الرئيسية » هاني المصري »   14 نيسان 2009

| | |
تشكيل لجنة مشتركة...تعايش مع الانقسامززوربما أهون الشرور
هاني المصري

بدأت معالم الاقتراح المصري بالاتضاح أكثر وأكثر، فقد أكدت مصادر إعلامية وسياسية متطابقة أن مصر قدمت اقتراحا، يحفظ ماء الوجه عن طريق محاولة الخروج بأي شيء بدلا من الفشل الذريع، يقضي بتشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وأي عناصر أخرى يتم الاتفاق عليها. وأن الاقتراح المصري سلم خطيا الى حماس في التاسع من شهر نيسان الحالي، والى الرئيس عباس عشية إقلاع طائرته من مطار القاهرة في زيارته الأخيرة.

بعد أن كان الوزير عمر سليمان قد قدم أفكارا أولية عن الاقتراح في لقائه مع وفدي فتح وحماس في لقائه معهما أثناء الجولة الأخيرة من الحوار.

ويتضمن الاقتراح المصري أن يقوم الرئيس ابو مازن بتشكيل حكومة برئاسة شخصية مستقلة (على الأرجح أن تكون برئاسة سلام فياض) تلتزم بشروط اللجنة الرباعية والتزامات م.ت.ف، على أن تكون هذه الحكومة المرجعية للجنة المشتركة، حتى توفر "الغطاء السياسي لها والدعم المالي" وتكون اللجنة إطارا تنفيذيا ليست لديه أي التزامات أو استحقاقات سياسية، وأن تبدأ عملها فور توقيع اتفاق المصالحة، وأن ينتهي بعد الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة.

وتشمل مهمات اللجنة تنفيذ ما تم التوصل إليه في حوارات القاهرة، خصوصا في مجال التحضير لإجراء الانتخابات وإعادة بناء وإصلاح وتوحيد أجهزة الأمن، والمصالحة الوطنية، والإشراف على إعادة إعمار غزة. ولم تتطرق الورقة المصرية على الإطلاق لـ م.ت.ف.

من جانبها أعطت اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، عند مناقشتها للورقة المصرية، الأولوية لمواصلة الحوار الوطني الشامل وترى أن تدعى لجنة التوجيه العليا للاجتماع في 26 من الشهر الجاري في محاولة لتذليل العقبات التي تحول دون الاتفاق على أساس أن اللجنة المشتركة المقترحة غير صالحة لاستكمال الحوار، كما أن اعتماد الحوار الثنائي بين فتح وحماس يهمش الفصائل والشخصيات الوطنية الأخرى.

من جانبها، تدرس قيادة حركة حماس الاقتراح المصري، غير أن مصادر قيادية في الحركة أبدت تحفظات على بعض الأفكار الرئيسية الواردة في الورقة المصرية.

فحماس تتحفظ على اعتبار الحكومة التي سيشكلها الرئيس هي "المرجعية للجنة المشتركة" في حين ترى أنه الأفضل، إذا تمت الموافقة على تشكيلها أن تكون هي المرجعية، أي تكون اللجنة أعلى من الحكومتين بحيث تقود الحوار وتشرف على إعادة الإعمار، إضافة الى ضرورة أن تتضمن الورقة المصرية التأكيد على وحدة القطاع والضفة وإعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية.

إن مغزى تقديم ورقة مصرية تتضمن تشكيل لجنة مشتركة بدلا عن حكومة توافقية يعكس نوعا من اليأس من إمكانية الاتفاق في القريب العاجل، وهذا يعكس أيضا اعترافا بالانقسام وتعايشا معه، كما يشكل نوعا من التعامل مع الأمر الواقع الذي نجد فيه حكومتين، واحدة في الضفة والأخرى في القطاع، ما يعني أن إنهاء الانقسام سيتأخر، وأن الحوار سيتحول الى عملية حوار، المهم أن يستمر، لا أن يصل الى اتفاق مثله مثل عملية السلام، التي أصبحت هدفا بحد ذاته، وتحولت الى عملية دون سلام.

إن الاقتراح المصري، واقعي جدا، لدرجة من الصعب قبوله، وهو يذكرنا بما قاله الدكتور سلام فياض في لقائه مع وفد نداء الوحدة، حيث قال: إن التوصل الى أي اتفاق سواء، بتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة توافقية، أو إزالة عنصر الطوشة (أي التحريض والاعتقالات والإلغاء.. الخ) أفضل من الواقع الحالي.

الاقتراح المصري يصب في الاحتمال الثالث، أي محاولة التعايش مع الانقسام ومنعه من التفاقم والتحول الى انفصال دائم، والى العودة الى الاقتتال والتخوين والتكفير. إن هذا الاقتراح يمكن أن يكون، إذا تعذر الاتفاق، أفضل من لا شيء أو أهون الشرور ولكنه ليس أكثر من إبرة لتسكين الوضع، وبعد زوال تأثيرها سيعود الوضع للانفجار. فهو لن يستطيع على الأرجح سوى المساهمة بحل مشكلة إعادة الاعمار، لأنه يوفر الإطار السياسي المناسب لها بحيث تكون من خلال حكومة الرئيس، وتضمن مشاركة حماس من خلال اللجنة المشتركة، أما التحضير للانتخابات، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية،.. الخ فلا تستطيع اللجنة المشتركة أن تفعل أي شيء. فهي لجنة تخفيف التوتر وللتنسيق بين حكومة الضفة وحكومة القطاع، على طريق إما الوحدة أو تشكيل فدرالية تجمع بين المنطقتين.

قلنا وما زلنا نقول، إن لا بديل عن الوحدة التي لا تلغي التعددية والمنافسة والتنوع والابداع، باعتبارها ضرورة وليست خيارا، ولكنها بحاجة حتى تتحقق الى برنامج واحد يجسد القواسم المشتركة، والى توفير الأسس الديمقراطية، والى توافق وطني على تشكيل جبهة وطنية يشارك فيها الجميع، كل حسب وزنه.

إن السعي للهيمنة والاستثناء والتفرد وتحقيق المصلحة الفئوية، ودفع كل طرف للأطراف الأخرى للسير وراء برنامجه الخاص، رغم أن برنامج المفاوضات الى الأبد وصل الى طريق مسدود بدليل أن الرئيس والمنظمة تطالب بالمفاوضات وإسرائيل ترفض، إلا بشروطها.

وأن برنامج المقاومة الذي يعتمد القطاع قاعدة للتحرير وصل الى طريق مسدود بدليل أن جميع الفصائل الفلسطينية تطالب بالتهدئة وإسرائيل ترفض، إلا بشروطها، أفشل ويمكن أن يفشل كل المحاولات الرامية للاتفاق الوطني القادر قولا وفعلا على إنهاء الانقسام.

دون برنامج وطني واضح ومنسجم، وجبهة وطنية تضم الجميع، وعلى أسس ديمقراطية، تكون الاقتراحات بتشكيل "حكومة لا سياسية تلتزم ببرنامج سياسي (أي بالتزامات المنظمة)" أو "حكومة سياسية سواء ترأسها الرئيس أو شخصية وطنية مستقلة دون برنامج سياسي" أو "حكومة لا سياسية وبلا برنامج سياسي"، كلها محاولات للهروب من المشكلة بدلا من الجرأة على الإقدام على حلها.

إن القدرة على تحمل المسؤولية الوطنية والجرأة على مواجهة التحديات الحقيقية تقتضي منا جميعا أن لا ننسى أننا تحت الاحتلال والمفترض أن نتفق على اختيار طريق واحد من أجل إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

وإذا لم نتفق على طريق واحد فسنكون إذا بقي عندنا بقايا غيره على القضية وعلى مصلحة الشعب، مضطرين للعمل وفق شعار "لنسر متفرقين ولكن لنضرب في نفس الاتجاه"، لا أن نتقاتل على السلطة وعلى الطريق لإنهاء الاحتلال بينما الاحتلال يتفرج علينا وهو الرابح الأكبر من انقسامنا. فما دام الاحتلال واحدا وضد الجميع، وهدف الجميع إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية سواء كمرحلة أو كاتفاق دائم، فلنعمل على تحقيق الهدف وبعد ذلك نختلف على من يقود الدولة العتيدة. أما ما يجري عندنا فعلا فهو خلاف على جلد الدب قبل صيده!!!.

 

مشاركة: