الرئيسية » هاني المصري »   24 أيار 2008

| | |
الشرق الأوسط يتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم لبنان وفلسطين
هاني المصري

حفلت وقائع الأسبوع الماضي بثلاثة إخبار مهمة، الخبر الأول، والاهم: اتفاق الدوحة الذي يمثل اختراقاً يمكن أن يتحول الى إنجاز إذا سارت الأمور على ما يرام، وتم تطبيقه بما ينقل لبنان من حالة الانقسام والاستقطاب والانزلاق نحو الحرب الأهلية، الى الوفاق والسلم الأهلي، على أساس صيغة اقرب ما تكون الى "لا غالب ولا مغلوب". الخبر الثاني: الإعلان في دمشق وتل أبيب وأنقرة في وقت واحد عن استئناف المفاوضات السورية-الإسرائيلية بصورة غير مباشرة وبوساطة تركية وسط أحاديث أن المفاوضات جدية،


وأنها يمكن أن تصبح مباشرة في القريب العاجل. الخبر الثالث: عقد مؤتمر التنمية والاستثمار في مدينة بيت لحم بمشاركة مئات المستثمرين العرب والأجانب وسط توقعات وإيحاءات فلسطينية عالية، حول إمكانية إقناع المستثمر العربي بالمجازفة والاستثمار في فلسطين على أساس التصرف عند الحديث عن الاستثمار وكأن الاحتلال غير موجود، أو كأنه عامل ثانوي أو محايد، أو يرغب بحدوث الاستثمار في فلسطين وليست هي هدفه ومحل أطماعه العدوانية والتوسعية والاستيطانية والعنصرية. الأخبار الثلاثة المذكورة تدعو الى التفاؤل وتشيع أجواء ايجابية في المنطقة، ولكنها ليست الأخبار الوحيدة التي شهدها الأسبوع الماضي، فقد فشلت خلال هذا الأسبوع الوساطة المصرية الرامية للتوصل الى تهدئة بين الفلسطينيين وإسرائيل، لأن حكومة أولمرت وضعت شروطا للتهدئة تفصل ما بينها وبين رفع الحصار وفتح المعابر بحيث تحدث التهدئة أولا، وتربط ما بين التهدئة وإطلاق الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت دون إدراج ذلك في الصفقة حول تبادل الأسرى التي يجري التفاوض حولها منذ فترة طويلة دون تقدم يذكر، وذلك وسط تصريحات واستعدادات ميدانية إسرائيلية على الأرض تشير الى اقتراب توجيه ضربة عسكرية لغزة. كما شهد الأسبوع الماضي زيارة بوش للمنطقة وتحديداً لإسرائيل للمشاركة في احتفالاتها بالذكرى الستين لتأسيسها، وأطلق خلال هذه الزيارة تصريحات يكاد يتخلى فيها عن وعده بإقامة دولة فلسطينية، وصب جام غضبه ضد إيران وسورية وحزب الله وحماس، ورفع العلاقات الاميركية-الإسرائيلية الى مستوى القداسة، ورافقت الزيارة تسريبات اميركية بان إدارة بوش تدرس جديا احتمال توجيه ضربة عسكرية ضد إيران قبل انتهاء فترة رئاسته. كما تم تداول أنباء عن أن إيران تستعد للاستفادة من الفترة المتبقية لرئاسة بوش وتحديداً في الأشهر الأخيرة التي يكون الرئيس الاميركي فيها مثل البطة العرجاء لفرض وقائع في المنطقة وتحديداً في العراق، تؤكد دورها المتعاظم في المنطقة استعداداً وتمهيداً للرئيس الاميركي القادم الذي يمكن أن يعقد الصفقة التاريخية مع إيران إذا كان باراك آو باما وبدرجة اقل هيلاري كلينتون أو يستمر بالمواجهة والتصعيد إذا كان جون ماكين مرشح الحزب الجمهوري الذي إذا فاز سيمضي في نفس سياسة بوش وربما ينافسه أكثر في التطرف والتصعيد والحرب والعدوان. وحمل الأسبوع المنصرم وتحديداً بالتزامن مع عقد مؤتمر بيت لحم طرح اسرائيل لمناقصة جديدة لبناء286 مسكناً جديداً في مستوطنة "بيتار ايليت" الاستعمارية قرب بيت لحم. هذا الخبر الذي يكشف الحقيقة التي تعيشها فلسطين، والتي لا يمكن إخفاؤها بفيلم، و هي أنها تحت الاحتلال وتعاني من العدوان العسكري بكل أشكاله، وتوسيع وتكثيف الاستيطان واستكمال بناء الجدار، وتعميق فصل القدس عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة وتهويدها، وعزل منطقة الأغوار أكثر وأكثر، والاستمرار في سياسة الحصار وإقامة الحواجز والاعتقالات اليومية وفرض دور امني على السلطة لا يتناقض مع بقاء اليد العليا لإسرائيل في السياسة والاقتصاد والأمن وكل شيء. وأقول لمن يتصرف مثل النعامة، إذا أخفى رأسه يعتقد أن لا احد يراه، وإذا تحدث سواء عن قناعة أو كنوع من التضليل عن إمكانية الاستثمار تحت الاحتلال، وان الأمن والاقتصاد يقودان للسلام، وعن وعود اسرائيل لتسهيل حركة وإقامة المستثمرين، بأن اسرائيل لن تخيب أمله. اسرائيل لا تريد الفلسطينيين أقوياء، لا وهم موحدون ولا وهم مفرقون، لأن إبقاءهم ضعفاء، ووضع سلطتهم بصورة دائمة على حافة الانهيار، يضعهم تحت ابتزاز دائم وضغط هائل يضعف موقفهم التفاوضي ويدفعهم لتقديم تنازلات لإسرائيل على طاولة المفاوضات او للتغاضي عما يقوم به الاحتلال أو مواصلة المفاوضات والتعايش مع الأمر الواقع الذي يخلقه الاحتلال كل يوم بسياسة خلق الحقائق على الأرض. لا يمكن إقامة تنمية حقيقية ومستدامة تحت الاحتلال، لان الاحتلال لا يريد وهو الذي بيده الفيتو، فالاحتلال لا يريد اقتصاداً فلسطينياً قويا ينافس الاقتصاد الإسرائيلي او يقلل من اعتماد الفلسطينيين على اسرائيل. لا مشكلة على الإطلاق، بل المطلوب اتخاذ كل الخطوات الممكنة لتحسين الاقتصاد الفلسطيني وتشجيع الاستثمار الفلسطيني والعربي والأجنبي وتخفيف الأعباء بشرط ان نلتزم برؤية واضحة وان لا يكون ما نفعله أولا: جسرا للتطبيع العربي مع اسرائيل، وثانيا: ألا يؤدي الى تكبيل الاقتصاد الفلسطيني بقيود بعيدة المدى تعرقله مثلما كان مع اتفاقية باريس الاقتصادية التي أعاقت ولا تزال تعيق، وستعيق أية إمكانية للتنمية. وثالثاً: عدم ربط الإجراءات الاقتصادية بمسار سياسي فشل قبل أن يبدأ، وسيواجه الفشل المؤكد، وهو مسار انابوليس، لان هذا الربط يحكم على الإجراءات الاقتصادية بالفشل مسبقاً ويجعلها ثمناً بخساً مقابل السياسة الممارسة. رابعاً: وضع كافة الإجراءات ضمن خطة وطنية سياسية اقتصادية تقوم على اننا تحت الاحتلال، وتركز على تعزيز مقومات الصمود، والاستثمار في الأصول الإنتاجية، وإيجاد فرص عمل دائمة لا مؤقتة، وتضع في حسابها أن المواجهة الفلسطينية-الإسرائيلية قادمة عاجلاً أم آجلا. فبدون سلام لا يمكن توفير الأمن ولا إقامة اقتصاد تنموي قوي ومستدام. وبدون سلام نحن نسير نحو الحرب عبر انتفاضة شعبية أو مواجهة عسكرية. وعلينا أن نستعد ونختار الطريق الأنسب لنا لا أن نبقى في حالة انتظار قاتل. إن الذي جعل اللبنانيين قادرين بمساعدة قطر والجامعة العربية، وبغياب ممثلين عن الدول العربية الكبرى على التوصل الى اتفاق الدوحة، وبمجرد توفر الإرادة اللبنانية للاتفاق بعد أن رأى اللبنانيون بأم أعينهم أن شبح الحرب الأهلية عاد للتحليق في السماء اللبنانية التي إنْ وقعت سيخسر الجميع، قادر على جعل الفلسطينيين يستيقظون من سباتهم ويعملون على إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، وهذا بحاجة الى إرادة فلسطينية مستعدة لتغليب القواسم والمصالح المشتركة، والتنازل عن المطالب الفئوية، والاقتناع بأنه في ظل الانقسام لا معنى للمفاوضات، ولا يمكن إقامة سلطة قابلة للحياة في غزة وهي تحت مرمى النيران والحصار، ولا سلطة مزدهرة في الضفة وهي تحت الاحتلال. فالاحتلال سيلعب بالسلطتين ويبتزهما. إن منطقة الشرق الأوسط تتأرجح بين التفاؤل بانفراج بدأ بلبنان ويمكن أن يصل الى فلسطين إذا عرف قادتها كيف يتصرفون قبل أن يذهبوا وتذهب قضيتهم فرق عملة أو بين الأرجل المتصارعة على المنطقة وفي المنطقة، وبين التشاؤم بحروب آتية هي في مرحلة الإعداد. فهل نأخذ اتفاق اللبنانيين قدوة لنا، أم يركب كل طرف رأسه ويواصل عناده رغم أن العناد كفر. أليس كذلك؟؟

مشاركة: