بعيدا عن الرعاية الاميركية الانفرادية، وعن اختراع اللجنة الرباعية، واللجوء الى استنفار الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وتفعيل البعد العربي والاسلامي والدولي المناصر للقضية الفلسطينية، وملاحقة اسرائيل على جرائمها ضد الانسانية في كافة المحاكم الوطنية والدولية وتفعيل الرأي الاستشاري لمحكمة لاهاي، ودعم وتشجيع معسكر السلام باسرائيل، والتمسك بمبادرة السلام العربية وتسليحها بالانياب، والاصرار على ضرورة الموافقة الاسرائيلية عليها قبل الدخول بأية مفاوضات ورفض كافة اشكال التطبيع مع اسرائيل قبل اقرارها بالحقوق الفلسطينية والعربية، والسعي لاقناع الدول العربية بسحب السفراء واغلاق المكاتب اذا استمرت اسرائيل باحتلالها وموقفها المتعنت، تمهيدا لالغاء معاهدات السلام المصرية والاردنية.

ان فتح الطريق امام خيارات فلسطينية وعربية اخرى هو مفتاح شق طريق الامل طريق الاعتماد على الذات والابتعاد عن الانتظار القاتل والمبادرة باستمرار بعيدا عن ردود الافعال.

هذاهو الطريق القادر على تحقيق الاهداف الفلسطينية

 

مشاركة: