الرئيسية » هاني المصري »   17 تموز 2007

| | |
تمخضت القمة فولدت بوادر بناء الثقة
هاني المصري

عقدت قمة جديدة بين أبو مازن وأولمرت في منزل أولمرت في القدس بعد أن تردد كثيراً أنها ستعقد في أريحا، ولكن المكان تغير مثل كل مرة لأسباب أمنية. فالأمن هو الذي يحكم كل شيء بما في ذلك مكان عقد اللقاءات الفلسطينية ـ الإسرائيلية ونتائجها!! القمة هذه المرة نتج عنها شيء ملموس وهو بوادر بناء الثقة المتمثلة بالإفراج عن 250 أسيراً التي وعد أولمرت بالإفراج عنهم في قمة شرم الشيخ، والكف عن ملاحقة 178 مطارداً من المطلوبين من حركة فتح، والسماح لعدد من القيادات الفلسطينية للمشاركة في أعمال المجلس المركزي والمكوث لعدة أسابيع فقط، والاستمرار في صرف الأموال الفلسطينية المحتجزة على دفعات، والتأكيد على وعد أولمرت القديم بإزالة بعض الحواجز وتخفيف الاجراءات على الحواجز عندما تنهي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية دراسة الأمر، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، وإدخال بعض المركبات والأسلحة وربما قوات بدر.

 

البوادر التي يقدمها أولمرت هذه المرة مكشوفة الأهداف تماماً، فهي تتعلق بتعميق الانقسام الفلسطيني وتوظيفه لصالح اسرائيل قبل الانتقال لتقييم نتائج القمة بالإجمال، لا بد من القول إن الأسرى المنوي الافراج عنهم لم يتم الاتفاق عليهم وانما هو إجراء إسرائيلي أحادي الجانب. وهم أسرى ينتمون في غالبيتهم الساحقة الى حركة فتح، وهم أنهوا معظم محكوميتهم وغالبيتهم الساحقة لم يتبق على وجوده في السجن سوى أقل من عام. فلم تشمل القائمة أسرى "ملطخة أياديهم بالدم اليهودي" ولا من ذوي الأحكام العالية الذين يرزحون وراء القضبان منذ أكثر من عشرين عاماً. ومع الترحيب بالإفراج عن كل أسير ولو تبقى له في الأسر يوم واحد، ولكن معرفة ظروف المنوي الإفراج عنهم توضح محدودية البادرة وكيف أنها تحتوي على السم أكثر ما تحوي من الدسم. فالتمييز بين الأسرى وعدم أخذ مطالب "الشريك الفلسطيني" بالاعتبار شيء لا يستحق كل هذا الاحتفال.

والمطاردون الذين سيتم التوقف عن ملاحقتهم يجب أن يتعهدوا بتسليم أسلحتهم وبعدم مقاومة الاحتلال والتزامهم بجدول زمني ينتهي بعد ثلاثة أشهر، أي هم تحت الاختبار. من الملاحظ أن بوادر بناء الثقة كلها جزئية ومبتورة وناقصة ومشروطة وبعضها يسبب إحراجاً للرئيس والسلطة مثل الكف عن ملاحقة جزء من المطاردين ومن حركة فتح وحدها، كذلك إطلاق أسرى في غالبيتهم من حركة فتح، فالرئيس رئيس للشعب الفلسطيني كله وليس لحركة فتح وحدها، والتعامل الندي يقتضي الاتفاق المشترك على أسس ومعايير الافراج عن الأسرى والكف عن ملاحقة المطاردين كلهم دون استثناء. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن ضمان نجاح العملية دون الاتفاق على وقف إطلاق نار متبادل وشامل ومتزامن، ودون الاتفاق على وقف اقتحام المدن والاغتيالات والاعتقالات بحجة أن هناك مطلوبين آخرين.

أما بالنسبة للسماح لبعض القادة بالزيارة فهذه نكتة سمجة، فهؤلاء لهم حق بالعودة الى وطنهم والإقامة الدائمة فيه. أما السماح لهم بالمشاركة في أعمال المجلس المركزي بحجة دعم أبو مازن وحكومة تسيير الأعمال، فينطوي على اساءة واضحة. فإسرائيل لا تدعم حقاً السلطة بهذه البوادر بل تسيء لها وتحرجها أكثر مما تساعدها.

أما بالنسبة لإزالة حواجز وتخفيف الاجراءات على الحواجز فما حدث منذ قمة شرم الشيخ، حتى الآن، هو تكثيف الاجراءات على الحواجز وزيادتها لدرجة دفعت المواطنين لوضع أيديهم على قلوبهم عشية القمة الجديدة خشية من نتائجها على صعيد تشديد الاجراءات على الحواجز، كما يتندر المواطنون، لكي تعود الأمور الى سابق عهدها بعد القمة، وتدعي حكومة أولمرت بعد ذلك، أنها أزالت حواجز أو سهلت الاجراءات على الحواجز.

إن من الخطأ القاتل الغرق في البحث مع إسرائيل حول كل حاجز على حدة، وكل أسير على حدة، وكل معبر على حدة، وكل مطارد على حدة، وكل مدينة على حدة، وهكذا بالنسبة لكافة المواضيع. كما من المرفوض انتظار الكرم الإسرائيلي والموافقة على اللفتات الإسرائيلية مهما كانت بدون احتجاج ولا ردة فعل. إن الاستمرار في هذه السياسة المتهاونة يجعل السلطة تنزلق بسرعة، بوعي أو بدونه، نحو إعادة انتاج أخطاء وخطايا الماضي وبشكل أسوأ. لقد عانى الفلسطينيون معاناة مرّة من تقسيم المراحل بين انتقالي ونهائي، ومن فصل القضايا عن بعضها البعض، ومن تقسيم الأرض إلى أ، ب، ج، ومن الوفاء بالالتزامات الفلسطينية أولاً، ومن تقسيم كل قضية إلى أجزاء ثم إلى تفاصيل، الأمر الذي أدخلنا في دوامة حتى ونحن في أيام "عز أوسلو". لقد عرفنا كيف دخلنا الى هذه الدوامة ولم نعرف كيف نخرج منها. إذا كان الهدف الفلسطيني من وراء كل ذلك احياء أوسلو وإعادة الأمور الى ما كانت عليه قبل 28 أيلول فليتم ذلك مرة واحدة وليس على دفعات ومراحل يمكن أن تستغرق على هذه الوتيرة سنوات. أنا أعتقد أن إسرائيل ليست بوارد إحياء أوسلو، وإنما إعادة إلزام الفلسطينيين بالتزاماتهم الواردة في أوسلو وخصوصاً الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود والاقلاع كلياً عن المقاومة بكافة أشكالها.

إن القبول بالتفاوض حول تفاصيل التفاصيل دون مرجعية واضحة ولا اتفاق حتى على معالجة الأوضاع المعيشية والراهنة، ودون اتفاق على استئناف المفاوضات حول قضايا الوضع النهائي، ودون أي التزام متكامل حتى بالمسائل الإجرائية، ودون وقف العدوان والاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال، يحول السلطة الى سلطة وظائفية إدارية مهمتها الأساسية توفير الأمن للاحتلال.

تأسيساً على ما تقدم لا بد من الحذر من الانزلاق في هذا الطريق تحت وطأة الانقسام والضعف والعناد وردة الفعل ومحاولة الحصول على أي شيء من إسرائيل.

التجربة تعلم بضرورة الإصرار على التمسك بإطلاق مسار سياسي جدي واستئناف المفاوضات حول الوضع النهائي على أساس مرجعية تضمن الحق الفلسطيني وانهاء الاحتلال، وفي ظل وجود ضمانات ومشاركة دولية فاعلة، وجداول تنفيذ وآلية تطبيق ملزمة، وعلى شرط أن يترافق استئناف المفاوضات ليس مع وقف المقاومة فقط وانما أيضاً مع وقف العدوان العسكري بكل أشكاله، ووقف الاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال وكل سياسة فرض الحقائق على الأرض. إذا لم نصر على ذلك؟ إذا لم نناضل من أجل ذلك؟ نبيع القضية بثمن بخس!.

 

مشاركة: