الرئيسية » هاني المصري »   27 تشرين الثاني 2012

| | |
بعدَ صمت المدافع والصَّواريخ
هاني المصري

بعد صمت المدافع والصواريخ، يمكن القول بثقة: إنّ غزة انتصرت على إسرائيل في معركة من حرب طويلة، وتمّ التوصل إلى تهدئة جديدة برعاية نظام محمد مرسي.  وقد تكون هذه التهدئة مجرد استراحة محارب ومقدمة لمعركة أكبر، وبالتالي يجب الاستعداد لها وليس الاستخفاف بقدرات إسرائيل، وتوصيف قوة "حماس" العسكريّة وكأنها قوة عظمى، وقد تؤدي هذه التهدئة إلى ترويض "حماس"، وتأهيلها لتمثيل الشعب الفلسطيني في إطار النظام الجديد، الذي تتم إقامته في المنطقة بزعامة جماعة الإخوان المسلمين، من خلال تجميد المقاومة على الأقل، والتعايش مع الاحتلال في الحد الأدنى، والاعتراف بشروط اللجنة الرباعيّة بصيغتها القديمة، أو بصيغتها الجديدة كحد أقصى.

انتصر الصاروخ على الطائرة والأسلحة الأحدث في العالم بسبب إرادة الصمود والمقاومة، بدليل عدم تحقيق العدوان لأهدافه المتمثلة في استعادة قوة الردع الإسرائيليّة، والقضاء على مخزون المقاومة من الصواريخ، وفرض هدنة طويلة تتمتع فيها إسرائيل بحق المطاردة الساخنة.  لقد حافظت المقاومة بقيادة "حماس" على قدرتها على إطلاق الصواريخ، ولذلك تستطيع الرد على أي عدوان جديد، ولم يتم الاتفاق على نزع سلاح المقاومة ولا على المطلب الإسرائيلي بمنع تهريب السلاح إلى غزة، وسط آمال أميركيّة وإسرائيليّة بأن نظام محمد مرسي سيعمل على تحقيق هذا الأمر، لاسترضاء الإدارة الأميركيّة، وللحد من النفوذ الإيراني، الذي كان واضحًا، بالرغم من الحرص على إخفائه من خلال الصواريخ الفلسطينيّة التي جلها قادمة من إيران.

على أهميّة نص اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنه لم يتضمن من نص على ضرورة إنهاء الحصار، وتضمن من نص على الأعمال العدائيّة الفلسطينيّة والإسرائيليّة في مساواة ما بين الضحيّة والجلاد، ما بين العدوان وبين الشعب الفلسطيني الذي يحق له مقاومة العدوان، فليس المهم نص الاتفاق، وإنما جوهره الذي ينص على وقف العدوان مقابل وقف المقاومة، وذلك لأنه لم يرتبط لآليات تطبيق ومراقبة ملزمة، ما يجعله قائمًا ما دام الطرفان يريدان الاستمرار به، وعندما يقرر طرف أو كلاهما خرقه، فإنه سينهار كما انهارت اتفاقات التهدئة السابقة.

أي عمل حربي كما يقال هو امتداد للسياسة بوسائل عنيفة، وفي ضوء تحقيق الأهداف أو عدمها من الحرب يتم حسم من هو المنتصر ومن هو المهزوم فيها، ومن ضمن التقييم؛ السياق الذي تجري فيه الحرب، والنتائج التي حققتها، وتلك التي يمكن الوصول إليها، فإذا كانت إسرائيل قد خسرت أحد أسبابها في الحرب، إلا أن هناك أهداف أخرى حققتها أو في طريقها نحو التحقيق.

فقد كان من أهم الأهداف السياسيّة لإسرائيل اختبار الوضع العربي الجديد، وخصوصًا الحكم في مصر، ورؤيّة إلى حد هو معني بالحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، وإلى أي مدى سيمارس نفوذه على الفلسطينيين، وخصوصًا "حماس"، لدفعهم لضمان الاستقرار، والحفاظ على التهدئة، ومواصلة الاعتدال لتأهيلها للعب دور إيجابي في المنطقة، ما يفتح المجال أمامها نحو الاعتراف بها كلاعب فلسطيني رئيسي، بمشاركة "فتح" والفصائل الأخرى، وربما قائد للفلسطينيين.  لا يمكن إسقاط مسألة في منتهى الأهميّة ونحن نقيم نتائج المعركة، أن إسرائيل تفاجأت بمدى تجاوب النظام المصري وحرصه على التهدئة وممارسة نفوذه لدى "حماس" من أجل الوصول إليها.

إن معركة "عمود السحاب" مجرد حلقة في سياق سلسلة من الحلقات التي تستهدف كسر إرادة الشعب الفلسطيني، وكي وعيه، وإجباره على قبول ما تعرضه إسرائيل من حلول تصفويّة للقضيّة الفلسطينيّة، أو التعايش مع واقع الاحتلال الراهن وعدم مقاومته، كما تستهدف ترويض "حماس"، وتأهيلها بمساعدة الدور المصري للعب الدور المأمول منها كعنصر أمن واستقرار في المنطقة يبتعد عن محور المقاومة والممانعة ويندمج في محور الاعتدال.

لا يجب التسرع بالقفز والاستنتاج أن "حماس" رُوِّضت فعلًا، أو أنها ستروض حتمًا، وستستخدم الانتصار واستشهاد أحمد الجعبري، مثلما استخدم السادات ثغرة الدسرفوار لعقد معاهدة الاستسلام مع إسرائيل، ومثلما أدى استشهاد "أبو جهاد" والانتفاضة الشعبيّة العظيمة طوال الفترة من أواخر 1987 إلى العام 1991، التي حققت أهم الانتصارات الفلسطينيّة على الإطلاق منصة لعقد اتفاق أوسلو، الذي أجهض الانتفاضة وفتح الطريق أمام ضياع القضيّة الفلسطينيّة.

إن الأمر الحاسم الذي سيحدد إلى أين ستسير "حماس" هو: هل ستمضي في سياسة تغليب سيطرتها الانفراديّة على السلطة وتعليق المقاومة ومسألة الاعتراف العربي والدولي بها وبسلطتها على أي شيء آخر، وتمضي بالتالي في الانقسام الذي يمكن أن يتحول إلى انفصال، أم أنها ستعتمد سياسة أخرى، أصبحت قادرة على القيام بها بعد انتصارها أكثر من السابق، ترتكز على إعطاء الأولويّة الحاسمة لمسألة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة في سياق إعادة تشكيل منظمة التحرير، بحيث تضم الجميع على أساس إحياء المشروع الوطني، وبما يضمن الاحتكام إلى الشعب من خلال إجراء الانتخابات على كل المستويات والقطاعات بشكل دوري ومنتنظم كلما أمكن ذلك، وتحقيق شراكة حقيقيّة لوحدها يمكن أن تعطي الشرعيّة والقيادة لأي طرف فلسطيني؟

على "حماس" أيضًا ألا تبالغ في انتصارها، لدرجة الجزم بأن الحرب البريّة قد انتهت، وأن توازن الردع قد تحقق إلى غير رجعة.  فإسرائيل لا تزال متفوقة عسكريًا، وما منعها من تصعيد الحرب ليس فقط الخشية من الخسائر وعدم القدرة على إنهائها بسرعة، وإنما أنها لم تضع في مهامها في هذه الحرب القضاء على "حماس" أو إسقاط حكمها، كما طالبت أوساط إسرائيليّة متعددة، لأن وجود "حماس" المسيطرة على غزة ساهم في حدوث الانقسام الفلسطيني الذي اعتبره شمعون بيرس واحدًا من أهم الإنجازات الإسرائيليّة، لدرجة وضعه بأهميّة قيام إسرائيل وهزيمة العرب في حرب حزيران 1967.

على "حماس" والفلسطينيين جميعًا ألا ينسوا أن ما دفع الإدارة الأميركيّة، التي ساندت إسرائيل بصورة تجاوزت التوقعات الإسرائيليّة، إلى وضع كل ثقلها لعدم تصعيد الحرب من خلال حرب بريّة؛ لأنها خشيت أن مثل هذه الحرب، في ظل المتغيرات العاصفة في المنطقة العربيّة، يمكن أن تهدد مصالحها في المنطقة، والمساس بمعاهدتي السلام المصريّة والأردنيّة مع إسرائيل، وفتح الطريق نحو حرب إقليميّة أوسع، وحرف الأنظار عما يجري في سوريا، وتقويض النجاحات الباهرة التي حققتها باحتواء الربيع العربي، من خلال نسج تحالف أميركي مع الحكام الجدد، وتحويله إلى بناء تحالف عربي أميركي غربي، وبالتالي إسرائيلي ضد إيران، واذكاء الفتنة بين السنة والشيعة تمهيدًا لضرب النظام الإيراني أو احتوائه أو إسقاطه، بما يحرف الصراع في المنطقة عن طبيعته الأصليّة بوصفه صراعًا تحرريًا وطنيًا ديمقراطيًا يسعى إلى إنهاء الهيمنة الخارجيّة، ومن أجل الحريّة والكرامة والعيش الكريم والاستقلال الوطني، إلى صراع داخل كل بلد عربي، ولعل ما جرى في العراق يجب أن يبقى مثلًا شاخصًا أمامنا، لأن ما يجري في عدة بلدان شهدت أو لم تشهد رياح التغيير هي محاولات لتعميمه، بحيث يصبح الصراع داخليًا، بين العرب أنفسهم، وبينهم وبين إيران، وبين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف، وتبقى إسرائيل خارج الصراع، بالرغم من أنها المصدر الرئيسي للتوتر في المنطقة.

لقد تحقق الانتصار واستعادت المقاومة روحها.  والسؤال هو: إلى أين سيأخذنا هذا الانتصار، هل إلى الوحدة على أساس وطني لنمضي في طريق تحقيق أهدافنا الوطنيّة، أم إلى وحدة تكرس من جديد خيار المفاوضات وعمليّة السلام، التي فشلت سابقًا وستفشل لاحقًا، ولن تقود سوى إلى استمرار الوضع الراهن أو تسوية تصفويّة مؤقتة أو نهائيّة، لأن إسرائيل لا تريد السلام ولا تزال متفوقة عسكريًا، وتجد الدعم الأميركي المطلق والضعف والتخاذل والتمزق العربي، والنفاق الدولي، والفلسطينيون منقسمون وضعفاء، ولا يملكون حتى الآن أسباب القوة الكافيّة التي تمكنهم من تحقيق أهدافهم ولو بالحد الأدنى، أم سيأخذنا هذا الانتصار إلى تأجيج التنافس بين "فتح" و"حماس" من أجل الحصول على الاعتراف الأميركي والدولي والإسرائيلي، ليتقرر من بوابة هذا الاعتراف من سيقود الفلسطينيين "فتح" أم "حماس"؟

Hanimasri267@hotmail.com

 

 

 

مشاركة: