الرئيسية » هاني المصري »   09 آب 2008

| | |
سرّ الجديد في جعبة حكومة سلام فياض
هاني المصري

 

نظم المركز الفلسطيني للإعلام والأبحاث والدراسات "بدائل" جولة أفق مع دولة رئيس الحكومة الدكتور سلام فياض بحضور عشرات الفعاليات الوطنية والاكاديمية والاعلامية وبمشاركة من مختلف الاطياف والاراء السياسية.

تعود خلفية الدعوة لعقد هذا اللقاء الى امور اساسية يمكن ان نجملها في النقاط الرئيسية التالية:

أولا: ضرورة تقييم عمل حكومة تسيير الاعمال بمناسبة مرور اكثر من عام على قيامها، وثانيا: تسليط الاضواء على الافكار والخطوات الجديدة التي طرحها او اقدم عليها رئيس الحكومة خلال الاشهر الماضية والتي عكست ملامح سياسية جديدة، وربما نهجا جديدا .

 

يقول البعض ان ذلك نوع من الدعاية الانتخابية والتكتيكية ــ رغم تأكيد فياض على عدم نيته الترشح للانتخابات القادمة أو تسلم منصب جديد مستقبلا ــ ومجرد خطوة استباقية قبل تفاقم الازمة المالية، وكنوع من ردة الفعل على سعي اسرائيل الواضح لافشال الحكومة رغم قيامها بالالتزامات الفلسطينية كما وردت في خارطة الطريق.

لقد طرحت حكومة الطوارئ اولا وتسيير الاعمال ثانيا الكثير من التساؤلات وحققت منذ تشكيلها الكثير من الايجابيات ووقعت في الكثير من السلبيات، فهي ولدت بعد الانقسام السياسي والجغرافي الذي كان ولا يزال بمثابة نكبة جديدة حلت بالفلسطينيين ولكن هذه المرة نكبة من صنع اياديهم.

في هذا السياق تم التشكيك بشرعية الحكومة، فهي، في ظل غياب المجلس التشريعي لم تحظ بثقته حتى اليوم، رغم انها حاولت الحصول على الثقة وهذا يجعلها تعمل بدون رقابة ومحاسبة المؤسسات الدستورية، كما تمت اثارة مسألة عدم مشاركة الفصائل فيها، خصوصا عدم مشاركة حركة فتح، التي بدون دعمها ودعم الرئيس لن تجد هذه الحكومة النور، فـ"فتح" اعتقدت ان عمر هذه الحكومة سيكون قصيرا ولم تتصور انها ستعمر كل هذه المدة، لذلك اوساط واسعة داخل "فتح" اخذت تطالب بتغيير الحكومة او تعديلها او توسيعها حتى تشارك "فتح" بالحكم فهي التي تحظى بالقوة وبالحصة الثانية من اعضاء المجلس التشريعي.

لكن رغم ظروف نشأة الحكومة الصعبة جدا والخصائص التي رافقتها الا انها استطاعت تحقيق انجازات ملموسة لا يمكن انكارها خصوصا في الامن الداخلي والاقتصاد والادارة، يكفي ان نقول ان حالة الفوضى والفلتان الامني التي كانت تشهدها الاراضي الفلسطينية اصبحت وراءنا الى حد كبير، واخفقت الحكومة اخفاقات كبيرة اهمها فشلها في انهاء الانقسام، هذه المهمة التي وضعتها على عاتقها بحكم مسؤولياتها عن وحدة الوطن والشعب، كما فشلت في وقف الاستيطان والعدوان والجدار وفي وقف الاقتحامات اليومية للقوات المحتلة للمدن والقرى والمخيمات بما في ذلك المناطق المفترض انها تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية والمصنفة مناطق "أ". وهناك علامات سؤال عن الاعتقالات السياسية التي نفذت خلال ولاية الحكومة والقت ظلالا سوداء على ادائها.

لقد كان رئيس الوزراء صريحا وجريئا فاعترف بوقوع اخطاء وجاء حديثه ليؤكد ان هناك تغيرا ما، يمكن ان يوصف بالتطور ويمكن ان يعتبر تغييرا فرضته تجربة الحكومة منذ تأسيسها وحتى الان، ولعله تغيير ناجم عن حقيقة ان السلطة والحكومة قد نفذتا معظم الالتزامات الفلسطينية الواردة في خارطة الطريق على امل ان يؤدي ذلك الى قيام اسرائيل بتنفيذ التزاماتها، او الى قيام الولايات المتحدة الاميركية واطراف اللجنة الرباعية والمجتمع الدولي بممارسة ضغط جدي على اسرائيل، ولكن لم يحدث لا هذا ولا ذاك، لذلك كان لا بد من اتخاذ مواقف وخطوات وسياسات تتناسب مع هذا الواقع .

فما ابرز المواقف والخطوات التي اتخذها سلام فياض وحكومته وتستدعي التوقف عندها وتسليط الاضواء عليها، ودعم ما يستحق الدعم، والسعي لتطويرها، وانتقاد ما يستحق الانتقاد، فالحكومة اجتهدت والمجتهد اذا اصاب له اجران واذا اخطأ له اجر واحد.

اول ما لفت نظري بشكل كبير الى ان هناك شيئا ما يحدث على سياسة الحكومة هي الرسالة التي ارسلها فياض الى الاتحاد الاوروبي والتي طالب فيها بالربط ما بين تطوير العلاقات الاوروبية ــ الاسرائيلية بموقف اسرائيل من السلام وتطبيقها الالتزامات الاسرائيلية، فذكرتنا هذه الرسالة بما تضمنته من وصف للاحتلال وسياساته العدوانية والاستيطانية بالزمن الذي مضى حين كانت فلسطين قضية تحرر وطني وحاملة راية حركة التحرر الوطني العالمية بعد ان استلمتها من فيتنام بعد تحررها. والشيء بالشيء يذكر، فاسرائيل اغتاظت من هذه الرسالة وقامت بتأخير تحويل الاموال الجمركية للسلطة لمدة عشرة ايام ولم تحولها كاملة بل اقتطعت قسما منها في رسالة انذارية بأن من يلعب بالنار يحرق اصابعه، وأن حكومة سلام فياض لا يوجد حصانة دولية أو اميركية تمنع من عقابها اسرائيليا.

التطور الثاني: الذي يلفت النظر في اداء وتصريحات رئيس الحكومة الفلسطينية انه طالب ويحث على تفعيل وتطبيق مبادرة الرئيس ابو مازن بالنسبة لاطلاق الحوار الوطني الشامل بهدف انهاء الانقسام واستعادة الوحدة لدرجة الدعوة للتحرك الشعبي (وهذا امر غير مألوف من رئيس حكومة لأن الحكومات تخشى من التحركات الشعبية) لفرض الحوار والوحدة ولم يكتف بالدعوة العامة للوحدة، فالدعوات العامة للوحدة يطلقها الجميع، ويستخدمها الكثيرون للاستهلاك المحلي والتغطية على تكريس الانقسام، بل مضى فياض الى ابعد من الدعوة العامة فقد طرح افكارا عملية تتمثل في تشكيل حكومة وفاق وطني انتقالية، تتشكل من كفاءات وطنية مستقلة لا تثير استفزازا لأحد محليا وعربيا ودوليا، وبدون اشتراطات على هذه الحكومة يمكن استخدامها من طرف لعدم توفير الغطاء لها، فاهمية هذه الحكومة انها محل توافق وطني اولا وانها ستقوم فورا بالعمل على استعادة الوحدة الجغرافية بدون انتظار نتائج الحوار الوطني الذي سيدور حول البرنامج السياسي والمفاوضات والمقاومة والسلطة وموقعها في النظام السياسي الفلسطيني واصلاح م.ت.ف. فالحوار الوطني يمكن ان يستغرق وقتا يستمر لعدة اشهر، وربما اكثر، بينما الوحدة لا تحتمل الانتظار. فكل يوم جديد يعطي للانقسام قوة جديدة، لان هناك عناصر وشرائح مستفيدة من الانقسام وتسعى لاستمراره، وهناك قرارات واجراءات تتخذ وستتخذ او بعضها حتما سيتخذ لأن الحياة ستمضي، ومن شأن ذلك ان يؤدي الى تعميق الانقسام.

اهمية فكرة حكومة الوفاق الوطني انها عملية وقابلة للتنفيذ فورا، لان تنفيذها لا يعني انتصارا لطرف ولا هزيمة لطرف، ولأن "حماس" يمكن ان تستخدمها سلما للنزول عن الشجرة العالية التي صعدت اليها، فهي لا يجب ان تخاف من الحكومة الانتقالية لانها تستطيع ان تؤثر عليها بحكم اغلبيتها في المجلس التشريعي، كما ان هذه الحكومة مؤقتة معروف للجميع انها كذلك، ومطالبة بالتمهيد لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في فترة يتفق عليها.

كما اقترح فياض الاستعانة بقوات عربية لفرض الامن واعادة بناء الاجهزة الامنية على اسس مهنية، محاولا بهذا الاقتراح تجاوز العقدة التي تحول دون بدء الحوار، وهي انهاء سلطة "حماس" في غزة أو ما يسمى التراجع عن الانقلاب أو اعادة الامور الى ما كانت عليه، بدون ان تخشى "حماس" شيئا لان الذي سيقوم بالسهر على اعادة بناء الاجهزة ليس حركة فتح غريمها ومنافسها وانما قوات عربية متفق فلسطينيا على دورها وصلاحيتها ومدة تواجدها، هذه الفكرة على اهميتها بحاجة الى موافقة عربية حتى يتم ارسال هذه القوات وبحاجة الى موافقة اسرائيلية، واسرائيل لن توافق عليها بدون ثمن، وانها خطوة اذا لم تتم بشكل مدروس تماما يمكن ان تمس الاستقلال الفلسطيني وتشكل فاتحة لعودة عهد الوصاية والانتداب والاحتواء.

التطور الثالث بالغ الاهمية الذي يحدث، والامانة تقتضي القول انه لم يبدأ مؤخرا وانما بعد تشكيل الحكومة، وهو الزيارات الميدانية التي تمكن المسؤول من التفاعل مع الشعب في اماكن تواجده المختلفة. وهي زيارات ليست موسمية بل تبدو أكثر واكثر انها منهجية. على سبيل المثال فياض زار نابلس حوالي عشر مرات وهذا حصل بشكل او بآخر مع مدن وقرى ومخيمات اخرى، المسؤول الذي يعيش في برج عاجي، بعيد عن الشعب، ويعتمد على التقارير والاقاويل من بطانته لا يمكن ان يشعر حقا بنبض الشعب.

التطور الرابع: تمثل بدعم وزيارة المواقع والمناطق المتضررة اكثر من الجدار والاستيطان والمعرضة للاقتحامات من قوات الاحتلال والتي تشهد مواجهات معها، مثل بلعين ونعلين ونابلس وسط خطاب سياسي واعلامي جديد وفعال يدعو الى اعطاء الاولوية للدفاع عن الارض والصمود في وجه الاحتلال وكسر قرارات الاغلاق وتشجيع المقاومة الشعبية، والدعوة لتفعيل الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي الدولية حول الجدار، والاهم تقديم دعم مادي وصل الى عشرات الملايين من الدولارات.

التطور الخامس: التحذير الذي اطلقه فياض بصورة متزايدة من الاعتماد على وهم امكانية التوصل الى حل هذا العام. فالتطورات الماثلة على الارض، وعدم تقدم المفاوضات، تدل على عدم جاهزية اسرائيل للسلام، فكما يقول فياض: لا حل هذا العام، ولا في العام القادم، ولا يستطيع ان يتوقع ماذا سيحدث في العام الثالث. فهل نبقى ننتظر لحين فشل المفاوضات بالتوصل لاتفاق قبل نهاية هذا العام، ام يجب ان نستعد لهذه النتيجة، وندرس الخيارات والبدائل الممكنة والمحتملة، ونسعى للمحافظة على فرصة الحل ومراكمة الوقائع الكفيلة بفرضه، بدون الارتداد الكلي عن عملية المفاوضات بعد ان اعترف العالم بضرورة تجسيد الحق الفلسطيني بقيام دولة فلسطينية وعن طريق منع التآكل في البرنامج السياسي الذي يحدث منذ ان تنكرت اسرائيل لعملية السلام، في سياق مخطط مدروس لتغيير الوعي الفلسطيني ودفع الشعب الفلسطيني وقيادته الى قبول ما تطرحه من حلول تصفوية للقضية الفلسطينية.

يجب التفكير، والكلام هنا لسلام فياض، بوقف التآكل السياسي عبر العودة الى عام 1988 بالتمسك بالمبادرة الفلسطينية للسلام وعدم الاقدام على انهاء الصراع الا بالتوصل الى حل يقوم على حق تقرير المصير بما في ذلك اقامة دولة فلسطينية على الاراضي المحتلة عام 1967، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حلا عادلا وفقا لقرار 194، يجب ان تفهم اسرائيل انه بدون انسحابها لحدود 1967 وازالة الاستيطان والجدار لا يمكن ان نصل الى سلام ولا ان تنعم المنطقة بالامن والاستقرار والازدهار.

تأسيسا على ما سبق، نستطيع القول بثقة ان هناك جديدا في جعبة الحكومة، قد يكون سببه الاساسي ان اسرائيل حاولت ان تفرض على السلطة في الضفة تقاسما وظيفيا بحيث تقوم السلطة بتولي المسؤولية عن الامن الداخلي والخدمات والادارة، على ان تبقى امور السيادة في يد الاحتلال بما في ذلك حق قوات الاحتلال بالاقتحامات والاغتيالات والحصار والاعتقالات. فلم تنجح السلطة بازالة حاجز واحد، ولا بؤرة استيطانية واحدة غير شرعية في القانون الاسرائيلي، ولا الافراج عن معتقلين من ذوي الاحكام العالية والمرضى وكبار السن، ولم تنجح حتى في وقف الاستيطان، ولم تتقدم المفاوضات بل استخدمتها اسرائيل اسوأ استخدام للتغطية على سياسة فرض الحقائق على الارض.

وعلى اهمية هذه التغيرات، وضرورة دعمها بكل الاشكال، لكن يبقى على الحكومة واجب السعي لتقديم نموذج في المجالات المختلفة خصوصا في مجال احترام حقوق وحريات الانسان وكرامته.

ان المخرج الحقيقي للفلسطينيين من مأزقهم الحالي بحاجة الى أكثر مما قدمته الحكومة حتى الان، بحاجة الى بلورة استراتيجية جديدة تأخذ الدروس والعبر من المفاوضات والمقاومة وتجربة السلطة وعلاقتها بالمنظمة، وتكون قادرة على توحيد الفلسطينيين من اجل تحقيق برنامجهم الوطني، برنامج الحرية والعودة والاستقلال، الذي يجب ان يكون في قلبه المقاومة، فالمقاومة المثمرة وذات الجدوى والقادرة على تحقيق المصالح والاهداف الوطنية هي التي تسلح المفاوض الفلسطيني بالقوة القادرة على فرض حقائق جديدة على الارض يستطيع ان يطرحها ويفرضها على طاولة المفاوضات، لذا فالمقاومة المثمرة ليست مجرد حالة تقتضي التضامن معها بل تتطلب وضعها على رأس الاولويات والموازنات!!!

 

مشاركة: