الرئيسية » هاني المصري »   13 تشرين الأول 2009

| | |
ركائز المصلحة الوطنية العليا
هاني المصري

ان الهدف الرئيسي لهذه الورقة المساهمة الجادة بإنهاء الانقسام، عبر البرهنة على ان ما يجمع الفلسطينيين اكبر بكثير مما يفرقهم . كما ان ما يميزها تأكيدها على ضرورة احتكام الكل الفلسطيني الى تعريف جمعي للمصلحة الوطنية العليا، والتوافق على ركائز هذه المصلحة باعتبارها مرجعية عليا يتم التوافق عليها من قبل مكونات النظام السياسي ومؤسسات الشعب الفلسطيني، دون الاجحاف بالتعددية والتنوع وبالبرامج السياسية الخاصة بكل من القوى والاحزاب الفلسطينية.

بدون الاتفاق على مرجعية عليا، وعلى قواعد اللعبة السياسية والديمقراطية، سيتعمق الانقسام ومرشح للتحول الى انفصال دائم، كما ان اجراء الانتخابات وحدها تحت الاحتلال وفي ظل الانقسام لن تقدم مخرجا بل ستكون تكريسا للانقسام والانتخابات تحت الاحتلال بدون الاتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة خيار تم تجريبه وساهم بوصولنا الى ما نحن فيه.

 

تأسيسا على ما تقدم فان ورقة الركائز هي اولا مساهمة في النقاش العام في سياق الجهود المبذولة لاطلاق وانجاح الحوار الوطني الشامل، ثانيا هي ورقة مفتوحة على الاغناء والتطوير، وثالثا هي فاتحة لمزيد من النقاشات من قبل مجموعة التفكير بشأن عدد من القضايا المباشرة والاستراتيجية، التي تهم الشعب الفلسطيني، والتي سوف تتوج برؤى واوراق سياسات تطرح ايضا للنقاش العام على مستويات عدة .

بعد أن استطاع الشعب الفلسطيني أن يتحول من شعب مشرد قضيته إنسانية إلى شعب مناضل من أجل الحرية وقضيته سياسية، وأن يبلور هويته الوطنية ويجسدها في كيان وطني واحد ممثلا بـ م.ت.ف التي استطاعت أن توحد حركته والحصول على الشرعية العربية والدولية، أصبحت القضية الفلسطينية تواجه خطر الضياع، وأصبحت الشرعية الفلسطينية مهددة بالانهيار.

وبعد أكثر من ستين عاما على قيام إسرائيل وتشريد الشعب الفلسطيني، وأكثر من 41 عاما على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، لا يزال الحلم الفلسطيني حتى بالمضامين التي صاغتها وثيقة إعلان الاستقلال، والتي دعت لتحقيق العدل النسبي لم يتحقق، بل لا يزال الاحتلال قائما ويتعمق باستمرار من خلال فرض الحقائق الاحتلالية على الأرض الفلسطينية، في الوقت الذي تتواصل فيه المفاوضات بدون نتيجة، لأنها أصبحت مفاوضات بدون مرجعية سياسية وقانونية واضحة وملزمة، ولا ضمانات حقيقية، ولا مشاركة دولية فاعلة، الأمر الذي ساهم في حدوث تآكل مستمر بالسقف التفاوضي الفلسطيني، وأصبحت المقاومة أداة في الصراع الداخلي، أكثر منها إستراتيجية لدحر الاحتلال وتحقيق الأهداف الوطنية.

إن صعود الإسلام السياسي، بكل أطيافه، وتحديدا حركة حماس، ورغم أنه انخرط بعد غياب طويل في سياق مناهضة الاحتلال، ما أدى الى المزيد من تنوع وتعددية الحركة السياسية الفلسطينية، وبدلا من أن يكون إضافة جديدة للقضية الفلسطينية توسع هامش الحركة والمناورة، أصبحت الحركة السياسية الفلسطينية ممزقة في صراعات داخلية خطيرة، ونهبا وعرضة لعقائد ومرجعيات وبرامج ومصالح وتحالفات إقليمية ودولية مختلفة، بدون ميثاق يجمع بينها، ما أدى الى وجود حالة من تعددية الإستراتيجيات والسلطات ومصادر القرار، ترافقت في البداية مع حالة من الفوضى والفلتان الأمني، وتطورت سريعا إلى ظاهرة السلطة برأسين ثم الى الاقتتال الداخلي، وانتهت أخيرا إلى الانقسام السياسي والجغرافي، الذي يهدد جديا بالتحول إلى انفصال مستمر لفترة طويلة، وربما دائمة، الأمر الذي سيلحق أضرارا ودمارا هائلا بالقضية الفلسطينية والإنجازات التي حققها الشعب الفلسطيني في كفاحه الباسل منذ نشوء القضية الفلسطينية وحتى الآن.

إن الواقع البائس الذي وصلنا إليه يطرح ضرورة إجراء مراجعة عميقة وشاملة لمسيرتنا الوطنية لاستخلاص الدروس والعبر، واختيار الطريق الكفيل بتحقيق البرنامج الوطني الفلسطيني.

إن طريق الخلاص الوطني من المأزق التاريخي الذي تشهده القضية الفلسطينية حاليا، تبدأ بالاتفاق على ركائز المصلحة الوطنية العليا، التي من المفترض أن ترقى على المصالح الفردية والفئوية والجهوية والعائلية والفصائلية، وأن تكون محل إجماع وطني، أو على الأقل محل تأييد الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، ويمكن أن تؤسس للاتفاق على قواسم وطنية مشتركة تسمح بتحقيق وحدة وطنية تكافح من أجل تحقيقها أو على الأقل تساهم بتوحيد الجهد الوطني.

إن الحاجة أكثر من ملحة للاتفاق على ركائز تجسد المصلحة الوطنية العليا وتحدد الأهداف والحقوق الأساسية التي تجمعنا وقواعد اللعبة التي سنحتكم إليها، ولا تتطرق الى السياسات والبرامج والاستراتيجيات التي من الممكن والطبيعي أن نختلف حولها. إن الاتفاق على الركائز الوطنية العليا أصبح المدخل وحجر الزاوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

أولا: إن وحدة الشعب الفلسطيني داخل وطنه وخارجه ركيزة أولى تشكل حجر الزاوية للبناء الفلسطيني كله. وهذه الوحدة تستند أساسا الى الحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني، والتي تشمل حق الشعب الفلسطيني في العيش بوطنه، وحقه بتقرير مصيره على أرض وطنه، وحق اللاجئين بالعودة الى الديار التي هجروا منها والتعويض عن تهجيرهم ومعاناتهم، وحقه في تحقيق وعيه التاريخي والثقافي والجغرافي الفردي والجماعي، وحقه بالانتماء الى بلاده وحفظ تراثه والحفاظ عليه، وحقه في تربية أجياله المتعاقبة بما يحفظ فلسطينيتهم، وحقه في الانتماء إلى مجتمعه الأوسع فلسطينيا وعربيا وإنسانيا وثقافيا وتاريخيا، فكرا وممارسة، وبدون هذه الحقوق لا تكون للفلسطينيين قضية تجمعهم، ويمكن التمتع بهذه الحقوق دون نفي الآخر.

ثانيا: إن الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني يعاني فيها من الاحتلال لكل وطنه التاريخي، ومن تشريد أكثر من نصفه داخل وخارج الوطن، ويقف صامدا في مواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الاجلائي العنصري التوسعي، الذي يستهدف تبديد الشعب الفلسطيني وطمس حقوقه وتصفية قضيته من مختلف جوانبها، مما يجعل التناقض مع الاحتلال الإسرائيلي، بوصفه رأس حربة المشروع الصهيوني، هو التناقض الرئيس، وهذا يتطلب قيام وحدة وطنية، تعبر عن نفسها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت ومن المفترض أن تبقى الجبهة الوطنية العريضة التي تمثل وتعبر عن مصالح وتطلعات الشعب الفلسطيني بمختلف شرائحه وفئاته.

ثالثا: إن التأكيد على الحقوق التاريخية والطبيعية لا يتعارض مع وضع برنامج قابل للتحقيق يقوم على الكفاح من أجل تحقيق الاستقلال الوطني والعودة وتقرير المصير، بما في ذلك حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس على كامل الأراضي المحتلة عام 1967، استنادا إلى المعطيات والحقائق وموازين القوى المحلية والعربية والدولية.

إن الكفاح في سبيل مثل هذا البرنامج لا يجب أن يعني تجاهل الخيارات الاستراتيجية البديلة التي يمكن تبنيها لنيل حقوق الشعب الفلسطيني في حالة وصول برنامج الدولة المستقلة الى طريق مسدود بفعل السياسة الإسرائيلية على صعيد الاستيطان والمصادرة والتهويد وبناء الجدار والتطهير العرقي ورفض الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.

رابعا: إقامة نظام سياسي فلسطيني يقوم على أسس ديمقراطية تحكم كل مكوناته (المنظمة والسلطة)، وتشمل ضمان الحريات والحقوق الفردية والعامة للإنسان الفلسطيني، وتجسد التعددية الحزبية والدينية، وفصل السلطات واستقلالها، وسيادة القانون، واحترام مبدأ تداول السلطة والاحتكام للشعب بصفته مصدر الحكم والسلطة عبر اعتماد الانتخابات المنتظمة والدورية على أساس التمثيل النسبي الكامل، وعلى كافة المستويات داخل الوطن وخارجه حيثما أمكن ذلك، واحترام حق الأغلبية بالحكم وحق الأقلية بالمعارضة، بما يأخذ خصوصية الشعب الفلسطيني بوصفه تحت الاحتلال بالحسبان، والتي تستوجب إعطاء الأولوية لمبدأ المشاركة الوطنية والشاملة.

كما ينبغي لكل ذلك أن يحقق حماية حرية الرأي والتعبير ومبدأ المساواة بين جميع المواطنين، خاصة بين الرجل والمرأة، وبغض النظر عن اللون والعقيدة والديانة والانتماء السياسي، وتكريس قيم ومبادئ العدالة الاجتماعية والتسامح والشراكة والمحاسبة والعلنية والإنتاجية والمنافسة الشريفة والإبداع وتكافؤ الفرص ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وإعطاء الأولوية للتنمية، خصوصا في الصحة والتعليم والثقافة، ومحاربة البطالة والفقر والتخلف.

خامسا: إن فلسطين بشعبها في الوطن والشتات جزء من الأمة العربية وترتبط من حيث تاريخها وحاضرها ومستقبلها، بكونها جزءا من الأمة العربية. لذلك تحرص على تأكيد هذا الانتماء وإنمائه، على أساس أن العرب هم العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية الذي ساهم في إبقائها حية حتى الآن.

سادسا: إن فلسطين جزء من هذا العالم المترامي الأطراف، وشعبها شعب منفتح على شعوب وحضارات العالم، ويسعى من أجل تقدم الإنسانية جمعاء على أساس المساواة والعدالة ومحاربة الفقر والبطالة والتخلف وضد كل أشكال الاستعمار والاضطهاد والاستغلال والتمييز بين بني البشر على أساس اللون أو الدين أو الجنس أو العرق أو الانتماء الحزبي أو الجهوي.

سابعا: إن الاستناد الى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، ركيزة أساسية، رغم الغبن التاريخي الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه كونها تضمنت الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي يجعلها سلاحا هاما بأيدي الفلسطينيين يجب أن يتقنوا استخدامه حتى يحافظوا على وجود قضيتهم حية، وحتى يحفروا اسم الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة في خارطة العالم.

ثامنا: إن الحفاظ على م.ت.ف بوصفها الكيان الوطني الجامع للشعب الفلسطيني والممثل الشرعي الوحيد له، لا يتعارض على الإطلاق بل يتطلب العمل الجاد لإصلاحها وتطويرها وضم كافة الفصائل والقطاعات التي لا تزال خارجها، وترسيخ مكانتها ودورها كمرجعية وطنية عليا، لأنه من الأهمية بمكان التمييز بين ضرورة الاعتراف بالمنظمة ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني وبين الموقف من مؤسساتها وأدائها وبرنامجها. فالمساس بوحدانية التمثيل يهدد بتقويض أهم الإنجازات التاريخية التي حققها الشعب الفلسطيني منذ نكبته عام 1948 وحتى الآن، كما يهدد كفاح الشعب الفلسطيني من أجل ممارسة حقه في تقرير المصير.

تاسعا: إن حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال بكافة الأشكال، بما فيها الكفاح المسلح، التي يجيزها القانون الدولي، حق مطلق لا جدال فيه، ولكن ممارسة هذا الحق شأنها شأن ممارسة كل أشكال النضال والعمل يجب أن تسترشد ببرنامج سياسي، وتنسجم مع عدالة القضية الفلسطينية وتفوقها الأخلاقي.

عاشرا: نبذ وإدانة كافة أشكال التحريض والعنف والإلغاء والإقصاء والتكفير والتخوين والهيمنة والتفرد، والتأكيد على أن الحوار والأساليب الشرعية والسلمية والقانونية والديمقراطية هي الطريق الوحيد لمعالجة الخلافات والتناقضات الداخلية.

 

مشاركة: