الرئيسية » هاني المصري »   19 شباط 2008

| | |
فرضيات ايلاند لوقف صواريخ القسام وصفة لتعميق الانقسام الفلسطيني
هاني المصري

 

كتب غيورا ايلاند رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً مقالا في "يديعوت احرونوت" الإسرائيلية تحت عنوان "ثلاث فرضيات عن نار القسام" انصح كل إنسان مهتم بمعرفة ما يجري بقراءته كونه يقدم تحليلا "موضوعيا" يوضح فيه كيف يمكن معالجة صواريخ القسام؟

الفرضية الأولى التي يطرحها ايلاند هي عدم وجود رد مباشر على نار القسام فلا يوجد سوى طريقين لوقف النار، وكلاهما غير مباشر: أما احتلال المنطقة او حمل مطلقي القسام على عدم الرغبة في إطلاقها.

الفرضية الثانية تتحدث عن انقضاء الزمن الذي ينجح فيه الطرف الإسرائيلي في إقناع الطرف الآخر دون شروط (استسلام كامل). وحتى عندما يحدث نصر مطلق سرعان ما يقف العدو على قدميه بعد ان ينظم نفسه ويواصل الحرب بطريقة أخرى.

وهنا ينصح ايلاند بإيجاد وضع يضطر فيه العدو الى الموافقة بحكم الأمر الواقع على واقع هو أفضل لنا واقل جودة له، أي نصر بالنقاط وليس بالضربة القاضية او بعبارة أخرى مساومة يأخذ كل طرف حصة فيها، وربما تكون حصة طرف أكثر من الطرف الآخر.

الفرضية الثالثة: تتحدث عن استحالة وقف التهريب من مصر الى غزة طالما بقيت الحدود بينهما على أساس محور فيلادلفيا، ولا يغير في الأمر من هي القوة التي ستعمل هناك وكم ستكون الدافعية لديها. القدرة على تهريب الوسائل القتالية، ستبقى طالما بقيت هذه الجغرافيا وهذه الديمغرافيا القائمة في رفح بقسميها رفح المصرية ورفح الفلسطينية.

الخلاصة التي يصل إليها ايلاند من كل الفرضيات المذكورة انه لا ينبغي إدارة معركة ضد حماس عندما يكون الهدف المعلن هو العمل على إسقاط حكم حماس. فطالما كان هذا هو الهدف، لا يوجد أي احتمال بأن توافق حماس على التعاون او الاستسلام، وعليه فإنها لن توقف نار القسام. والجدير ذكره ان ايلاند سبق ان دعا الحكومة الإسرائيلية للاعتراف الواقعي بسلطة حماس والتعامل معها لأنها هي المسيطرة في غزة.

أمر آخر يحذر ايلاند إسرائيل من عمله هو الإعلان بداية بأن أية تسوية مع إسرائيل لا يمكن ان تحدث طالما لا تقبل حماس بشروط الرباعية، لان وضع مثل هذا الشرط يؤدي الى عدم استجابة حماس لان استجابتها له تشكل نوعاً من الاستسلام، ولهذا فانه لن يتحقق.

ويتابع ان تشديد الضغط العسكري وكذلك الضغط المدني سيبقى ناجعاً طالما أعطيت حماس مخرجاً مشرفاً. ويقترح ان المخرج المشرف يمكن ان يكون اقتراحاً من طرف ثالث (ليس أميركيا) يعرض على إسرائيل وحماس ومصر اقتراحاً بتسوية تقوم على أساس الاعتراف بالأمر الواقع ولا يشكل اتفاقا سياسياً.

لاحظوا ان ايلاند يتجاهل بهذا الاقتراح السلطة الفلسطينية تجاهلا كاملا.

والتسوية يجب ان تتضمن أربعة أجزاء: وقف نار شامل في غزة ومحيطها، تبادل اسري، إسرائيل تعود لتزويد غزة بكميات الوقود والكهرباء، مصر توافق على أن تقيم في أراضيها قاطع دفاع غرب رفح المصرية، قاطعاً ستسمح إقامته بمنع التهريب الى غزة.

ويختتم ايلاند مقاله بالقول:

ان حل المشاكل المعقدة منوط بالقدرة على تشجيع الطرف الآخر على الموافقة على شيء يمكن احتماله، ويحافظ أيضا على شرفه، لا يمكن حمل الطرف الآخر على الاستسلام دون شروط. ومن يحاول ذلك يحطم رأسه بالحائط.

واتساءل هنا: لماذا لا يقترح ايلاند حلا للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أساس نفس المعادلة التي يقترحها لمعالجة مسألة إطلاق الصواريخ من غزة الى إسرائيل!؟

اعرف تماماً ان أفكار ايلاند رغم موقعه السابق لا تعبر عن سياسة المؤسسة الإسرائيلية السياسية والعسكرية والأمنية، فالسياسة الإسرائيلية إزاء غزة، تبدو مرتبكة ومتناقضة وتعمل في عدة اتجاهات متناقضة في نفس الوقت، وأسيرة عوامل ومواقف متعددة، منها ما يتعلق بالعمل على استعادة قوة وهيبة الردع المفقود بعد حرب تموز الأخيرة خصوصاً بعد صدور تقرير فينوغراد النهائي. ومنها ما يتعلق بجس النبض لعقد اتفاق مع حماس عن طريق طرف ثالث. ومنها ما يتعلق بالمنافسة والمزايدة الحزبية الداخلية سواء داخل الحكومة اولمرت-باراك-ليفني او ما بين الحكومة الإسرائيلية والمعارضة.

فعلى سبيل المثال تدعو المعارضة وتضغط باتجاه عمل كل ما يلزم عسكرياً حتى لو أدى الأمر الى اجتياح كامل لقطاع غزة، ولو كانت النتيجة احتمال تقوية السلطة برئاسة أبو مازن التي لا تريد المعارضة التفاوض معها او اعتبارها شريكا.

ورغم ان ما يقترحه ايلاند ليس السياسة الرسمية إلا أنه يمكن ان يصبح كذلك، لعدة أسباب:

أولا، ان إسرائيل لا تزال مترددة تماماً في اجتياح غزة وإعادة احتلاله، لأنها تخشى من الثمن خصوصاً ان الثمن الحالي الذي تدفعه من إطلاق الصواريخ صغير ويمكن احتماله.

فالخطط الإسرائيلية الموضوعة للعملية العسكرية الكبيرة تتحدث تارة عن 05 قتيلا في صفوف جيش الاحتلال، وتارة أخرى عن 002 قتيل إضافة الى ألاف القتلى في صفوف الفلسطينيين، فضلا ان العقدة الثانية والأكبر التي يمكن ان يحدثها الاجتياح الكامل هي ما العمل في اليوم الثاني بعد الاحتلال؟ هل تبقى القوات الإسرائيلية في غزة؟ والى متى؟ وإذا بقيت إلا تعود الى المستنقع الذي خرجت منه وستواجه مقاومة مستمرة هناك وحملة عالمية متصاعدة ضد التصعيد الإسرائيلي، وضد العودة عن فك الارتباط عن غزة.

ثانياً: ان أي عدوان إسرائيلي واسع يصل الى إعادة احتلال غزة بالكامل، يمكن ان يؤدي الى طريقين متعاكسين تماماً. الطريق الأول ان يتوحد الفلسطينيون مجدداً في مواجهة العدوان والاحتلال، وهذا أمر محتمل جداً وهو أخر ما تريده إسرائيل لأن الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني أهم انجاز إسرائيلي خلال العقود الثلاثة الماضية.

الطريق الثاني ان يبقى الانقسام الفلسطيني ويتعمق، لكن تضعف السلطة الفلسطينية التي تتفاوض مع إسرائيل تماماً خصوصا إذا سمحت إسرائيل بعودتها الى قطاع غزة، لأنها ستظهر أمام شعبها والعالم كله أنها عادت على ظهور الدبابات الإسرائيلية، ما يجعلها غير قادرة على رفض الشروط والاملاءات الإسرائيلية، ما سيقوي الاتجاها والقوى الراديكالية والمعارضة الى الظهور بسبب تمكنها منه والادعاء بأنها هي من تحمل راية القضية الوطنية، بينما تخلت عنها القيادة الشرعية.

تأسيسا على ما سبق تبدو أفكار واقتراحات وفرضيات ايلاند هي أفضل مخرج لإسرائيل كونها تعترف بالأمر الواقع في غزة أي بسلطة حماس ويتم فك الحصار وتبادل الأسرى وهذا يعطي شيئاً لحماس مقابل هدنه مفتوحة او تهدئة متبادلة ما يفتح الطريق لتعميق الانقسام الفلسطيني لان حماس في هذه الحالة تستطيع ان تحتفظ بسلطتها في غزة (على الأقل لمدة طويلة)، وهذا يسمح لإسرائيل باستخدام استمرار الانقسام كحجة لعدم التقدم في المفاوضات، وعدم تطبيق ما يمكن ان تتوصل إليه المفاوضات، هذا ان سلمنا جدلا وأصلا بإمكانية ان تصل المفاوضات الى شيء في ظل الهوة الشاسعة بين مطالب الحد الأدنى الفلسطينية والمطالب التوسعية العنصرية الإسرائيلية، وفي ظل غياب إرادة دولية قوية قادرة على الضغط على إسرائيل وإقناعها او إجبارها على قبول متطلبات التوصل الى سلام عادل او متوازن!!

مشاركة: