الرئيسية » هاني المصري »   03 آذار 2007

| | |
اتفاق مكة والتصعيد الاسرائيلي والرد الفلسطيني ونموذج بلعين
هاني المصري

في بداية الانتفاضة الحالية، وتحديداً في العام 2001 وقبل أن تبلغ الانتفاضة نهاية عامها الاول، كتبت مقالا تحت عنوان "وقف الانتفاضة مقابل وقف العدوان والاستيطان". وفي نفس اليوم الذي نشر فيه المقال هاتفتني شخصية قيادية بارزة وطلب لقائي على الفور لامر يتعلق بالمقال. فذهبت فورا فاذا بهذا الشخص غاضب جداً على المقال، وقال لي محتداً "لا نوقف الانتفاضة مقابل تحرير فلسطين" والله على ما اقول شهيد. طبعاً ما قصده هو أن لا يوقف الانتفاضة مقابل تحرير الاراضي المحتلة العام 1967، ولكن انفعاله والحجج التي ساقها عكست أنه يتعامل مع الانتفاضة كغاية وهدف بحد ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق أهداف. وبينما انا لا ازال في نقاش مع هذه الشخصية القيادية، تلقى مكالمة هاتفية من شخصية قيادية اخرى، عضو في اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، وأخبر المتصل أنه يجلس معي فقال له أكيد تناقشه في المقال المنشور اليوم. وطلب التحدث معي والقى على مسامعي هو الآخر عبارات تفيد بأن الانتفاضة أكبر من وقف الاستيطان والعدوان، وانها يجب ألا تقف قبل تحرير الضفة والقطاع واقامة الدولة المستقلة. لا يؤمن القياديان بأن السياسة هي فن افضل الممكنات. وان تحقيق اقصى ما يمكن يفتح الطريق لتحقيق انجازات اخرى.

 

بالامس تذكرت هذه الحادثة، بعدما سألني مراسل صحافي سؤالين: الاول ماذا تهدف اسرائيل من وراء تصعيد عدوانها كما ظهر باقتحام نابلس، واستئناف الاغتيالات؟ وعندما قلت له جوابي بأن حكومة اولمرت تهدف لتحقيق عدة أهداف أهمها استكمال مخطط فرض الحقائق على الارض التي تجعل الحل الاسرائيلي هو الوحيد الممكن تطبيقه عملياً، وإفشال وتعطيل اتفاق مكة وإذا لم يتحقق ذلك تسعى لإفشال حكومة الوحدة الوطنية، وهنا سألني السؤال الثاني: كيف يمكن ذلك؟ فأجبته ان تصعيد العدوان بشكل مكثف ومتواصل بعد اتفاق مكة، بدءاً بالشروع بالحفريات والتنقيب تحت وحول المسجد الاقصى، مروراً باجتياح نابلس لعدة أيام، وانتهاء باغتيال كوادر الجهاد الاسلامي في جنين والتهديد باجتياح غزة، من شأنه ان يستدرج رداً مقاوماً فلسطينيا. فكما لاحظنا ان كل الاجنحة العسكرية، وخصوصا سرايا القدس، اعلنت عزمها على الرد بعد أن كبرت قائمة الحساب وعندما يأتي الرد، الذي سيأتي عاجلا أم آجلا، ستستخدم اسرائيل الرد كذريعة لشن عدوان أكبر هذا اذا لم تقم حكومة الوحدة الوطنية بايقاف اطلاق القذائف والصواريخ من غزة على جنوب اسرائيل، ووقف عمليات المقاومة ضد الاحتلال بصورة عامة، وداخل اسرائيل بشكل خاص.

ان عودة المجابهة المسلحة لن تمكن حكومة الوحدة الوطنية من الاستقرار والعمل وتنفيذ برنامجها على أي صعيد. فلا يمكن الجمع ما بين السلطة والمقاومة المسلحة. فاسرائيل كما عودتنا دائماً تحمل السلطة المسؤولية عن عمليات المقاومة، وتقوم اذا لم تردع السلطة هذه العمليات بعقاب السلطة بتدمير مقراتها ومحاصرتها واعتقال واغتيال افراد الاجهزة الامنية.

آخر ما كانت تنتظره اسرائيل اتفاق مكة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، واذا تحقق وقف العدوان والاستيطان مقابل وقف الانتفاضة سيكون هذا انجازاً كبيراً للفلسطينيين، وستزداد الخلافات داخل اسرائيل ما بين دعاة الحل الاقليمي الوسط، ودعاة اقامة اسرائيل الكبرى، وبين ما تبقى من اليسار ومعسكر السلام، واليمين واليمين الاكثر تطرفا. كما سيظهر ضغط دولي متزايد على إسرائيل بدلا مما شاهدناه خلال السنوات الماضية من أن الضغط الدولي تركز في معظمه على الفلسطينيين، وحتى الآن لا يزال الضغط مستمراً ويطالب الفلسطينيين، عبر الحكومة القادمة، بالوفاء بشروط الرباعية كما هي حتى يتم رفع الحصار عن الفلسطينيين.

الرد الفلسطيني على المطالبة الدولية (المتفاوتة الان بعد اتفاق مكة بين دولة وأخرى. فروسيا تطالب بتطبيق هذه الشروط ولكنها ستدعم وتتعامل مع الحكومة القادمة. وأوروبا مترددة بين نار المقاطعة وجنة رفع الحصار، والولايات المتحدة الاميركية واسرائيل تهددان بالمقاطعة) يكون:

أولاً: بموقف موحد يرفض الموافقة على الشروط الدولية ما لم تلتزم اسرائيل بشروط مماثلة متبادلة، يكون من ضمنها وعلى رأسها الاعتراف بحق الفلسطينيين بإقامة دولة على الأراضي المحتلة العام 1967 بما فيها القدس، وليس اقامة دولة تكون حدودها ومساحتها وكل شيء فيها محل تفاوض، ما يجعلها تحت رحمة اسرائيل.

ثانياً: المضي في تشكيل حكومة وحدة وطنية لا تقوم على أساس المصالحة والتعايش بين برنامجين، وتقاسم الحكومة والسلطة من قبل فصيلين على اساس المحاصصة الثنائية، وانما تقوم على بلورة برنامج وطني واقعي منسجم يدافع عنه الجميع لأن هذا التطور اذا نجح وتعزز سيثبت وجود شريك فلسطيني مستعد للسلام وغياب الشريك الاسرائيلي. فالحكومات الاسرائيلية، وليس الفلسطينيين، هي التي عطلت تطبيق اتفاق اوسلو وملحقاته وصولا الى تجاوزه كلياً، وهي التي وضعت التحفظات على خارطة الطريق ما ادى الى قتلها قبل ان تقلع، وهي التي ترفض المبادرات العربية والدولية الرامية الى إحياء عملية السلام عن طريق وضع افق سياسي يحدد الاهداف النهائية منذ البداية لضمان نجاحها وسرعة وصولها الى تحقيق اتفاق سلام.

واذا عدت الى مقالي السابق "وقف الانتفاضة مقابل وقف العدوان والاستيطان" وربطته بما يجري اليوم واحتمالات تصاعد المواجهة العسكرية، وفي ظل تكثيف الاستيطان واستكمال بناء جدار الفصل العنصري، استطيع ان استنتج ان تحقيق هدف المقال المنشور كان سيمثل خطوة كبرى باتجاه تحرير الارض المحتلة العام 1967، أما تعدد أهداف الانتفاضة وعدم تحديد أهداف واقعية موحدة للانتفاضة، واستخدام اشكال نضال لا تتناسب مع موازين القوى وخصائص الصراع والمعطيات العربية والاقليمية والدولية، ساهم في عدم قدرة الانتفاضة الحالية على تحقيق أهدافها، وفي وصولنا الى الوضع الذي نحن فيه الآن، وتخضع له المقاومة. فلا يمكن العودة للعمليات الاستشهادية داخل اسرائيل التي تستهدف المدنيين، ولا يمكن الاستمرار بإطلاق صواريخ وقذائف، تحدث ضرراً بسيطا لاسرائيل وضرراً جسيما للفلسطينيين. ولا يمكن ايضاً الامتناع عن المقاومة كليا وانتظار رحمة استئناف المفاوضات وعملية السلام. فهذا يجعلنا مثل الذي ينتظر غودو الذي لن يأتي، وإذا أتى ستكون المفاوضات من أجل المفاوضات او على شروط المفاوضات.

بلعين نموذجاً

لندرس جيداً تجربة قرية بلعين في المقاومة. وهي تجربة مستمرة حتى الآن منذ أكثر من سنتين. ففي كل يوم جمعة يتم التظاهر والتصدي لقوات الاحتلال بمشاركة متضامنين اسرائيليين وأجانب احياناً يكونون بالمئات، وأكثر من الفلسطينيين المشاركين. وخلال هذه الفترة من المقاومة اعتقل وجرح العشرات وربما المئات، ولكن لم يسقط شهيد واحد. ولم تتعطل الحياة في بلعين. صحيح أن بلعين لم تستطع حتى الآن ان توقف مصادرة الأراضي ولا اقامة الجدار، ولكن لنتصور لو كان هناك عشرات المواقع بل المئات، تشهد كل يوم جمعة ما تشهده بلعين. انا واثق بأن اهدافاً كبرى ستتحقق، واذا لم تتحقق لا نقدم خسائر ضخمة بلا جدوى تذكر.

بالتأكيد أن تصميم نموذج بلعين وحده لا يكفي، والمقاومة الشعبية وحدها لا تكفي، بل نحن بحاجة الى رؤية استراتيجية متكاملة، قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل اشكالها السياسية والاقتصادية والشعبية، ودون استبعاد داخلي للمقاومة المسلحة، رؤية تمديدها للمفاوضات وعملية السلام شرط أن تكون قادرة على انهاء الاحتلال. واذا لم نستطع ان نقنع الادارة الاميركية والحكومة الاسرائيلية، الآن او في أي وقت آخر، بأن استمرار الاحتلال، وعدم حل القضية الفلسطينية يهدد مصالحهما الاستراتيجية، ويجعلهما تخسران أكثر مما تربحان لا يمكن ان يتحقق السلام.

وعندما تكون هناك رؤية استراتيجية موحدة، ورد فلسطيني موحد، سيكون المجال مفتوحاً للردود العفوية والمتفرقة. أليس كذلك؟

 

مشاركة: