الرئيسية » هاني المصري »   22 شباط 2011

| | |
عودة الروح العربية تفتح طريق بناء إجماع فلسطيني جديد
هاني المصري

 

بعد ثورتي تونس ومصر، وفي ظل عواصف التغيير العاتية التي تهبّ في المنطقة العربية، ودلّت بصورة لا رجعة فيها على أن الشعوب العربية باتت تدرك أنها مصدر السلطات، وتملك قوةً هائلةً قادرةً على إحداث التغيير والإطاحة بالأنظمة الأمنية القمعية، وأخذ مكانها على خارطة العالم.

إنها ثورات من أجل الحقوق والحريات والتغيير الشامل وليست ثورات جياع؛ لذا يمكن أن تغيّر وجه المنطقة بشكل جذري.


وبعد وصول المفاوضات وما يسمى "عملية السلام" إلى طريق مغلق تماماً، في ظل تعنت الحكومة الإسرائيلية، وإصرارها على السير في تطبيق المخططات التوسعية والاستيطانية والعنصرية والعدوانية.

وبعد تراجع إدارة أوباما عن وعودها بتحقيق السلام ووقف الاستيطان إلى حد استخدام الفيتو، فيما اعتبر بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على ما يسمى "عملية السلام"، وعلى ما تبقى من رهان على الدور الأميركي للوصول إلى تسوية متوازنة.

تأسيساً على ما سبق، ما العمل فلسطينياً؟

ما جرى ويجري في المنطقة أثّر وسيؤثر بشدة على فلسطين، ويجب أن يحررها من قيود" عملية السلام" واتفاق (أوسلو) والالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية المترتبة عليه، وضغوط نظام حسني مبارك التي كانت منطلقة من الشروط والاعتبارات الأميركية والإسرائيلية بعيداً عن المصالح المصرية والفلسطينية، بحيث تصبح القيادة الفلسطينية فاعلةً لا منفعلةً .

هناك نقاشٌ متصاعدٌ يدور بين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها عن الهدف الناظم، فلا ينفع استنساخ التجربة المصرية والتونسية وتكرار شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، بل لا بد من الاتفاق على الهدف القادر على توحيد الفلسطينيين.

هل يكون الهدف إنهاء الاحتلال عبر المقاومة بالأشكال المتاحة؟ أم إنهاء الانقسام؟ أم الدفاع عن الحقوق والحريات وتعزيز الصمود وتأمين حياة كريمة للمواطن؟ أم إحياء المنظمة وإجراء انتخابات المجلس الوطني، أم إجراء تعديل أو تغيير حكومي في الضفة وفي غزة؟ أم تجديد شرعية السلطة وإصلاحها وتوسيع قاعدة المشاركة بها وبناء مؤسسات الدولة، أم التركيز على المسار السياسي والدبلوماسي للحصول على الاعتراف بالدولة ونزع الشرعية عن إسرائيل؟ أم فتح الطريق لاعتماد خيارات وبدائل جديدة، قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية التي عجزت الإستراتيجيات السابقة عن تحقيقها؟ إن كل هذه الأهداف مترابطة وتخدم بعضها بعضاً، ويمكن أن تكون بشكل متزامن ومتوازٍ مع بعضها البعض، إلا أن الهدف الناظم لها جميعاً، هو هدف إنهاء الاحتلال. فهو الهدف الذي يوحد الفلسطينيين جميعاً.

لا يكفي وضع هدف إنهاء الاحتلال بل لابد من إزالة العوائق التي تحول دون تحقيقه. فلا يمكن وضع الجهود والطاقات الفلسطينية في مجرى إنهاء الاحتلال، دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، ودون إحياء منظمة التحرير وتجديدها وإعادة بناء مؤسساتها ومنحها شرعية جديدة أصبحت تفتقدها بعد تآكل برنامجها الوطني، وبعد عدم إجراء انتخابات للمجلس الوطني، أو عقد جلسات له منذ فترة طويلة. ودون توفير الحقوق والحريات وحياة كريمة للمواطن، ودون تنظيم مقاومة شاملة تجعل الاحتلال مُكلِفًا، ودون التخلي عن مسار (أوسلو) واتباع مسار سياسي قادر على حصد ما تزرعه المقاومة، ودون سلطة توفر الخدمات للمواطنين ومقومات صمودهم عبر مؤسسات فاعلة بعيداً عن الفساد والهيمنة والفئوية والفصائلية.

إن المنظمة أصبحت مجرد ديكور وإطار مشلول، لم يتم ولم يسمح عربياً ودولياً بإصلاحه ولا دفنه، ولا بإنشاء بديل عنه حتى يوقع باسم الشعب الفلسطيني على التسوية النهائية. إن واقع المنظمة المشلول أضعف الإطار الحامل للقضية الفلسطينية بما أدى إلى ظهور مراكز قيادية تمثل الفلسطينيين، واحد في الضفة وآخر في غزة وثالث في فلسطين 1948، وعدة مراكز أخرى في الشتات.

ضمن هذا السياق، لا يكون طريق الخلاص الوطني في التمسك بالسلطة وتجديد شرعيتها وإصلاحها، فالسلطة فرع من أصل هو المنظمة، وهي فقدت مصدر قوتها وشرعيتها بعد شلل المنظمة وانهيار ما سمي "عملية السلام"، وبعد أن استعاد الاحتلال حتى الصلاحيات المحدودة التي منحها للسلطة بعد أن اجتاحت قوات الاحتلال أراضي السلطة العام 2002 ولم تنسحب منها حتى الآن.

إن شرعية السلطة مستمدة أساساً من المنظمة، ومن تمثيلها للشعب الفلسطيني ودفاعها عن الحقوق المجسدة في برنامجها، الذي يقوم أساساً على إنهاء الاحتلال، في هذا السياق كانت السلطة وفق التفويض الممنوح لها مجرد مرحلة مؤقتة مفترض أن تنتهي بانتهاء المرحلة الانتقالية. إن مرور أيار 1999 ، كان يفرض مراجعة عملية التسوية وخصوصاً التفويض والوظيفة اللذين تقوم بهما السلطة، لأن تمديد المرحلة الانتقالية استمر إلى أجل غير مسمى؛ ما أطاح بشرعية السلطة.

الآن لقد سقط وهم إمكانية تحقيق التسوية، والحل الوطني القريب عبر المفاوضات، والرهان على الدور الأميركي، وإمكانية إقناع إسرائيل بقبول تسوية متوازنة.

لقد ثبت بشكل قاطع أن إسرائيل لا تريد سلاماً ولا تسويةً، وإنما تريد فرض الحل الإسرائيلي الذي يصفي القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها. فلا دولة ولا مشكلة اللاجئين ولا انسحاب من القدس ولا إزالة للمستوطنات، وإنما المطروح في أحسن الأحوال دولة بقايا تحل مشاكل إسرائيل الأمنية والديمغرافية وغيرها، ولا تلبي الحقوق الفلسطينية.

في هذا السياق، لا معنى للمصالحة وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وإنجاز الحقوق والحريات وإحياء المنظمة... إذا لم تكن في سياق مقاومة الاحتلال، وإعادة بناء الإجماع الوطني القادر على إنهاء الاحتلال.

لا يمكن خلق الإجماع الوطني الجديد القادر على النصر دون ميثاق وطني وإستراتيجية جديدين، يتم بلورتهما بعد إجراء مراجعة عميقة وجريئة وعقلانية للتجارب السابقة واستخلاص الدروس والعبر منها.

فدون ميثاق وإستراتيجية يوحدان الفلسطينيين، لا معنى لإحياء منظمة التحرير أو السلطة أو لإجراء الانتخابات (للمجلس الوطني والرئاسية والتشريعية)، ولا معنى لإنهاء الانقسام؛ لأن أي وحدة دون إستراتيجية ستكون هشة ومؤقتة سرعان ما تنهار، لأنها ستقوم على المحاصصة وتوزيع المناصب والمصالح والمغانم والنفوذ.

دون إجماع وطني جديد على ميثاق وإستراتيجية يجسدان المصالح والتطلعات الفلسطينية؛ يصبح إصلاح السلطة والتغييرات الوزارية وبناء المؤسسات والمسار السياسي والدبلوماسي مجرد تحسين شروط حياة للفلسطينيين تحت الاحتلال، ما يجعل سلطة الحكم الذاتي وكأنها باقية إلى أجل غير مسمى.

إن بناء الإجماع الوطني الجديد هو الطريق، الذي يؤدي إلى توحيد الفلسطينيين، وإنهاء الاحتلال، وهو إجماع يستند إلى مجمل الأهداف والحقوق والقواسم الوطنية المشتركة، وإلى قواعد العمل السياسي والديمقراطي والنضالي التي يتم الاتفاق عليها، ولا يلغي التعددية، ولكنها ستتجسد في إطار وطني موحد.

إن التقارب السياسي العام و إزاء أشكال النضال الذي فرضته وقائع الحياة العنيدة على الرغم من الانقسام، يجعل التوصل إلى إجماع جديد مسألة ممكنة وليست مستحيلة، خصوصاً إذا تحرك الشعب الفلسطيني واستلهم عودة الروح العربية لفرضها، ومع توفر الإرادة التي تُغَلِّب مصلحة الشعب على مصالح الأفراد والفصائل.

ولا ينفع بهذا المجال الدعوة إلى اعتماد الميثاق القديم أو وثيقة الاستقلال أو إعلان القاهرة أو وثيقة الأسرى أو اتفاق مكة أو الورقة المصرية، فالظروف التي أتاحت الوصول إلى هذه الوثائق تغيرت، وأهمها انهيار المفاوضات، فلا بد من أخذ هذه التغيرات بالحسبان، ووضع ركائز لإجماعٍ وطنيٍ جديد.

إن كل هذه الوثائق مهمة، وتحتوي جوانب يمكن الاستفادة منها والبناء عليها، غير أنها لا تنفع وحدها. فالتغيرات الهائلة في المنطقة وما فتحته من آفاق تتطلب رؤية وميثاق وإستراتيجية وأساليب عمل جديدة.

في المرحلة الجديدة، مرحلة عودة الروح إلى العرب، التي أخذ الشعب فيها دوره المفقود، لا يصح استخدام السياسات والأدوات وخطط العمل القديمة، والأشخاص القدامى. فدون إجماع وطني جديد يفتح آفاقًا جديدة، ويفجر ويوحد الطاقات والكفاءات والإبداعات الفلسطينية؛ لا يمكن تطوير المقاومة بالأشكال المتاحة لتصل إلى فك التبعية الاقتصادية للاحتلال وجعله مكلفاً لإسرائيل من خلال انتفاضة شعبية، تتحقق بخروج الشعب كله بتظاهرات وجميع أشكال المقاومة ومقاطعة الاحتلال والحواجز والجدار والحصار والاستيطان، وضد تهويد وأسرلة القدس. فالمقاومة وحدها في إطار إستراتيجية سياسية قادرةٌ على توحيد الشعب والقوى وإنهاء الانقسام والاحتلال.

لقد بدأت رياح التغيير تلقي بظلالها وآثارها على الفلسطينيين، كما يظهر في التحركات التي بادر إليها الشباب الفلسطيني في الأسابيع الأخيرة، وهي مرشحةٌ للاستمرار والتعاظم حتى تستطيع تحريك الشعب كله، ليفرض إرادته على الجميع.

إن المدخل العملي الذي يجب البدء به لتحقيق ما هو مطلوب لإنقاذ الشعب والقضية، يتجسد بإطلاق حوار وطني شامل، يختلف عن الحوارات السابقة من حيث مضمونه وأهدافه والمشاركون فيه، داخل الوطن وخارجه ولا يقتصر كالعادة على الفصائل والقيادات والشخصيات فقط، وإنما يشارك فيه ممثلون عن الشعب خصوصاً الشباب؛ حتى يتم التوصل إلى إجماع وطني جديد يرتكز إلى ميثاق وطني وإستراتيجية.

وبعد التوصل إلى الإجماع الوطني من خلال الحوار الوطني الذي يتم الشروع فيه أولاً بإحياء منظمة التحرير، لتكون قولاً وعملاً هي الممثل الشرعي والوحيد والكيان الوطني الجامع وصاحبة القرار، بحيث تضم الجميع أو الغالبية (كل من يوافق على الميثاق الوطني الجديد).

فعندما يتم إحياء منظمة التحرير، يمكن إعادة النظر بدور وشكل ووظيفة السلطة، ووضعها في مكانها الطبيعي كأداة في يد المنظمة وليست فوق المنظمة، بحيث تستخدم لتحقيق المصلحة الوطنية، لا أن تبقى عبئًا عليها، فالسلطة بصورتها الحالية تخدم الاحتلال أكثر مما تخدم الشعب الفلسطيني.

 

مشاركة: