الرئيسية » هاني المصري »   29 تشرين الثاني 2008

| | |
بيان القاهرة: لم يشف صدر السلطة ولم يقطع مع "حماس"
هاني المصري

لم يكن ممكناً أن يخرج اجتماع وزراء الخارجية العرب بقرارات حاسمة تنهي الحصار المفروض على غزة، وتوفر مستلزمات بدء الحوار الوطني الفلسطيني بصورة تدفعه للتوصل بسرعة الى اتفاق قادر على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وتضع سياسة عربية جدية ومختلفة عن ما يسمى عملية السلام ومسار انابوليس الذي أدى الى مفاوضات عقيمة تدور حول نفسها من دون اتفاق، وبصورة مكنت اسرائيل من استخدامها للتغطية على استمرارها بسياسة فرض الحقائق على الأرض التي تقطع الطريق على قيام دولة فلسطينية حقيقية، وعلى إمكانية التوصل لاتفاق سلام يوفر الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

إن ما حال دون اتخاذ القرارات العربية الحاسمة القادرة على إحداث اختراق، هو انقسام الدول العربية الى محورين: محور الاعتدال ومحور الممانعة، حيث انحاز كل محور منهما الى أحد أطراف الصراع الفلسطيني الداخلي، ما جعل اجتماع وزراء الخارجية العرب يستمر أكثر من 11 ساعة، وشهد مشادات كلامية بين وليد المعلم وزير الخارجية السوري وصائب عريقات رئيس الوفد الفلسطيني، ما جعل البيان الختامي يحتاج الى عملية قيصرية حتى يخرج الى النور بصورة حملت بداية تحرك عربي رسمي ضعيف بإرسال مساعدات الى غزة، وتثمين الجهود والمبادرة المصرية والدعوة لاستمرارها من دون تحديد كيف ولا متى.

في هذا السياق، جاء بيان وزراء الخارجية توفيقياً ولم يشف صدر السلطة، لعدم تلبية كل مطالبها وخصوصاً المطلب المتعلق بتحميل المسؤولية لحماس جراء عدم انطلاق الحوار الوطني حتى الآن، ولأن ما تضمنه من دعوة الرئيس لمواصلة مهامه جاء مشروطاً ضمنياً بتخليه عن دعوته لإجراء الانتخابات في ظل الانقسام إذا لم تبدأ حماس بالحوار حتى بداية العام القادم.

إن النتائج الضعيفة لاجتماع وزراء الخارجية العرب تلقي الكرة مجدداً في الملعب الفلسطيني، وتؤكد لكل الفرقاء الفلسطينيين أنهم إذا لم يقلعوا شوكهم بأيديهم لن يتمكن أحد من قلعه بالنيابة عنهم، فالعرب لن يعطوا في ظل خلافاتهم "الكريدت" لمصر لتحل الانقسام الفلسطيني وحدها، فكل دولة، خصوصاً من الدول المحورية، يجب أن يكون لها نصيب. وحتى الدول المعتدلة تتنافس فيما بينها على الأدوار في لبنان وفلسطين والسودان.. الخ، وعلى من يمثل العرب في اجتماع العشرين، حيث احتجت مصر على تمثيل السعودية، ما يرمي بذيوله على الجهود العربية لإنهاء الانقسام الفلسطيني، ويدخل الأردن على ملف التهدئة بين حماس وإسرائيل.

إن اتفاق الدوحة تحقق ليس لأن قطر دولة عظمى ليس لإرادتها راد أو معترض، بل لأن الفرقاء اللبنانيين أدركوا أنهم إذا لم يتفقوا حتى ولو بشروط الحد الأدنى، فإن لبنان سيندفع سريعاً في أتون الحرب الأهلية، التي لن تبقي ولن تذر وسيخرج منها الجميع خاسراً.

وإذا لم يدرك الفرقاء الفلسطينيون أن استمرار الانقسام وتحوله الى انفصال دائم أو مفتوح على المجهول، سيدفع فلسطين الى أتون حرب أهلية، لا تبقي ولا تذر، وسيخرج منها الجميع بالخسارة. فلن تتمكن حماس من الحفاظ على سيطرتها الانفرادية على غزة وتنتقل بعد ذلك للسيطرة على الضفة والسلطة برمتها والمنظمة والقرار الفلسطيني، لأن الثمن المطلوب منها دفعه هو نفس الثمن المدفوع من قبل فتح والسلطة والمنظمة، والمطلوب استكمال دفع الباقي، وهو الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والإرهاب، والالتزام بالاتفاقات الفلسطينية - الإسرائيلية، والتفاوض مع اسرائيل والتوصل لاتفاق يصفي القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها تحت اسم التوصل الى سلام عادل ونهائي ودائم.

فهل حماس مستعدة لدفع الثمن الذي دفعته المنظمة، والمضي أكثر ودفع ما ترفض أو تتردد المنظمة بدفعه حتى الآن؟

فحماس لن تتمكن من الحصول على الاعتراف الأميركي والإسرائيلي بها، ما لم تغير جلدها، ولا كسر الشروط الإسرائيلية والدولية ونحن تحت الانقسام، الأمر الذي يجعل كل الأطراف الفلسطينية إزاء اسرائيل أضعف وأضعف باستمرار.

وفي ظل الانقسام، تسعى اسرائيل للإسراع في تطبيق المشاريع الاستعمارية والتوسعية والعنصرية والاستيطانية، وقطع الطريق على الجهود والمبادرات العربية والدولية لحل الصراع وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، عبر فرض حل أمني منقوص مع سلطة حماس في غزة، وحل أمني وسياسي منقوص مع السلطة الفلسطينية المسيطرة في الضفة، تكرس من خلالهما تصفية للقضية الفلسطينية بأيدي أبنائها والمناضلين باسمها.

والسلطة في ظل الانقسام لن تتمكن من التوصل الى اتفاق مع اسرائيل يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ولن تتمكن من الحفاظ على المكتسبات الفلسطينية، المتمثلة بوحدة الشعب والكيان والتمثيل والحقوق التاريخية والراهنة، وإنما ستضيع الإنجازات التاريخية من دون تحقيق إنجازات جديدة.

فالمطروح إسرائيلياً لا يلبي الحد الأدنى من مطالب وحقوق ومصالح الفلسطينيين، وإذا فاز اليمين الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو، كما تشير الاستطلاعات الإسرائيلية، ستظهر الحقائق بوضوح أكبر، والتي تمد لسانها ساخرة من كل أصحاب الأوهام حول السلام القريب، وتؤكد أن اسرائيل غير جاهزة للسلام، وأنها حتى تكون جاهزة له بحاجة الى أكثر من المفاوضات والتمنيات والمطالب والإعلانات، بحاجة الى كفاح فلسطيني على أساس برنامج وطني ديمقراطي واقعي قادر على جذب تأييد ودعم العرب والعالم كله!!

 

مشاركة: