الرئيسية » هاني المصري »   25 تموز 2006

| | |
شرق أوسط جديد أم إعادة إنتاج القديم؟
هاني المصري

اعلنت كوندوليزا رايس عشية جولتها الشرق اوسطية ان ما يجري هو مخاض لميلاد شرق اوسط جديد. وهذا التصريح اما انه اشبه بصاعقة في سماء صافية اي انه دون مقدمات او على الارجح يكشف عن وجود مخطط وراء الحرب العدوانية الاسرائيلية ضد فلسطين ولبنان يهدف الى فرض الهيمنة الاميركية - الاسرائيلية على منطقة الشرق الاوسط وضرب خيار المقاومة عبر ضرب المقاومة في لبنان وفلسطين.

الادارة الاميركية لا تخفي ان تحركها السياسي يهدف الى قطف ثمار العدوان العسكري الاسرائيلي، لذلك رفضت ادارة بوش كل المبادرات التي جرت في مجلس الأمن أو غيره للتوصل أو حتى للمطالبة بوقف اطلاق النار. فوقف اطلاق النار يجب ان يحدث حسب تصريحات رايس عند توفر الشروط المناسبة له. وما لا تقوله رايس علنا، يقوله جون بولتون ممثل الادارة الاميركية في مجلس الأمن، وهو ان الشروط المناسبة تعني نجاح اسرائيل في تحقيق اهدافها من الحرب على لبنان او التقدم على طريق تحقيق اهدافها، ومن اجل هذا الهدف تتصرف واشنطن في هذه المرة ليس بوصفها اعطت الضوء الاخضر لاسرائيل، او تصمت على العدوان او تكتفي بتشجيعه بل على اساس انها شريك كامل في الحرب الاسرائيلية لانها تنظر لها كجزء من الحرب الاميركية ضد الارهاب، وتراهن عليها للتغطية على الفشل الاميركي في العراق، فهي تحاول مع اسرائيل النجاح في فلسطين ولبنان بأسرع وقت ممكن للتخفيف من وقع الهزيمة المخزية القادمة للاحتلال الاميركي في العراق.

 

واللافت للنظر في السياسة الاميركية في هذه الايام، ان دعوة رايس لاقامة شرق اوسط جديد هي اقرب ما تكون الى عودة غير ميمونة لاحياء الشرق الاوسط القديم، الذي سبق ان دعا لاقامته شمعون بيريس بعيد التوقيع على اتفاق اوسلو، الذي يقوم على المزج بين العبقرية والكفاءة اليهودية والمال والعمالة العربيين.

فهناك تغير جوهري في السياسة الاميركية يراد تهريبه سراً، وهو تخلي الادارة البوشية عن دعواتها لنشر الديمقراطية والاصلاح التي طرحت للتغطية على الاحتلال الاميركي في العراق وافغانستان وعلى استمرار العدوان والاحتلال والاستيطان في فلسطين، ومن اجل التخلص من انظمة الاستبداد والفساد التي وفرت الحاضنة لانتشار الارهاب "الاسلامي".

ان الارتداد الاميركي عن دعوات الاصلاح ونشر الديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط يعود الى نتائج التجارب الديمقراطية وغير الديمقراطية التي شهدتها بلدان المنطقة خلال الفترة القليلة السابقة، وذلك في فلسطين والعراق ومصر والسودان والصومال وايران، حيث خرج الاسلام السياسي منتصراً عبر صناديق الاقتراع او من خلال المواجهات المسلحة وفي كل هذه التجارب دون استثناء.

لقد كانت الادارة الاميركية تعرف ان "الاسلام السياسي" هو الطرف السياسي الوحيد الموجود بقوة في الشارع العربي والاسلامي، وهو المؤهل لاستلام الحكم سواء عبر صناديق الاقتراع او من خلال المجابهة الشعبية او بانقلابات، الا انها كانت تسعى الى التمييز بين ما يسمى "الاسلام المعتدل" و"الاسلام المتطرف" بحيث يستعد الاول للموافقة على الشروط الاميركية - الاسرائيلية والتي تقوم على ضمان تدفق النفط وحماية وجود وأمن اسرائيل، ومحاربة "الاسلام المتطرف" والارهاب مقابل دعمه في استيلائه على السلطة في البلدان العربية والاسلامية، ورغم اشارات الاعتدال التي اطلقها الاسلام السياسي المعتدل في عدة اماكن وخصوصاً في العراق وفلسطين، الا ان هذه الاشارات لم تصل الى حد تلبية الشروط الاميركية - الاسرائيلية ولم تترافق مع التخلي عن خيار المقاومة سواء في افغانستان او فلسطين او العراق او لبنان، كما انها تزامنت مع مساعي ايران للعب دور مركزي في المنطقة كما ظهر في نجاحاتها في العراق ولبنان وتحالفها مع سورية وحركتي حماس والجهاد الاسلامي في فلسطين، الامر الذي يهدد المخطط الاميركي الرامي لاقامة شرق اوسط جديد تحت الهيمنة الاميركية وتلعب فيه اسرائيل دوراً مركزياً.

في هذا السياق، ادارة بوش الآن تسعي لاقامة محور جديد قديم يعتمد على الانظمة القائمة واسرائيل، ويسعى لعزل سورية وايران وضرب المقاومة خصوصاً في فلسطين ولبنان، أما مسألة الديقراطية فتراجعت الى الخلف حتى اشعار آخر، ان الادارة الاميركية عندما طرحت نشر الديمقراطية لم تفعل ذلك اساساً ايماناً بالديمقراطية كنهج حياة وللحكم وامتثالاً للقيم التي تنطوي عليها، وانما لانها بدت انها مناسبة اكثر من غيرها لتحقيق المصالح والاهداف الاميركية، وعندما حملت الانتخابات حماس والاخوان المسلمين الى السلطة في فلسطين والى مجالس النواب بنسبة مقلقة في كافة البلدان التي جرت فيها الانتخابات دون قيامهم بالدور المطلوب منهم على احسن وجه، ادارت لهم ظهر المجن.

ما سبق لا يعني، ان السجال المسلح والرفض الكامل هو الطريق الوحيد للتعامل بين الادارة الاميركية - والاسلام المعتدل وانما ان الشروط لم تنضج بعد للاتفاق، والى ان يتم ذلك، اذا تم اصلاً سنشهد صراعات وحروباً قد تكون من ضمنها حرب اميركية - ايرانية تشارك فيها اسرائيل، اذا لم تتوصل الادارة الاميركية الى صفقة مع ايران.

ولعل ما يجري في لبنان بروفة للحرب القادمة او نموذج للصفقة القادمة، فاذا نجحت المبادرة السعودية التي تلقى دعماً روسياً وصينياً ويمكن ان تلقى دعماً اوروبياً خصوصاً فرنسياً، فانها ستثبت امكانية الاتفاق. فهي مبادرة تجعل كل الاطراف تشعر انها خرجت منتصرة. فاسرائيل في هذه المبادرة تحرر جندييها وتبعد حزب الله عن الحدود التي يتكفل بحمايتها مجلس الأمن عبر ارسال قوات دولية وعلى امل نزع سلاح حزب الله لاحقاً. وحزب الله يشعر انه حرر مزارع شبعا والاسرى اللبنانيين واحتفظ بسلاحه ودوره المميز في المعادلة اللبنانية دون ان يفقد دوره الاقليمي كلياً.

واذا لم تنجح المبادرة السعودية او مبادرة شبيهة بها، فهذا يعني ان الحرب على لبنان يمكن ان تطول، وهذا يعني ان ساعة الاتفاق على توزيع الادوار والحصص في المنطقة لم تدق بعد.

ان منطقة الشرق الاوسط، اشبه ما تكون حالياً بالرجل المريض الذي تحاول كل الاطراف التنازع على املاكه وميراثه قبل ان يموت وهذا يعني ان العرب دون قائد ولا دولة قائدة ولا مشروع قادر على قيادتهم لتحقيق مصالحهم واهدافهم ومطامحهم، الامر الذي يجعلهم لقمة مستساغة وسهلة لاطماع الجميع.

 

مشاركة: