الرئيسية » هاني المصري »   10 تشرين الثاني 2009

| | |
عودة الوعي (1- 2)
هاني المصري

 

هناك من المعطيات والتطورات ما يشير الى أن المرحلة التي بدأت منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، مروراً باتفاق اوسلو، وحتى الآن شارفت على الانتهاء، وأن هناك إرهاصات متزايدة تدل على أن معالم مرحلة جديدة بدأت تطل برأسها. إن طريق "المفاوضات حياة"، انتهت أو شارفت على الانتهاء.

هناك ما يشبه بداية لمرحلة جديدة، عنوانها عودة الوعي.

إن ما يدفعني للوصول الى هذا الاستنتاج أن معظم الشخصيات والقوى الفلسطينية، حتى من الرموز التي قادت مرحلة اوسلو بدأت تدعو الى تبني أفكار أو مبادرات تعكس أنها فقدت أو بدأت تفقد الثقة بهذا الطريق وقدرته على تحقيق الأهداف المرجوة منه، ومن الدلائل على ذلك ما يلي:

* إعراب الرئيس أبو مازن عن رغبته بعدم ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة بسبب وصول المفاوضات الى طريق مسدود في محاولة أخيرة لانقاذ المفاوضات من الانهيار، وذلك لأن ابو مازن صاحب مدرسة تقوم على أن المفاوضات هي الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف الوطنية. صحيح أن ابو مازن لا يزال يأمل بانقاذ طريق المفاوضات، لكن اليأس بدأ يتسلل إليه من إمكانية تحقيق ذلك عمليا، فهو يرفض الاستسلام للشروط الإسرائيلية والتحول الى قرضاي فلسطيني أو مواصلة مفاوضات عقيمة الى الأبد.

* تأكيد مؤتمر "فتح" السادس على أن الفلسطينيين لا يزالون في مرحلة حركة التحرر الوطني، وعلى أن المقاومة المشروعة بكافة أشكالها حق يجب التمسك به، مع ضرورة فتح الطريق أمام كافة الخيارات وعدم إغلاق الباب على خيار واحد وحيد.

* إقرار حكومة سلام فياض خطة تحت عنوان "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة"، تستند الى ضرورة المبادرة وبناء مؤسسات الدولة وعدم الارتهان الكلي للمفاوضات. لقد مضى سلام فياض الى أكثر من ذلك الى حد الدعوة الى البناء في مناطق (ج) وللعودة الى مبادرة السلام عام 1988، واعتبارها مرجعية للفلسطينيين بدلاً من اتفاق اوسلو، واعتبر أن البرنامج السياسي الفلسطيني تآكل منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.

إن هذه الخطة حتى تحقق أهدافها يجب أن تكون جزءاً من خطة وطنية شاملة مدخلها سياسي يتضمن المقاومة المثمرة وإعلان وبسط الدولة وفرضها من جانب واحد، وتركز أساسا على إنهاء الاحتلال والانقسام على أن يأتي بناء المؤسسات الوطنية في سياق خدمة الأهداف الفلسطينية وفي مواجهة الاحتلال وعلى أساس إنهاء المرحلة الانتقالية والتزاماتها.

* الدعوة التي أطلقها احمد قريع، وهو أحد مهندسي اوسلو، وكررها مؤخرا صائب عريقات صاحب نهج "المفاوضات حياة" الى البحث عن طريق آخر لأن المفاوضات الثنائية قد استنفذت أغراضها وإسرائيل أثبتت أنها غير جاهزة للسلام، ودعيا الى التفكير بخيارات أخرى مثل خيار الدولة الواحدة، ثم تراجعا عن هذه الدعوة، في إشارة الى أن طريق المفاوضات وحل الدولتين بدأ يفقد أشد أنصاره، وفي رسالة الى الجميع بأن صبر الفلسطينيين من أنصار المفاوضات بدأ ينفد.

* تقديم حزب الشعب مبادرة لإقامة مجلس تأسيسي انتقالي، لأن المفاوضات فشلت والانقسام تعمق، داعياً الى الاستعداد لإعلان دولة فلسطينية من جانب واحد، والى التخلي عن التزامات السلطة والمنظمة مع إسرائيل.

* دعوة شخصيات ساهمت في اتفاق اوسلو مثل حسن عصفور لإنهاء المرحلة الانتقالية والإعلان عن التوصل الى تخلي السلطة والمنظمة عن التزاماتها فيها والى وقف العمل بخارطة الطريق.

إن المعطيات والتطورات السابقة، وغيرها، تدل على أن القيادة الفلسطينية بدأت تدرك أنها لم تعد قادرة على القيادة بنفس الطريقة السابقة وأن الأرض تنهار من تحت أقدام خيار المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، بحيث أنها إذا لم تغير طريقها ستتغير، أو ستخسر مصداقيتها ونفوذها في صفوف الشعب الفلسطيني، أو ستكون مضطرة لقبول مشاريع لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

قد يكون كل ما تقدم مجرد تكتيك لتحسين شروط المفاوضات أو ردة فعل على تعنت إسرائيل وتراجع إدارة اوباما عن وعودها، إلا أن هذا يعكس تحركاً وتململاً قابلاً للاتساع، ويجب العمل من أجل اتساعه حتى يكون بداية لمرحلة جديدة، تفتح طريقا للحياة والنجاة والنصر أمام الفلسطينيين.

المطلوب مراجعة التجربة السابقة واستخلاص الدروس والعبر، وتشخيص الواقع ووضع العلاج الجذري المناسب، وشق طريق آخر، فقد وصل طريق "المفاوضات حياة" الى محطته الأخيرة.

إن المأزق الشامل الذي تعيشه القضية الفلسطينية، هو بالأساس مأزق غياب التمثيل الموحد للفلسطينيين، وهو ناجم عن تآكل البرنامج السياسي الموحد، وعدم قدرة القيادة الفلسطينية على تحقيق الحل السياسي الذي راهنت عليه منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن. فقد تحول البرنامج الوطني من تحرير فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية من النهر الى البحر، الى برنامج السلطة الوطنية (البرنامج المرحلي)، ثم اعتمد برنامج إعلان الاستقلال عام 1988 الذي يتضمن إنهاء الاحتلال وتقرير المصير وحق العودة وتمثيل الفلسطينيين أينما كانوا، وهذا اعتبر تطوراً لأنه قدم برنامجاً واقعياً قابلاً للتحقيق. ومضت الأعوام ولم يتحقق. لقد تحول البرنامج عملياً، ومن خلال الممارسة السياسية، الى برنامج آخر، كما ظهر من خلال تغير مرجعية المفاوضات وعملية السلام من مبادرة السلام لعام 1988 الى مرجعية مؤتمر مدريد الى مرجعية خارطة الطريق ومؤتمر انابوليس التي جعلت المرجعية للمفاوضات هي إسرائيل وما توافق عليه.

الآن نحن في مفترق طرق يفرض علينا الاختيار: إما العودة الى برنامج 1988 وفتح كافة الخيارات أو مواصلة السير في طريق المفاوضات العقيمة الى حد يمكن أن يؤدي الى الموافقة على دولة الأمر الواقع التي ستكون دويلة المعازل المقطعة الأوصال على جزء من الأرض المحتلة عام 1967. او اعتماد خيار المقاومة المفتوحة والكفاح من أجل تحرير فلسطين وإقامة الدولة الواحدة الديمقراطية أو ثنائية القومية أو الاسلامية.

إن تآكل البرنامج السياسي وفشل طريق المفاوضات واتفاق اوسلو ظهر أيضا من خلال فصل القضية عن الشعب والأرض وفصل القضايا عن بعضها البعض، وتقسيم الشعب الى شعوب والأرض الى أ، ب، ج، وهذا أدى الى الإحباط واليأس، وتغذية البحث عن الحلول الفردية والعائلية والجهوية وساهم في صعود حركة حماس والإسلام السياسي، رغم ان "حماس" بعد انخراطها في النظام السياسي انحازت لسياسة التماهي مع برنامج السلطة بدلا من أن تطرح برنامجاً بديلاً عنه أو اعتماد خطط بديلة لترجمة برنامج المنظمة (برنامج الحرية والعودة والاستقلال) على الأرض. وأدى أيضا الى الانقسام السياسي والجغرافي ونشوء سلطتين وتجميد المؤسسات والطعن بشرعيتها، والى شلل المنظمة وتضخيم دور السلطة على حسابها، بحيث غدت السلطة المفترض أنها ترتيب انتقالي وأداة من أدوات المنظمة، الى حل نهائي وهدف بحد ذاته، يجب الحفاظ عليه وعدم اتخاذ أية مواقف تحمي القضية ومصالح الشعب خشية من وقف الدعم والتمويل العربي والدولي للسلطة.

لقد أصبح كل فلسطيني فرداً، وكل تجمع فلسطيني يشعر أنه لوحده، وأن المطلوب منه أن يقلع شوكه بيده، بدون قيادة واحدة ولا برنامج واحد، ولا تمثيل حقيقي معترف به من الجميع أو من الغالبية الساحقة على الأقل.

لقد خاض فلسطينيو العراق معركتهم لوحدهم والفلسطينيون تضامنوا معهم في أحسن الحالات.

وخاض فلسطينيو نهر البارد معركتهم لوحدهم.

وأصبح اللاجئون في الشتات يبحثون عن مصيرهم بمفردهم عبر مؤتمرات العودة.

أما فلسطينيو 1948 فقد شعروا منذ توقيع اتفاق اوسلو أن القيادة قد تخلت عنهم فأخذوا زمام قضيتهم بأنفسهم.

وأدت خطة فك الارتباط عن غزة أغراضها، وحولت القطاع الى منطقة منفصلة عن بقية الأراضي المحتلة عام 1967، ثم تعاملت معها "حماس" كسلطة منفصلة وأعلنتها كأرض محررة أو شبه محررة، وهذا غير صحيح، وكأن المقاومة المطلوبة الآن هي في الضفة فقط لإنهاء الاحتلال فيها. أما القدس فهي تصيح حاليا "يا وحدي". فبعد أن تحولت القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين لوحدهم، تحولت القدس قضية المقادسة لوحدهم.

فأقل كثيراً مما تعرضت له القدس في الأشهر الماضية، وتتعرض له حاليا، كان يتسبب بانتفاضة شعبية. لقد اكتفى الفلسطينيون في الضفة وغزة بالتضامن مع القدس وإعلان الإضراب والتظاهر لمرة واحدة أو لمرات قليلة وبأعداد لا تذكر.

إن استمرار هذا الواقع سيجعل الخليل لوحدها، ونابلس لوحدها، ورام الله لوحدها، وهذا يقضي نهائياً على الانجاز التاريخي الذي حققته الحركة الوطنية المعاصرة والزعيم الراحل ياسر عرفات، وهو توحيد الفلسطينيين في كيان واحد وتحت راية برنامج واحد وقيادة واحدة!!

 

مشاركة: