الرئيسية » هاني المصري »   24 أيار 2011

| | |
بعد سقوط وهم أوباما، ما العمل؟
هاني المصري

خلال ثلاثة أيام فقط أطاح أوباما بالجملة الوحيدة الجيدة بخصوص فلسطين التي وردت في ثنايا خطابه يوم الخميس الماضي، وتضمنت الإشارة إلى إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود 1967، ففي خطابه يوم الأحد ظهر أوباما بوصفه صهيونيًا ينافس نتنياهو، أو أكثر منه صهيونية كما قال التلفزيون الإسرائيلي.

جملة واحدة في الخطاب الأول لم تكن كافية لحجب الحب الذي يقطر سُمًا لإسرائيل. وأكد أوباما على يهودية إسرائيل، وإن بلاده ستقاوم المحاولات لنزع الشرعية عنها، وأن الإدارة الأميركية ستسعى لإفشال المحاولات الفلسطينية وستفشل، وعبّر عن تحفظه على المصالحة الفلسطينية واضعًا الاتفاق بشأنها تحت الاختبار، وتبنى السياسة الإسرائيلية عن الانسحاب المتدرج وتأجيل قضيتي القدس واللاجئين التي تقود في أحسن الأحوال إلى الدولة ذات الحدود المؤقتة.

 

 

 

ورغم كل هذا السم المتغلغل في الخطاب وجدنا من يهلل له فلسطينيًا وعربيًا، لدرجة اعتبار أن الموافقة الإسرائيلية على مبادئ أوباما كافية لاستئناف المفاوضات، والتداعي للبحث في كيفية تشجيع أوباما لتطبيق مبادئه.

هذا الموقف الأحول يفتقر للحنكة السياسية أن لم نقل للكرامة أيضًا، لأن المفترض أن ترحب بالجيد وتعارض السيء لا تقبل السيء بحجة أن هناك شيئًا جيدًا.

الذريعة التي قدمت لتفسيره أن نتنياهو رفض حديث أوباما عن حدود 1967 وهذا سيفتح الباب لأزمة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وبالتالي لا يجب اتخاذ موقف أحمق يمنع نشوب هذه الأزمة ويحمل الفلسطينيين والعرب المسؤولية عن استمرار جمود عملية التسوية بدلًا من تحميلها لإسرائيل.

لم ينفع الموقف المرحب بخطاب أوباما الأول ولم تنشب أزمة، بل سارعت الإدارة الأميركية عبر ناطقين باسمها لم يعرّفوا عن أنفسهم؛ بتقديم تفسيرات لإسرائيل بأن نتنياهو لم يفهم مغزى خطاب أوباما وأنه موجه أساسًا لمنع نزع الشرعية عن إسرائيل، ولإحباط المسعى الفلسطيني للحصول على الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية في شهر أيلول القادم، لدرجة أن مسؤولا أميركيا قال: إن أوباما لن يكتفي بتنفيذ ما أعلنه عن إقناع الدول في العالم لعدم الاعتراف بالدولة، بل سيلعب دور السفير المتجول ويزور عدة دول أوروبية؛ لإقناعها بعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن أجل دعم المساعي الأميركية لاستئناف المفاوضات بدون شروط أي وفق الشروط الإسرائيلية.

جاء الرد على أوباما ليس من إسرائيل وإنما من أوباما بنفسه وذلك في خطابه أمام المؤتمر السنوي ل"إيباك"، الذي ذكر فيه أمن إسرائيل 23 مرة ولم يذكر القدس ولا أمن فلسطين ولا مرة واحدة، وأن بلاده ستدافع عن أمن إسرائيل لأنه أولوية لا يمكن أن تتزعزع، وأوضح أن حديثه السابق عن حدود 1967 تم تفسيره بشكل خاطئ، لأن تبادل الأراضي بين إسرائيل وفلسطين يعني أن الحدود الجديدة تختلف عن حدود67، للأخذ في الاعتبار الحقائق الديمغرافية الجديدة على الأرض، وهذا يعني حق إسرائيل بضم الكتل الاستيطانية وكل الأراضي التي تعتبر أنها مهمة لأمنها.

وتطرق أوباما الصهيوني هذه المرة، لدرجة أن التلفزيون الإسرائيلي وصف خطابه بأنه إسرائيلي أكثر من نتنياهو نفسه، إلى اتفاق المصالحة ووصفه بأنه يشكل عقبة كبيرة في طريق السلام ما دامت حماس لا تعترف بإسرائيل، مضيفًا بأنه لا يمكن قيام دولة بالتفاوض مع منظمة إرهابية مصممة على تدميرها، وقال : إننا سنضغط على حماس لكي تعترف بإسرائيل، ودعاها إلى رفض العنف والموافقة على الاتفاقات القائمة عليها، وإطلاق سراج الجندي جلعاد شاليت، أيمكن لشعب تحت احتلال أن يفاوض المحتل، رغم كل ما يقوم به؟

وتبنى أوباما في خطابه المفهوم الإسرائيلي للأمن والترتيبات الأمنية، وقال: إن اسرائيل يجب أن تكون قوية ومتفوقة عسكريًا في منطقة الشرق الأوسط، وقادرة على الدفاع عن نفسها ضد أي تهديد، لذلك يجب أن تكون بنود الاتفاق قوية بالقدر الذي يحول دون استئناف الأنشطة الإرهابية ووقف تهريب الأسلحة وتوفير الأمن الفعال عند الحدود، وقال أنه حتى في اللحظة التي نختلف فيها كأصدقاء، لكن التزامنا بأمن إسرائيل هو التزام صخري ثابت لا ينكسر.

لقد حَرصت على تقديم هذه المقطتفات التي قد تعكس جوهر الخطاب، ولكنها لا تعكس روحه والعاطفة التي عبر فيها أوباما عن تأييده لإسرائيل؛ حتى يتضح للقاصي والداني أن أوباما انحاز لإسرائيل بصورة أكثر من أي وقت مضى، وربما أكثر من معظم الرؤساء الأميركيين، لأنه يريد أن يفوز بولاية رئاسية ثانية، وفرصته بالفوز هو إرضاء اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية.

ورغم أن السقوط المريع لأوباما يكشف زيف ادعاءاته عن دعم الثورات العربية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لأن من يؤمن حقا بهذه القيم لا يمكن أن يعطل استخدامها كليا، عندما يصل الأمر إلى إسرئيل، فبدلا من الضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها وتعنتها، والاعتراف بالحقوق الفلسطينية كطريق للتوصل حتى إلى تسوية متوازنة وليست عادلة، يطالب فيها الضحيةُ بالاعتراف بالجلاد والامتناع عن حقها في الدفاع عن نفسها، والالتزام بالاتفاقيات كافة التي لا يلتزم بها الجلاد.

إن أوباما الجديد يلتزم تمامًا بما تريده إسرائيل، ولم يعد يطالب بوقف الاستيطان، وإنما عندما يختلف معها، كما صرح مسؤول أميركي، فإنه يفعل ذلك حرصًا على مصلحة إسرائيل، لأن قيام الدولة الفلسطينية بات أكثر وأكثر بعد الثورات العربية مصلحةً إسرائيليةً؛ حتى لا تنعكس تداعيات هذه الثورات سلبًا على إسرائيل.

المهم الآن هو الاستجابة الفلسطينية لخطاب أوباما، وهل تستمر السياسة الفلسطينية بالانتظار والتعلق بأذيال الأوهام عن الدور الأميركي، وعن إمكانية أن تضغط أميركا على إسرائيل لقيام دولة فلسطينية، وأن هذه الدولة قريبة وعلى مرمى حجر؟ أم على القيادة والقوى التي راهنت على المفاوضات والتسوية استخلاص الدروس والعبر، وتؤمن حقًا بما سبق أن أعلنته ولم تسير عليه، وهو أن طريق المفاوضات والرهان على الأدارة الأميركية قد سقطا ووصلا إلى طريق مسدود، وأن الفلسطينيين بحاجة ماسة لشق مسار سياسي جديد يستند إلى إستراتيجية جديدة قدرة على توحيد الفلسطينيين أينما كانوا، على أساس برنامج وطني سياسي ونضالي قادر على تحقيق الأهداف الوطنية. مسار سياسي جديد أصبح له أفقًا بعد رياح التغيير والثورات العربية.

ليس المطلوب الضغط على "حماس"، لتوافق على شروط اللجنة الرباعية الظالمة، التي هي أصلا شروط إسرائيلية، وليس المطلوب كذلك إجراء مصالحة شكلية تقوم على تقاسم جغرافي ومكتسبي انتظارًا للمجهول، وإنما المطلوب مصالحة حقيقية تقوم على برنامج وطني يحمي التعددية، ويرتكز إلى الالتزام بالأهداف والحقوق، ويعطي الأولوية لتوفير مقومات الصمود والمقاومة الشاملة المثمرة والمتفق عليها، والتي تستند إلى مرجعية وطنية موحدة؛ تعيد المكانة لخطاب الحقوق والحرية والمساواة والكرامة، وتركز على مقاطعة إسرائيل اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا وأكاديميًا، وعلى إعادة البعد العربي للقضية الفلسطينية، والعمل على تعظيم حركة التضامن الدولية، واللجوء إلى المؤسسات والمحاكم الدولية، حتى نستطيع محاصرة إسرائيل وفرض العقوبات والعزلة عليها.

إن اللجوء إلى المؤسسات الدولية أمر مهم، ولكنه لوحده لا يقيم دولة على الأرض ولا يؤدي إلى حل عادل أو متوازن، لأن القرار الدولي لا يرتكز إلى الحق والعدل والقانون وإنما إلى القوة والمصلحة، ويجب على الفلسطينيين (مستفيدين من الربيع العربي، وبداية انتقاله إلى الفلسطينيين كما يدل على ذلك ما حدث في 15 أيار) جمعُ أوراق القوة والضغط والاستعداد لمعركة طويلة؛ تهدف إلى جعل الاحتلال مُخَسِّرًا لإسرائيل ومن يدعمها، خصوصًا الولايات المتحدة الأميركية، فعندها يمكن فرض حل يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، فالمفاوضات الثنائية بدون أسس ومرجعية ووقف للاستيطان ومع كل ما يقوم به الاحتلال من فرض حقائق احتلالية فشلت، وكان محكوم عليها بالفشل، وأدت إلى تآكل البرنامج الوطني.

ولا بد من إستراتيجية تركز على الكفاح الذي يزرع على أرض الصراع ويفتح الطريق لاحقًا للحصاد من خلال مفاوضات تعقد في إطار مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، يستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويكون واضحًا منذ البداية أن هدفه التوصل لإنهاء الاحتلال وتطبيق القانون الدولي والقرارات الدولية وليس التفاوض حولها.

إن الطريق لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة وحق العودة طويل وشاق، ولكن الطريق الآخر لم ولن يوصل إلى الدولة ولا إلى العودة، وإنما يقود إلى محمية إسرائيلية تقام على جزء من الضفة وتسمى دولة يكون مركزها في قطاع غزة، وترتبط أو لا ترتبط بالمعازل مقطعة الأوصال، ضمن تقاسم وظيفي ما بين إسرائيل ومصر والأردن ومثل هذه الدولة العتيدة، لسنا بحاجة لها ولا تقدم لنا إلا حلا تصفويًا للقضية.

 

 

مشاركة: