الرئيسية » هاني المصري »   09 كانون الأول 2008

| | |
عملية ديمونا: رسالة أم بداية لموجة جديدة من العمليات؟
هاني المصري

 

جاءت عملية ديمونا بعد أكثر من عام على آخر عملية استشهادية في اسرائيل، وذلك بعد تراجع هذا النمط من العمليات في الاعوام الاربعة الاخيرة.

فهل يعتبر تنفيذ هذه العملية، التي نفذها الجناح العسكري لحركة حماس بداية لمرحلة جديدة ستشهد موجة جديدة من العمليات داخل اسرائيل كما هدد ممثل حماس في ايران؟ ام انها مجرد رسالة تحذيرية لاسرائيل تفيد بأن حماس قادرة على الضرب مجدداً داخل اسرائيل، وان الاجراءات الامنية الاسرائيلية، وكلفة هذه العمليات على الفلسطينيين بصورة عامة، وعلى من ينفذها بصورة خاصة، لن تمنع من العودة اليها.


الاجهزة الامنية الاسرائيلية تدعي أن الاجراءات التي اتخذتها اسرائيل، ومن ضمنها وعلى رأسها الحواجز وبناء جدار الفصل العنصري والقتل المستهدف (الاغتيالات) والعقوبات الجماعية والحصار والاعتقالات هي التي ادت الى انحسار موجة العمليات في السنوات الاخيرة، وتدلل على ادعائها بتوفر عشرات الانذارات بصورة شبه دائمة، واحباط عشرات المحاولات لتنفيذ عمليات. الادعاء الاسرائيلي ينطوي على بعض الصحة لكنه لا يفسر كافة ملابسات واسباب تراجع العمليات داخل اسرائيل. لا احد يستطيع ان ينكر ان كلفه العمليات داخل اسرائيل وصعوبة تنفيذها دخلت في حسابات الفصائل التي تدعمها وتنفذها، ولكن هذا العامل وحده لا يفسر ما حدث. هناك سبب او عدة اسباب أخرى ساهمت في اتخاذ القرار بالتقليل او حتى بتجميد العمليات داخل اسرائيل، اهمها ان حركة حماس، وهي صاحبة الحصة الأكثر فعالية من العمليات داخل اسرائيل اختارت ودعمت ونفذت الهدنة مع اسرائيل أكثر من مرة كانت أهمها بعد اعلان القاهرة الصادر في آذار عام 2005، والذي كان المؤشر الابرز على تغيير سياسة حماس من جملة من الامور اهمها، اولاً: موقفها من السلطة، حيث اختارت المشاركة بها الى حد دخول الانتخابات التشريعية في مستهل عام 2006، حيث حصلت على الأغلبية وشكلت حكومة بمفردها ثم سقطت هذه الحكومة جراء الحصار والمقاطعة، وشاركت في حكومة الوحدة الوطنية وصولا الى الاقتتال والانقسام بحيث اصبحت هناك سلطة في الضفة وسلطة الامر الواقع في غزة. وثانياً، موقفها من عملية السلام وأسلوب المفاوضات، حيث وافقت على تفويض ابو مازن بالتفاوض باسم المنظمة والفلسطينيين جميعاً وعلى اساس برنامج الدولة الفلسطينية على حدود 1967. من السابق لاوانه الجزم بشكل مؤكد أن عملية ديمونا مجرد رسالة تحذيرية تثبت فيها حماس أنها قادرة على تنفيذ عمليات داخل اسرائيل، وفي المدينة الاستراتيجية التي يوجد فيها المفاعل النووي، وفي وقت كانت اسرائيل تتخذ اشد الاحتياطات بعد الثغرات التي فتحت على الحدود المصرية-الفلسطينية والتي قالت الاجهزة الامنية الاسرائيلية علنا بان حماس استخدمتها لتهريب اسلحة متطورة، ويمكن ان تستخدمها لتنفيذ عمليات داخل اسرائيل عن طريق سيناء أو أنها بداية مرحلة وموجة جديدة من العمليات داخل اسرائيل.

إن القرار النهائي في هذا الامر يتوقف على أي وجهة نظر ستنتصر داخل حماس وغيرها من الفصائل التي تؤمن بهذا النمط من العمليات، فهناك عدة وجهات نظر. وجهة النظر الاولى التي تغلب مسألة تعزيز سيطرة حماس على قطاع غزة وفتح الطريق لانهاء الانقسام الفلسطيني بصورة لا تؤدي الى هزيمة حماس بل تعزز وجودها وسيطرتها في النظام السياسي الفلسطيني في السلطة اولا، تمهيداً للانتقال الى المنظمة ثانياً، او وجهة النظر الثانية المتشددة التي ترى بأن اشتراك حماس في السلطة كان خطيئة ويجب اصلاحها فوراً، لأن السلطة كانت عبئاً على المقاومة وبديلا عنها وجعلت حماس تبدو من وجهة نظر الكثيرين بانها دخلت في لعبة الصراع على السلطة، مغلبة مصالحها ومصالح قياداتها على المصلحة الوطنية العامة، وعلى مصلحة المشروع الاسلامي، وعلى خيار المقاومة الذي هو الخيار الوحيد.

من تابع النقاشات التحضيرية لمؤتمر دمشق ونتائجه، يلاحظ ان هناك اشارات كثيرة تدل على أن المشتركين يميلون وكادوا ينجحون في اعادة الامور الى العودة الى برنامج التحرير الكامل بدلا من برنامج اقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 1967، والى خيار المقاومة المسلحة بدلاً عن المفاوضات وعملية السلام، ولوّح بعضهم، بل طالب بحل السلطة حتى تكون الآفاق امام المقاومة رحبة وواسعة.

لا شك في أن ما ستنتهي اليه الامور على معبر رفح والحدود المصرية-الفلسطينية مهم جداً لتقرير اي اتجاه ستسير فيه الامور. فاذا استبعدت حماس تماماً وعاد الحصار والاغلاق مطبقاً على قطاع غزة، تطبيقا لسياسة تطبيق الاتفاقيات المعتمدة، سواء اذا استلمت السلطة المعابر أم لم تستلمها، لأن القرار سيبقى في هذه الحالة بيد اسرائيل، وهي التي ستقرر متى سيفتح المعبر ومتى يغلق. ونذكر الجميع ان 80% من الأيام كان المعبر مغلقا قبل سيطرة حماس على السلطة في غزة، فهذا سيعزز منطق الداعين الى اعتماد خيار المقاومة. وهنا لا يفيد السلطة ان تقدم نفسها وسيطا لتحقيق وقف اطلاق نار متبادل، بل يجب ان تكون لديها خطة متكاملة تهدف الى انهاء الانقسام وتعزيز الموقف الفلسطيني من مختلف الجوانب.

واذا تم التوصل الى ترتيبات على الحدود والمعبر، بحيث تتواجد السلطة رسميا وعلنياً، ولكن يتم التعامل واقعياً مع حماس بوصفها صاحبة السلطة في غزة، واذا تم التوصل الى صفقة تبادل الاسرى وسط صفقة اشمل تتضمن التهدئة المتبادلة وفك الحصار والاعتراف الاسرائيلي الواقعي بحركة حماس والتعامل معها مقابل وقف الصواريخ والقذائف والعمليات ضد اسرائيل.

ان عملية ديمونا ستجعل الحكومة الاسرائيلية أكثر استعداداً لقبول صفقة مع حماس خصوصا ان هذه الصفقة تضرب عصفورين بحجر واحد. فإضافة الى وقف الصواريخ والقذائف والعمليات ضد اسرائيل، فان الاعتراف الواقعي الاسرائيلي بسلطة حماس في غزة من شأنه ان يعمق الانقسام الفلسطيني، وهذا مهم جداً لاسرائيل كونه يوفر لها استمرار الفرصة الثمينة للاسراع في استكمال تطبيق مشاريعها الاستيطانية والعنصرية بسرعة أكبر وتكاليف أقل.

واخيراً لا يمكن إنهاء هذا المقال، دون التطرق الى علاقة المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية وما ستحمله من تقدم او تراجع او مراوحة في الحلقة المفرغة التي دخلت فيها، ويبدو انها لن تخرج منها. فالعمليات تقف بالمرصاد لأي تقدم تحرزه المفاوضات، كما كان الامر في السابق، منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى عام 2000. فلقد كانت العمليات تشتد عند توقيع الاتفاقات او عند حصول لقاءات او زيارات مهمة، لأن تقدم المفاوضات في ظل الخلاف الفلسطيني في السابق، والانقسام الحالي من شأنه ان يضعف طرفاً ويقوي طرفاً.

لكن على الطرف الفلسطيني الرافض لعملية السلام والمفاوضات ان لا يخشى شيئاً، لأن المفاوضات بدأت دون مرجعية واضحة وملزمة وهذا يجعل اسرائيل تتحكم بها، ويجعل المفاوضات عامل اضعاف للطرف الفلسطيني المنخرط بها. ومن لم يصدق فليقرأ الاستطلاعات التي ظهرت منذ "مؤتمر" انا بوليس وحتى الآن، فحركة حماس تم وقف تراجعها وبدأت بالتقدم مجدداً، وهي لم تستفد مما حدث على الحدود المصرية-الفلسطينية ودلالاته الكبرى في كسر الحصار الاسرائيلي فقط، وانما استفادت وستبقى تستفيد من تحول المفاوضات الى مضيعة للوقت بالنسبة للفلسطينيين، وغطاء لاسرائيل لتغطية استمرارها بسياسة فرض الحقائق على الارض، التي تجعل الحل الاسرائيلي أكثر وأكثر هو الحل الوحيد المطروح عمليا!؟

 

 

مشاركة: