الرئيسية » هاني المصري »   26 كانون الأول 2006

| | |
دولة مقابل اعتراف أم دولة مؤقتة مقابل هدنة؟
هاني المصري

كنت متردداً في الكتابة حول ما وصف بوثيقة جنيف - حماس، لأنني وضعت في حسابي ان الامر يمكن ان يكون "فبركة إعلامية اسرائيلية" هدفها صب الزيت على نار الخلافات الفلسطينية. ولكن بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الحكومة، والمتهم بصياغة الوثيقة، اصبحت أميل الى صحة الأنباء التي تحدثت عن هذه الوثيقة التي تتحدث عن دولة مؤقتة مقابل هدنة، وعن تعامل وتعاون في مختلف المجالات دون اعتراف باسرائيل، كما تتحدث عن حق العودة دون تحديد الى أين، وتلتزم بالاتفاق على سلام دائم مع اسرائيل. ورغم أن يوسف نفى أن يكون هو من قدم الوثيقة، الا انه اكد ان المبادرة اوروبية صرفة، الهدف منها جس نبض حماس وحكومتها، ما يضعف نفي المستشار السياسي للحكومة قوله: ان رئيس الحكومة اسماعيل هنية حمل هذه الافكار للرئيس محمود عباس في آخر لقاء جمعهما في غزة، كما أطلع بعض القادة العرب عليها اثناء جولته الخارجية. فلماذا يسوق هنية او ينقل مجرد نقل ما يرفضه وترفضه الحكومة وحركة حماس؟ وتحدث يوسف عن اطراف اوروبية تقدم رؤية اكثر توازناً من الرؤية الاميركية، وانها بدأت تتفهم ما تحمله حماس وحكومتها من افكار وطرح سياسي يمكن التعاطي معه والبناء عليه في اية مبادرات سياسية مقبلة، وهذا يعكس نوعاً من التقدير والتشجيع للوثيقة الاوروبية. واعتبر يوسف ضمناً ان الوثيقة تعكس نجاحاً لمساعي الحكومة لفتح كل الابواب المغلقة عربياً وإسلامياً وأوروبياً وحتى أميركياً بهدف فك الحصار الاقتصادي وكسر العزلة السياسية. وهنا نقول للمستشار السياسي للحكومة: نحن بحاجة لفتح الطريق أمام اقامة دولة ذات سيادة على الاراضي المحتلة العام 1967، وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً،

حتى لو مقابل الاعتراف بإسرائيل، لأن عدم الاستعداد للاعتراف باسرائيل مقابل الدولة يؤدي الى تشجيع التعامل والتعاون مع اسرائيل في كل المجالات كما جاء في الوثيقة، ووقف المقاومة بشكل كامل مقابل دولة مؤقتة. فالاعتراف مقابل الدولة والعودة يقدم حلاً قابلاً للتحقيق لأنه يستند الى الحق الفلسطيني والشرعية العربية والدولية. أما الهدنة مقابل الدولة فلن تتحقق الا عندما تصبح الدبابات الفلسطينية على ابواب تل ابيب وعندما تهدد الصواريخ الفلسطينية القدس وكل اسرائيل. فما الذي سيدفع اسرائيل لقبول هذه المعادلة التي تعني ان الدولة الفلسطينية العتيدة ستقوم بإزالة اسرائيل ما إن تستكمل عناصر قوتها. لذلك الخشية، تنبع من أن طرح دولة مقابل هدنة، سيؤدي، لأنه طرح غير واقعي، الى الهدنة والتفاوض على الدولة، وهذا من الطبيعي أن يوصلنا، اذا لم يوصلنا حتى الآن، الى دولة مؤقتة مقابل الهدنة على ان يتم التفاوض حول قضايا الوضع النهائي الى يوم يبعثون. لقد تجرعنا مرارة اتفاق أوسلو والحلول الانتقالية ولا نريد إعادة نتاج هذا الاتفاق الفتحاوي بصيغة حمساوية. لا أستنتج من تصريحات يوسف ان حماس او الحكومة الحمساوية قد قبلت الوثيقة المذكورة، إلا انه من الواضح انها مناورة تقدم عليها حماس لكي يتم الاعتراف بها وبحكومتها، وهذا بحد ذاته يعتبر تنازلاً كبيراً، لأن مجرد التلويح بالاستعداد لقبول دولة فلسطينية مؤقتة مقابل هدنة ودون شريك اسرائيلي يقدم اي شيء بالمقابل، يعتبر تنازلاً مجانياً يذكرنا بوثيقة جنيف التي قدم فيها طرف شبه رسمي فلسطيني تنازلات مجانية لطرف غير رسمي اسرائيلي، لا يمثل سوى اقلية محدودة في اسرائيل. وهذا يدل على ان الاولوية عند حماس الآن هي الاعتراف بها وبحكومتها وليس ازالة الاحتلال. ان التجربة الطويلة علمتنا ان التنازلات المجانية مؤذية، لأن اسرائيل والاطراف الدولية تحاول ان تعتبرها سقف الموقف الفلسطيني الجديد. فمثلما ظهرت مبادرات وأفكار متعددة تتحدث عن جنيف زائد او ناقص، ستظهر الآن مبادرات وأفكار متعددة تنطلق من وثيقة جنيف - حماس زائد او ناقص. وهناك أنباء ذكرتها مجلة اميركية اسبوعية (اسمها فورفوارد) ان الادارة الاميركية تدرس خطة تتضمن دولة مؤقتة حتى نهاية 2007، وحتى لا أتهم بالمبالغة اريد ان اقول: ان برنامج دولة مقابل هدنة التي طرحتها حماس منذ تأسيسها كبرنامج اعتراضي، وحل مرحلي، يتحول اكثر وأكثر لبرنامج جديد، ويمكن أن يصبح نهائياً، والدلائل على ذلك كثيرة. لقد أرسلت حماس بعد فوزها بالانتخابات، إشارات كثيرة عن ان الهدنة يمكن ان تستمر 50 أو 60 عاماً او عشرة أعوام تتجدد تلقائياً، وأنها ستكتفي بإقامة الدولة الفلسطينية وتترك مسألة تحرير بقية فلسطين للأجيال المقبلة. وتحدث ناطقون باسم حكومة حماس ابرزهم الناطق باسم الحكومة والمستشار السياسي لرئيس الحكومة، عن عدم الاستعداد للاعتراف بإسرائيل الآن او دون مقابل. وعبر عن هذا الموقف رئيس الحكومة من خلال موافقته، وتوقيع ممثل عن حماس بحضوره، على وثيقة المحددات السياسية بتاريخ 11/9 التي اعترفت بمبادرة السلام العربية، وذلك قبل التراجع عنها بالمستدركات. وحتى عندما ندقق بالمستدركات وبما قاله رئيس الحكومة في خطابه رداً على خطاب الرئيس، نلاحظ ان حماس والحكومة تركزان على رفض اسرائيل للمبادرة العربية، ورفض اسرائيل للاعتراف بالحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق اقامة دولة فلسطينية على الاراضي المحتلة العام 1967 بما فيها القدس، وتارة اخرى يتحدثون في حماس والحكومة عن عدم الاعتراف ولكن مع الاستعداد للتعامل والتعاون المشترك مع اسرائيل الذي يعتبر اكثر من الاعتراف. في الممارسة العملية، نجد ان حماس التي تقول انها شاركت بالسلطة وقبلت بتشكيل حكومة بمفردها من اجل حماية خيار المقاومة، قد علقت فعلياً المقاومة، قبل الانتخابات عبر الموافقة على التهدئة في آذار العام 2005، وتمديد التهدئة في تشرين الثاني .2006 وهذا الموقف يعتبر تطوراً طبيعياً، سواء أكان مخططاً له أم جاء كتحصيل حاصل. فمن الاستحالة الجمع ما بين سلطة أحد أهم مصادر وجودها وشرعيتها اتفاق اوسلو والالتزامات التي قدمتها م.ت.ف لإسرائيل خصوصاً بوقف المقاومة واعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، وبين المقاومة المسلحة، خصوصاً التي تعتمد نمط العمليات الاستشهادية داخل اسرائيل. واذا لم يكن الامر كذلك، لماذا لم تستأنف حماس العمليات الاستشهادية رغم سقوط اكثر من 800 شهيد منذ فك الارتباط عن قطاع غزة، ورغم سقوط اكثر من 500 شهيد منذ عملية الوهم المتبدد وأسر جلعاد شاليت. وللمرة المليون، اقول لحماس: اذا ارادت الاستمرار باعتماد خيار المقاومة المسلحة كخيار وحيد او رئيسي عليها أن تتخلى عن السلطة او تنادي وتعمل على حل السلطة، حتى يعود الصراع الى طبيعته الاصلية، صراع بين شعب والاحتلال. وبهذه الحالة تكون المقاومة هي الوسيلة الرئيسية لدحر الاحتلال. ان الجمع ما بين السلطة والمفاوضات والمقاومة المسلحة، جربه الرئيس الراحل ياسر عرفات ولو بشكل تكتيكي، بعد فشل قمة كامب ديفيد وفشل، وجربته حماس بعد فوزها في الانتخابات وفشلت. الملاحظ ان الصراع على السلطة، خصوصاً ما بين فتح وحماس يطغى في أحيان عديدة على الخلاف في الرؤى والبرامج وأشكال النضال، ما يجعل مجرد التعاطي مع مثل هذه الافكار، التي تتحدث عن دولة مؤقتة مقابل هدنة، ولو عن طريق البحث فيها ونقلها للرئيس ابو مازن وبعض القادة العرب الذين التقاهم هنية اثناء جولته، يعكس درجه من قبولها، ويفتح المجال لنشوء تسابق خطير بين الاطراف الفلسطينية المختلفة على تقديم التنازلات المجانية لإسرائيل، في محاولة من كل طرف فلسطيني للاعتراف به واعتماده كشريك فلسطيني لإسرائيل. فالرئيس وفتح يراهنان على عودة المفاوضات بصيغتها القديمة ويستعجلان لقاء أولمرت للبحث في قضايا جزئية، ويطالبان بعودة خارطة الطريق التي قتلتها اسرائيل وهي في المهد وليست بوارد إحيائها، وحماس والحكومة تراهنان على الاعتراف بهما مقابل اطلاق إشارات المرونة وتعليق المقاومة فعلياً، واستخدامها أحياناً مثلما يحدث في اطلاق القذائف والصواريخ، كشكل من اشكال اثبات الوجود والصراع على السلطة، واسرائيل لا تزال ماضية في مخططاتها الاحتلالية والاستيطانية والعنصرية التي تهدف لخلق أمر واقع يجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح. هذا كله يجري، في الوقت الذي تلوح فيه بالأفق فرصة جديدة لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس، بعد أن اخذ العالم مجدداً يعترف بأن حل القضية الفلسطينية مفتاح حل أزمات المنطقة برمتها. ولكن من يملكون المفتاح وهم الفلسطينيون مشغولون بالصراع على السلطة، وعلى الحقائب السيادية في ظل سلطة تحت الاحتلال. فلنصبر قليلاً حتى تنضج الفرصة. ان استمرار الخلاف والتناحر وعدم ادراك اهمية الوحدة على برنامج وطني واقعي يحتفظ بحق المقاومة ويمد يده للسلام، لا ينذر فقط بتعميق حالة الفوضى والانهيار والفلتان الأمني والاقتتال والفقر والجوع والجريمة والهجرة، بل يهدد بزيادة حدة الاستقطاب ودفع الاطراف الفلسطينية المتصارعة نحو التمحور، بحيث يصبح لدينا طرف فلسطيني مع محور الممانعة، وطرف آخر مع المحور الاميركي الاسرائيلي، وهذا يؤدي الى جعل القضية الفلسطينية ورقة تستخدمها المحاور او كرة تتقاذفها الأقدام الاقليمية والدولية، والقضية الفلسطينية اكبر وأعظم وأهم بكثير من اعتبارها او التعامل معها كورقة أو كرة!!.

 

 

مشاركة: