الرئيسية » هاني المصري »   20 أيار 2008

| | |
بوش يجعل حياة المعتدلين العرب صعبة، بل مستحيلة
هاني المصري

كان الله في عون المعتدلين العرب؛ فبعد إحباطهم من خطاب الرئيس الأميركي بوش في الكنيست الإسرائيلي والذي تجاهل فيه معاناة الفلسطينيين وعملية السلام ووعده بإقامة دولة فلسطينية، وكان فيه صهيونيا أكثر من الصهاينة أنفسهم، وتفوق على رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، كما صرح بذلك عدد من أعضاء الكنيست الإسرائيلي، حيث رفع العلاقة الأميركية الإسرائيلية الى مستوى القداسة، ووعد أثناء زيارته التاريخية لإسرائيل في عيد تأسيسها الستين، بتقديم هدايا سخية لأولمرت أثناء زيارته القادمة لواشنطن المقررة في الشهر القادم من شأنها رفع العلاقات الأميركية الإسرائيلية الى مستوى متقدم أكثر خصوصا فيما مجال تطوير التعاون الاستراتيجي في المجال الأمني. بعد هذا الخطاب وتلك الهدايا وعد بوش الصحافيين بأنه سيتطرق الى الموضوع الفلسطيني وعملية السلام في خطابه أمام منتدى دافوس.


 وفي خطابه المنتظر في شرم الشيخ شن هجوما شديدا على إيران وحزب الله وحركة حماس، وعبر عن الإيمان العميق بإمكان التوصل الى اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين قبل نهاية العام، دون أن يقدم شيئا يساعد في تحقيق هذا الهدف، بل وضع شرطا على الفلسطينيين بضرورة محاربة "الإرهاب" حتى يحصلوا على الدولة الموعودة، وطالب العرب بتجاوز الغضب السابق تجاه اسرائيل، الأمر الذي خلف خيبة كبيرة وإحباطا لدى الفلسطينيين والعرب، خصوصا لدى المعتدلين منهم، الذين علقوا ولا زالوا يعلقون آمالهم عما يمكن أن يقدمه لهم سيد البيت الأبيض، رغم أنه قضى حوالي ثماني سنوات في الرئاسة الأميركية، أثبت فيها أنه أكثر الرؤساء الأميركيين دعما لإسرائيل، لدرجة أنه قدم ورقة الضمانات الاميركية التي اعتبرت وعد بلفور الأميركي لإسرائيل. ولم يقتصر إحباط العرب المعتدلين مما تقدم، بل هالهم عودة الرئيس الأميركي الى المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، لأن تحقيق تقدم في الشرق الأوسط يتطلب اصلاحات اقتصادية مصحوبة في الوقت ذاته بإصلاحات سياسية. وانتقد بوش السياسات المعهودة كثيرا في الشرق الأوسط، حيث تكون البلاد عبارة عن رئيس أوحد في السلطة ومعارضة في السجن، وقال إن أميركا قلقة جدا من وضع السجناء السياسيين في المنطقة، ومن وضع الناشطين الديمقراطيين الذين يضطهدون ويقمعون، ومن إغلاق الجرائد ومنظمات المجتمع المدني وأضاف: حان لدول الشرق الأوسط أن تكف عن هذه الممارسات وأن تطلق السجناء وتشركهم بالحوار السياسي. إن بوش مخادع لأنه تخلى عن دعوته للإصلاح والديمقراطية عندما وجد أن "حماس" فازت في الانتخابات الفلسطينية وأن "الإخوان المسلمون" حققوا نتائج جيدة في مصر، وعاد لإعطاء الأولوية للاستقرار وما يعنيه ذلك من دعم للأنظمة القائمة، وبذلك يثبت أن الديمقراطية أداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية وهي وتجعلها تكون على مقاس المصلحة الأميركية أو لا تكون أبدا. إن عودة بوش لنبش مسألة الإصلاح والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط تهدف لتحقيق عدة أهداف أولها: أنه يريد أن ينهي عهده وهو يطرح هذه القضايا الهامة حتى تسجل في سجله في محاولة لتبييض صفحته السوداء. وثانيا: أن بوش يريد أن يسلط الأضواء على قضية الإصلاح والحريات الديمقراطية لحرف الأنظار عن القضايا الأخرى التي أخفق فيها إخفاقا تاما، خصوصا قضايا إيران والعراق ولبنان وفلسطين وسورية وأفغانستان وغيرها. وثالثا: يريد أن يقول لملوك ورؤساء المنطقة أن يقبلوا بالسياسة الأمريكية خصوصا في مجال الدعم المطلق لإسرائيل حتى وإن كانت سياسة مهينة لهم، وألا فإنه سيفتح مجددا ملفات الاستبداد السياسي والفساد المستشري في بلادهم والأقليات والحريات. ورابع الأسباب التي دفعت بوش الى نبش قضية الإصلاح والديمقراطية هو: غسل يديه من وعده بإقامة الدولة الفلسطينية لأن السبعة اشهر الباقية على رئاسته لن تحمل تنفيذ هذا الوعد لأن إسرائيل غير جاهزة للسلام وتريد أن تفرض على الفلسطينيين الاستسلام الكامل وتصفية قضيتهم من كافة أبعادها، وهم غير جاهزين لذلك، لذلك أخذ بوش يتخلى عن وعده ويتحدث عن الاتفاق على ماهية الدولة وحدودها كهدف للتحقيق خلال هذا العام. فأكثر الفلسطينيين اعتدالا لا يستطيع أن يقبل الحد الأقصى الذي يمكن أن تطرحه اسرائيل، والذي يتضمن تصفية قضية اللاجئين والاحتفاظ بمعظم القدس والكتل الاستيطانية والسيطرة على الأغوار وإقامة دولة فلسطينية في حدود الجدار، وضمن مقومات تجعلها محمية إسرائيلية ولا تحمل من مقومات الدول سوى الاسم. والدولة الفلسطينية لا يمكن أن تقيم مؤسساتها القوية والشفافة وتحارب "الإرهاب" وتحقق الإصلاح والتنمية وأرضها تحت الاحتلال. فمن يريد السلام ويريد دولة عليه أن يعطي الأولوية لإزالة الاحتلال. إن ما سبق لا يعني أن الإدارة الاميركية ستكف عن محاولاتها لفرض اتفاق على الفلسطينيين خلال هذا العام، اتفاق يكون إعلان مبادئ أو اتفاق إطار أو مهما كان اسمه، يساعد إدارة بوش على الادعاء بأنها أنجزت شيئا في ملف الصراع في الشرق الأوسط، ويساعد حليفتها الاولى اسرائيل، ويساعد ايهود أولمرت على البقاء في الحكم وربما النجاح في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، ويعطي للرئيس أبو مازن ورقة تساعده على الاستمرار في المفاوضات التي لم تتقدم ولم تحقق سوى نتائج كارثية من خلال قيام اسرائيل باستخدامها للتغطية على استمرار العدوان والاستيطان والجدار وخلق الحقائق على الأرض التي تجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عمليا. إن السياسة الاميركية في عهد بوش جعلت حياة المعتدلين العرب صعبة، إن لم أقل مستحيلة، والرد عليها لا يكون بالاستمرار في نفس السياسة الفلسطينية والعربية التي تجاهلت العرب ومصالحهم وحقوقهم والاستخفاف بهم أمام العالم كله. الحل يكمن في جعل كل الخيارات والبدائل مفتوحة، وليس الحديث فقط عن إبقائها مفتوحة، والبقاء عمليا تحت رحمة الخيار الواحد الذي أدخلنا في متاهة لا نعرف كيف نخرج منها؟

 

مشاركة: