الرئيسية » هاني المصري »   17 تشرين الأول 2009

| | |
فضيحة غولدستون بين المكابرة والمقامرة (2 – 2)
هاني المصري

 

هل فضيحة غولدستون هي التي تفسر ردة فعل حماس التي ظهرت بأشكال مختلفة، أهمها خطاب مشعل الذي شكّل تصعيداً نوعياً في موقف حماس من الرئيس أبو مازن وفتح والمنظمة، ومثل، عوداً على بدء، واستدارة كاملة إلى الوراء؟

هل خطاب مشعل تكتيك لتحسين شروط حماس في المصالحة أم بداية لمرحلة جديدة، مرحلة القطيعة الكاملة؟

لو لم يتراجع الرئيس أبو مازن عن الخطأ الفادح المتمثل بتأجيل تقرير غولدستون جراء الغضب الشعبي، وموقف حركة فتح تحديداً من هذا التقرير، لكنّا نستطيع أن نفهم موقف حماس؟

صحيح أن تراجع أبو مازن ينطوي على المكابرة، فلم يعترف بالخطأ، ولا يحمل بالضرورة تجاوزاً للأسباب والمبررات التي أدت الى ارتكاب هذا الخطأ الفادح، إلا أنه تراجع بدليل أنه قرر إعادة طرح تقرير غولدستون على مجلس حقوق الإنسان، وأيد الطرح الليبي للتقرير في مجلس الأمن.

تستطيع حماس، لو أنها حريصة فعلاً على متابعة تقرير غولدستون، أن تقول إن البند الأول في المصالحة يجب أن يكون تصحيح ما حدث بالنسبة للتقرير، وضرورة إجراء تحقيق محايد ومستقل فيه والمحاسبة عليه، وتجاوز الأسباب التي أدت إليه.

لماذا المغالاة الشديدة في ردة فعل حماس، التي ظهرت في اعتبار أبو مازن "خائناً"، الى حد عدم اللياقة والخروج عن الأصول، كما ظهرت في حديث مشعل بأن "أبو مازن" "فاقد للشرعية"، و"لا يستحق أن يمثل الشعب الفلسطيني"، و"فتح تستحق قائداً أفضل منه"، وأن المطلوب للمصالحة "ترتيب البيت الفلسطيني"، و"إعادة بناء منظمة التحرير"، واعتماد "البرنامج الوطني"، وأن "هذا السقف الذي ترضى به حماس"، أما أنتم (مخاطباً حلفاءه من الفصائل الأخرى، فخذوا السقف الأعلى الذي تريدون). إلى أين مفترض أن يصلوا يا أبا الوليد، إلى الاغتيال!! هل هذا يمثل تجاوزاً وتنكراً لما تم التوصل إليه في الحوار الوطني الشامل والثنائي؟ أم مجرد ردة فعل مؤقتة تستهدف استثمار فضيحة غولدستون بالحد الأقصى؟

لقد تعاملت حماس مع تقرير غولدستون مثل الهدية الثمينة التي هبطت عليها من السماء، لذلك بلعت تحفظاتها السابقة على هذا التقرير، واعتبرت أن ردود الفعل السياسية والشعبية الهائلة على رضوخ القيادة الفلسطينية للضغوطات الأميركية والتهديدات الإسرائيلية، فرصة للانقضاض على السلطة، وانتزاع القيادة، والتهرب من شروط المصالحة المتضمنة في الورقة المصرية التي وافقت عليها حماس قبل فضيحة غولدستون، والتي تعتقد الآن أن بمقدورها أن تصل الى شروط مصالحة أفضل بكثير.

إن حماس من حقها أن تستثمر فضيحة غولدستون، ولكن المبالغة الشديدة تجعلها تقع بالمقامرة، وإذا استمرت بهذا الموقف فإنها قد تهدم البيت الفلسطيني على من فيه. صحيح أن موقف أبو مازن تأثر كثيرا بسبب تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، ولكن ردة فعل حماس المتطرفة جداً المدعومة من بعض الأطراف العربية والإقليمية، وفي ظل تخلي بعض أصدقاء أبو مازن عنه في محنته، أيقظت "الوطنية الفلسطينية" التي أخذت تصيح مرة أخرى "يا وحدنا"، وأن العرب المتخاذلين هم الذين ضغطوا لتأجيل التصويت، وأيقظت "العصبوية الفتحاوية"، فردة فعل حماس حول تقرير غولدستون قزمته وحولته الى تفصيل صغير في حرب فتح وحماس، وأظهرت الأمر وكأنه خطة حمساوية للاستيلاء على السلطة والمنظمة، فعادت فتح، التي انتقدت خطأ تأجيل تقرير غولدستون وطالبت بالتحقيق، للالتفاف حول رئيسها. وعادت الأمور الى صورتها القديمة، فبدلاً من استثمار الإجماع الوطني الذي تحقق ضد الاحتلال الإسرائيلي وملاحقته على جرائمه، فضلت حماس أهدافها الفئوية على المصلحة الوطنية.

تخطىء حماس كثيراً إذا تصورت أن نهاية قيادة فتح للسلطة والمنظمة للشعب الفلسطيني قد أزفت. صحيح أن الخارطة السياسية الفلسطينية تغيرت، وحماس حصلت على الأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي السابقة. لكن انتخابات واحدة لا تكفي حتى تعتبر حماس أنها تستحق القيادة وحدها، إذا فازت حماس مرة أخرى وثالثة يحق لها أن تعتقد أنها الأجدر بالقيادة. القيادة الآن موزعة على الحركتين، وإذا أرادت فتح وحماس الحفاظ على البيت الفلسطيني وعلى المشروع الوطني، عليهما الشراكة معاً ومعهما بقية أطياف الحركة السياسية الفلسطينية، والابتعاد عن التفرد والهيمنة، أو التعايش على الأقل وقبول كل طرف للطرف الآخر، مع تحديد حجم المساحة المشتركة وقواعد العمل السياسي والديمقراطي التي ستنظم المنافسة بينهما.

إن عوامل استمرار وقوة فتح كثيرة وعديدة، داخلية وخارجية، منها أنها صاحبة التاريخ، وصاحبة الرصاصة الأولى وتمثل الشرعية المعترف بها عربياً ودولياً وتحظى بدعم عربي ودولي كبير، وأنها وهذا هو الأهم، لا تزال تنطلق من أرضية وطنية.

فرغم كل المرونة الزائدة التي وصلت أحياناً إلى حد التفريط، ورغم اتفاق أوسلو وملحقاته والسير وراء سراب المفاوضات وعملية السلام لدرجة أن المفاوضات غدت حياة وأيديولوجية، ورغم التنسيق الأمني مع إسرائيل ووقف المقاومة والفساد، لا تزال فتح والقيادة الفلسطينية بمجملها تقف في الصف الوطني، فهي تريد حلاً لا ترضى عنه إسرائيل رغم كل ما يتضمنه برنامجها وأداؤها من تنازلات، وهذا بالضبط، أي رفضها لما تعرضه إسرائيل، يعرض أبو مازن وفتح والمنظمة لضغوط وتهديدات أميركية وإسرائيلية.

إن الدليل الحاسم على ما سبق، ما حدث بالنسبة لتقرير غولدستون، قبل فضيحة التأجيل ثم إعادة تقديمه بعد الفضيحة، ورفض استئناف المفاوضات من دون تجميد الاستيطان وتحديد مرجعية واضحة لعملية السلام، ما يعرّض القيادة الفلسطينية إلى ضغوط متزايدة من الإدارة الأميركية، التي تراجعت عن سياستها، وأخذت تتبنى الموقف الإسرائيلي الذي يطالب باستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة ومع استمرار إسرائيل بالاستيطان والجدار وتهويد القدس وأسرلتها، وبسحب تقرير غولدستون. فإسرائيل هددت بأن استمرار طرح هذا التقرير سيجعل إسرائيل ترفض استئناف المفاوضات.

فإسرائيل تريد أبو مازن راضخاً لها، وأن يكف عما تسميه "السياسة المزدوجة" ويمضي ويقبل بما تعرضه إسرائيل من حلول تصفوية، وأبو مازن يرفض. ولو وافق أبو مازن على استئناف المفاوضات من دون شروط لحصل على دعم أميركي أكبر وعلى رضى من إسرائيل.

إن الموقف الرسمي الفلسطيني الحالي لا بأس به، ولكنه لا يكفي ويمكن البناء عليه، بحيث يجب بلورة استراتيجية جديدة تقوم أساساً على مواجهة للاحتلال، وتعتمد على المقاومة المثمرة، وتمد يدها للسلام شرط أن يكون عادلاً أو متوازناً على الأقل.

إن حماس التي كانت مؤيدة للورقة المصرية كما ظهر في إعلان خالد مشعل إثر زيارته الأخيرة للقاهرة، عليها أن تواصل هذا التأييد وتوقع الورقة وبأسرع وقت. فرغم أن الورقة المصرية لا تجسد كل مطالبها، إلا أنها تحتوي على ما تم الاتفاق حوله في جلسات الحوار، وتمثل نوعاً من الحل الوسط.

إن الورقة المصرية تعطي لحماس نقطتين في منتهى الأهمية: الأولى، تتمثل باستمرار سيطرتها على غزة لفترة تمتد حتى نهاية حزيران المقبل، وهذا يعطيها وقتاً إضافياً هي بحاجة له، ويوفر لها نوعاً من الاعتراف بها، والثانية، تأجيل الانتخابات من شهر كانون الثاني المقبل حتى حزيران. فحماس تخشى أن تكون الانتخابات هي النقطة الوحيدة التي يريدها منافسها الداخلي، لأنه يريد أن يخرجها من الحلبة السياسية ويفقدها الشرعية والأغلبية من نفس الباب الذي دخلت منه وهو صناديق الاقتراع.

فحماس تخشى أن خصمها سيوظف الحصار الخانق على قطاع غزة والمقاطعة الدولية ما أدى إليه ذلك من تجويع، وتهدئة من جانب واحد، وإغلاق معبر رفح، ومنع إعادة إعمار قطاع غزة لصالحه في الانتخابات من أجل الفوز فيها، والعودة إلى قطاع غزة، ومن دون أن تضمن أن تبقى شريكة في السلطة (خصوصاً في الضفة الغربية)، ولا أن تصبح شريكاً بالمنظمة.

كما أن حماس تخشى من أنها إذا فازت في الانتخابات القادمة، فإنها لن تتمكن مرة أخرى من الحكم، لأن الإدارة الأميركية أعلنت مؤخراً عن عدم استعدادها للاعتراف بحكومة لا تقر بشروط الرباعية. لذلك أي اتفاق وطني يجب أن يشمل احترام نتائج الانتخابات مهما تكن، ومطالبة المجتمع الدولي باحترام إرادة الشعب الفلسطيني.

إن حماس تستطيع أن تصر على ضرورة التطبيق المتزامن لكل ما هو وارد في الورقة المصرية، خصوصاً بالنسبة للمنظمة، وعليها أن لا تبالغ في مخاوفها، فوضع الضفة الغربية ليس أفضل كثيراً من قطاع غزة، فالضفة تتعرض، خصوصاً القدس، لأخطر هجوم إسرائيلي يستهدف حسم أمرها قبل أن يفرض على إسرائيل حل لا ترضى عنه. كما أن شعبية خصمها الداخلي قد تراجعت كثيراً بعد فضيحة غولدستون وعقد القمة الثلاثية وتبخر أوهام السلام القريب، وفي ظل التنسيق الأمني والاقتحامات اليومية الإسرائيلية لمناطق السلطة. فكل الأطراف الفلسطينية في أزمة شديدة، والقضية الفلسطينية في خطر شديد.

إن الانقسام هو الوضع النموذجي لاستمرار التنازل بالمفرق والجملة لإسرائيل، لأنه يجعل كل الأطراف الفلسطينية ضعيفة ومعرضة لقبول الابتزاز والشروط الإسرائيلية. فإذا أرادت حماس حماية المصلحة الوطنية، كما تدعي، عليها أن تساعد على إنجاز المصالحة لا تأجيلها، فما الذي سيحدث بعد عدة أسابيع، وهي الأسابيع التي تطالب بها حماس حتى توقع على الورقة المصرية.

إما مصالحة أولا: فماذا ستختار حماس؟

إن الوحدة هي السياج الأمين الذي يحصّن البيت الفلسطيني، ويجعل الانفراد بالقرار الفلسطيني وارتكاب الأخطاء والخطايا أصعب وأصعب وأصعب.

الوحدة يجب أن تقوم على أساس وطني، نعم. الوحدة على أساس مقاوم، نعم. ولكنها وحدة تفهم حقائق التاريخ والجغرافيا وموازين القوى ولا تحلّق بالطائر الفلسطيني فوق المعادلات المحلية والإقليمية والدولية، ولا تصطدم بالشرعية الدولية التي رغم كل ما بها من إجحاف تعتبر سلاحاً في يد الفلسطينيين.

إن الورقة المصرية ليست مثالية، وهي أقرب الى إعلان نوايا، وتحمل في طريقها ألغاماً، ولكنها أهون الشرور، والمدخل الوحيد المتاح لإبقاء الحوار، وتبقى طريق البحث عن المصالحة الحقيقية مفتوحة.

إن حماس مفترض أن تكون أذكى من أن لا توقع على الورقة المصرية، لأنها عليها أن تدرك أن عدم التوقيع على الورقة المصرية سيظهرها بمظهر الطرف المسؤول عن استمرار الانقسام، وعمّا سيؤول إليه الانقسام من كوارث جديدة، خصوصاً بعد تبخر أ

 

مشاركة: