الرئيسية » هاني المصري »   03 أيار 2011

| | |
غيابُ البعد السياسي كعبٌ إخيل اتفاق القاهرة
هاني المصري

 

توقيعُ اتفاقِ القاهرةِ لإنهاءِ الانقسامِ واستعادةِ الوحدةِ الوطنية خطوةٌ كبيرةٌ إلى الأمام، لكنها مجردُ بدايةٍ وخطوة أولى في مسار طويل. وحتى ينجح هذا الاتفاق ولا يكونُ مثلَ سابقه، لا بد أن يُستكمل، وأن تبقى العوامل التي أدت إليه فاعلة بقوة.

إن هناك العديد من الثغرات الهامة التي يجب سدها لضمان نجاح تطبيق الاتفاق، وهذا الأمر لا يزال متاحًا، لأن التوقيع النهائي للاتفاق لم يحدث حتى الآن، وفرصة نجاح هذا الاتفاق أكبر من سابقه؛ لأنه تحقق بعد: الثورات العربية، وانتصار الثورة المصرية، والأحداث الحاصلة في سوريا، وكذلك بعد جمود العملية السياسية، وظهور الحراك السياسي والشبابي والشعبي.

 

 

إن الثغرة القاتلة في الاتفاق تتمثل في غياب البعد السياسي عنه، حيث تناول الاتفاق الإجراءات الشكلية، وتتمثل في: تشكيل اللجان، والانتخابات، والإطار القيادي المؤقت، والحكومة، ولكنه لم يتطرق إلى البرنامج السياسي النضالي المشترك.

وانعكست هذه الثغرة من خلال التصريحات، والندوات، والبرامج المنفردة، والمشتركة، التي شارك فيها ممثلون حركتي فتح وحماس.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، صرح الرئيس أبو مازن بأنه سيحتفظ بالدور السياسي، وأن الحكومة المزمع تشكيلها لن يكون لها أي دور سياسي وتفاوضي، وأنها ستشكل دعمًا لعملية السلام، وتنحصر مهمتها فقط بإعادةِ الإعمارِ في قطاعِ غزةَ والتحضيرِ للانتخابات، وأنها ستلتزم ببرنامجه السياسي.

في المقابل، طالب إسماعيل هنية رئيسُ الحكومة المقالة المنظمةَ بسحب الاعتراف بإسرائيل، وبيّن الزهار أن القيادة الجديدة للمنظمة التي ستشكل يوم الخميس القادم ستحسم في مصير المفاوضات وتختار بينها وبين المقاومة.

وصرح حسين الشيخ بأن التنسيق الأمني سيستمر مع إسرائيل أثناء المرحلة الانتقالية، ورد عليه مشير المصري: إن التنسيقَ الأمنيَ جريمةٌ.

إن ما سبق مجرد عينات تدق ناقوس الخطر، وتحذرنا من أنّ اتفاقَ القاهرة على أهميته ليس عصا سحريةً، ستنهي كل الخلافات وأسباب الانقسام والصراع بضربة واحدة.

لا يوجد في الحياة السياسية شيءٌ اسمه حكومة بدون برنامج سياسي، فأيُ حكومة جوهرُ عملها سياسي، حتى لو كانت حكومة خبراء أو مستقلين، فلا بد وأن تخدم وتحقق برنامجًا سياسيًا. وهنا لا فرق بين من سيقرّ البرنامج السياسي للحكومة، سواء الحكومة نفسها أو المنظمة بوصفها المرجعية العليا للفلسطينيين.

لا يمكن بعد الوحدة أن يتصرف كل طرف وكأن شيئًا لم يتغير، فمن كان يعتمد خيار المفاوضات واتفاق أوسلو والتنسيق الأمني، يمضي في طريقه رغم أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، ورغم إعلانه أن أيلول القادم هو المحطة الأخيرة في هذا الطريق. ومن كان يعتمد خيار المقاومة ورفض المفاوضات من حيث المبدأ، عليه أن يتذكر أنه التفت إلى طريق الوحدة؛ لأنه وجد خيار المقاومة قد علّق عمليًا، وأصبح همه الأساسي الدفاع عن سلطته الانفرادية في غزة.

لا بد وأن يتفق الجميع بعد الوحدة على برنامج سياسي نضالي مشترك، ينطلق من الالتزام بالحقوق والأهداف الوطنية، ويحظى بثقة الشعب الفلسطيني، ويستند إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، ويفتح الخيارات دون أن يحدث مواجهة فيما بينها.

إن المقاومة في ظل الاحتلال، والاستيطان والعنصرية، وتقطيع الأوصال، والحصار، والجدار، وتعنت الحكومة الإسرائيلية المدعومة أميركيًا، وفي ظل اختلاف موازين القوى؛ خيارٌ إجباريٌ لا مناص من الاعتماد عليه، ولكنّ المقاومةَ المطلوبةَ هي المقاومةُ المثمرةُ التي تنسجم معَ القانونِ الدوليِ الإنساني، وتركّز على المقاومة الشعبية بكل أشكالها، رغم الحق الفلسطيني الذي لا جدال فيه باستخدام جميع أشكال المقاومة، على أن تخضعَ للمصلحة الوطنية والبرنامج السياسي، وللمرجعية العليا للمقاومة المنصوص عليها في وثيقة الأسرى.

والمفاوضات شكل لا مفر عنه في العمل السياسي، خصوصًا أن القضية الفلسطينية نشأت ولا تزال قضيةً دوليةً، وتؤثر عليها العوامل المحلية والإقليمية والعربية والدولية، وفي ظل غياب الخيار العسكري العربي، لأن الخيار العسكري لا يمكن أن يكونَ فلسطينيًا فقط، فالقضيةُ الفلسطينيةُ فلسطينيةٌ أولًا وعربيةٌ ثانيًا، فإسرائيلُ لا تستهدف فلسطينَ فقط، وإنما وجدت أيضًا كامتدادٍ استعماريٍ لضمانِ استمرارِ الهيمنةِ والتخلفِ والتبعيةِ والتجزئةِ على العرب؛ لضمان مصالحَ ونفوذ الدول الاستعمارية الكبرى في المنطقة.

إن ما يجب رفضُه هو استمرارُ الوهمِ بأنّ طريقَ المفاوضات الثنائية في ظل موازين القوى القائمة؛ يمكن أن يؤديَ إلى دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس على الأراضي المحتلة عام 1967، أو إلى حلِ مشكلةِ اللاجئينَ حلًا عادلًا على أساسِ القرار 194، الذي يَضْمَنُ حقَ العودةِ والتعويض.

إنّ أقصى ما يمكن أنْ يصلَ إليه طريقُ المفاوضات هو دويلة مقطعة الأوصال بلا سيادة، مقابل التنازل عن حق العودة والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، واعتبارُ قيامِها -أي الدويلة الفلسطينية- نهايةً للصراع، ووقفًا لجميع المطالب الفلسطينية.

إنّ سدَ الثغرةِ المتمثلةِ في غيابِ البرنامج السياسي ما زال ممكنًا، وخصوصًا أنّ سنواتَ الانقسام بكل ما فيها من أضرارٍ، انطوت على مفارقةٍ تمثّلت بحدوثِ تقاربٍ سياسي ملموس في البرامج السياسية، وتحديدًا ما بين حركتي فتح وحماس.

ولا يمكن تجاهل مطالب المجتمع الدولي بشكل كامل، لأن هذا سيقود إلى عودة المقاطعة الدولية الشاملة، وسيؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى انهيار الوحدة.

وكذلك لا يمكن الخضوع لشروط اللجنة الرباعية الظالمة، التي تمثل طريقًا مضمونًا للاستسلام والإذعان، فلا يمكن أن تعترف الضّحية بالجلّاد، وتلتزم بنبذ العنف والإرهاب، وبتنفيذ الاتفاقات، في الوقت الذي لا يعترف بها الجلادُ، ويمارس كلَ أنواع العنف والإرهاب ضدها، ولا يلتزم بتطبيق الاتفاقات منذ سنوات طويلة.

إن أقصى ما يمكن أن يلتزم به الفلسطينيون في ظل الوحدة، تأكيد التزامهم بهدف إزالة الاحتلال عن الأراضي المحتلة عام 1967، وإقامة دولة مستقلة عليها، واستعدادهم للتفاوض لتحقيق هذا الهدف، وليس التفاوض حوله أو من أجل التفاوض.

ومن أجل إبداء حسن النية، يمكن أن يبديَ الفلسطينيون استعدادهم لتهدئة مؤقتة وشاملة ومتبادلة، لا تكون بديلًا عن مسار سياسي قادر على إنهاء الاحتلال.

كما يمكن أن يؤكد الجانب الفلسطيني على التزامه بمبدأي: الاستمرارية، والتبادلية، المنصوص عليهما في القانون الدولي، اللذان يلزمان الأطراف المتصارعة والدول والمنظمات بالتزام الحكومات (أو المنظمات) بما تم إقراره من قبل الحكومات السابقة عملًا بمبدأ الاستمرارية، شرط أن يلتزم الطرف الآخر بالاتفاقات السابقة عملًا بمبدأ التبادلية. أما تطبيق الاتفاقات والالتزامات من جانب واحد فهو إذعانٌ، لا يقود سوى إلى فتح شهية الاحتلال للحصول على المزيد من التنازلات.

إن مصر الجديدة دعت إلى عقد مؤتمر دولي للسلام؛ يهدف إلى إنهاء الصراع وليس إلى إدارته، وسبق أن وافق خالد مشعل وعدد من أعضاء المكتب السياسي، في اللقاء الذي عقد مع وفد الشخصيات الوطنية المستقلة في الحادي والعشرين من نيسان الماضي، على صيغة لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، ووافقوا أيضًا على عقد مؤتمر دولي كجزء من عملية نضالية، تهدف إلى تغيير موازين القوى حتى يتم دحر الاحتلال.

إن الاحتلال يستهدف الجميع، ولا يمكن الاستمرار في الرهان على مسار سياسي وصل منذ زمن إلى طريق مسدود، ولا يمكن الرهان بشكل كلي على الثورات العربية أو المارد الإسلامي؛ لأن القضية تضيع والأرض والقدس كذلك تضيعان، وعلى الشعب الفلسطيني أن يهب في جميع أماكن تواجده للدفاع عن أرضه وحقوقه ومقدساتها، وعندما يصبح العرب والمسلمون والأحرار في العالم مع شعب فلسطين، فإنه يكمل معهم المشوار.

www.badael.ps

 

مشاركة: