الرئيسية » هاني المصري »   14 تشرين الأول 2008

| | |
حول انعكاسات الأزمة المالية العالمية على فلسطين
هاني المصري

لست خبيرا اقتصاديا لأدلي بدلوي في الأزمة المالية العالمية، ومعرفتي بالمسائل الاقتصادية متواضعة، ومع ذلك حسمت أمري بعد تردد طويل لأكتب عن انعكاسات الأزمة العالمية على فلسطين. فالأزمة لم تعد اقتصادية بحتة، بل تتحول أكثر وأكثر الى أزمة سياسية من الدرجة الأولى، تتعلق بالنظام الرأسمالي وعجزه عن أن يكون نهاية التاريخ كما توقع فوكوياما، لدرجة أن الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار، ليس كما يقول الشيوعيون الحاليون أو السابقون، وإنما كما يعترف الآن كبار منظري وأنصار الرأسمالية بمن فيهم مدير صندوق النقد الدولي الذي حذر من أن الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار.

 

في الأصل السياسة اقتصاد مكثف وبالتالي العلاقة أكثر من وثيقة بين السياسة التي أفهم بها، وبين الاقتصاد الذي أحاول هذه الأيام أن أفهمه حتى أدرك التغييرات المحتملة على الصعيد السياسي.

يكفي أن نعرف أن خسائر الأسهم منذ بداية العام الحالي حتى الآن وصلت الى 25 تريليون دولار. مع العلم أن الحجم العام للأسهم في نهاية عام 2007 كان 6,90 تريليون دولار، وحجم المشتقات المالية 480 تريليون دولار أي ما يزيد 12 مرة عن حجم الاقتصادات الدولية. وهذا يطرح ضرورة إعادة النظر بالركائز العامة للنظام الرأسمالي، الذي سيطر فيه رأس المال المالي على كل أشكال رأس المال (حجم حركة الأموال الدولية اليومية 4 تريليون دولار)، مما وضع العالم كله على كف عفريت وتحت رحمة المضاربين والاحتكارات والرهون العقارية لدرجة أصبح فيها عتاة أنصار القطاع الخاص وحرية السوق والتجارة من أكبر دعاة تدخل الدولة لحماية القطاع الخاص والاقتصاد العالمي من الانهيار.

في الأيام الأولى بعد أزمة أيلول، لم تكن هناك مؤشرات على انعكاسات جدية للأزمة المالية الدولية على فلسطين بما في ذلك على سوق الأسهم. ولكن في الأسبوعين الأخيرين تغير الموقف بشكل ملموس حيث شهدت سوق الأسهم الفلسطينية تراجعا ملموسا، حدث جراء استمرار الأزمة الدولية، وعدم وقف تفاقمها رغم الخطط الأميركية والأوروبية واليابانية... الخ لمعالجتها.

يكاد يجمع المحللون والخبراء ورجال الأعمال والمسؤولون في السلطة وسلطة النقد والسوق المالي بأن الهبوط الذي شهدته الأسهم الفلسطينية يرجع الى أسباب نفسية، تتعلق أساسا بخوف المستثمر الصغير من الانعكاسات المحتملة للأزمة المالية على فلسطين، أكثر ما يتعلق بتأثر مباشر مع الأزمة الدولية.

ويقول الخبراء رغم اعترافهم، بأن لا أحد في العالم، سيكون بمنأى عن التأثر بالأزمة المالية العالمية التي تجتاح العالم بأسره وإن تأثيرها على فلسطين سيكون محدودا.

وذلك لأن ارتباط سوق فلسطين بالأسواق العالمية محدود، وهذا يرجع في أحد أسبابه الى الإجراءات التي اتخذتها سلطة النقد، التي حدت من هذا الارتباط، ووضعت قيودا أمام التوظيفات المالية الخارجية.

أما البنوك، فلن تتأثر كثيرا خصوصا ودائعها التي تبلغ 5 مليارات دولار لأن إيداعاتها غير منكشفة على الأسواق الدولية وإيداعاتها موجودة في أسواق قريبة بسبب قضايا أميركية رفعت ولا تزال مرفوعة أمام المحاكم الأميركية على السلطة وعلى بنوك فلسطينية أدت الى سحب التوظيفات والاستثمارات الفلسطينية في الولايات المتحدة الأميركية، كما أن حجم المحافظ الخارجية في البورصة الفلسطينية صغير ولم يخرج منها أحد.

كما أن اسرائيل بما قامت به من عدوان وإجراءات استهدفت الاقتصاد الفلسطيني والبنية التحتية الفلسطينية أدت الى وضع لم يعد يتبقى الكثير عند الاقتصاد الفلسطيني ليفقده.

إلا أن الصورة مع ذلك ليست وردية ويجب أخذ الاحتمالات التالية بالحسبان:

أولا: أن هناك مخاوف حقيقية من أن الأزمة المالية الدولية ستلقي بظلالها السوداء على مجالات تحويلات أموال الفلسطينيين في الخارج لعائلاتهم أو للاستثمار في فلسطين.

ثانيا: إن المصاعب الاقتصادية التي ستعاني منها الاقتصادات الدولية، خصوصا في الدول التي تقدم المساعدة المالية للفلسطينيين ستؤدي الى تقلص الدعم المالي الدولي للسلطة أو المجتمع الفلسطيني وهذا سيؤدي الى خلل مباشر في ميزانية السلطة وتراجع ملموس في الاقتصاد الفلسطيني.

ثالثا: إن التجارة وخصوصا التصدير ستلحق بهما خسائر جدية نتيجة الركود الذي سيشهده الاقتصاد العالمي.

رابعا: إن التبعية الاقتصادية الكاملة للأراضي الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، وتأثر فلسطين بشكل مباشر بكل ما يجري في اسرائيل التي تعتبر المصدر الأكبر الى فلسطين والمستورد الأكبر منها، سيجعل الاقتصاد الفلسطيني تحت رحمته ورهينة لما سيحدث في الاقتصاد الإسرائيلي.

والاقتصاد الاسرائيلي قوي ولا شك ولكنه مرتبط بشكل كبير بالاقتصاد الدولي وسيعاني من الأزمة العالمية، وسينال قسطه الكامل منها، لذا يجب أخذ الاجراءات الاحتياطية لتقليل الانعكاسات السلبية المؤكدة الناجمة عن الارتباط الكامل للاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الاسرائيلي.

ففلسطين ليست دولة حرة ذات سيادة وإنما تحت الاحتلال، وهذه مسألة كبرى لا يمكن نسيانها أو التقليل من تأثيرها ونحن نبحث في تأثير الأزمة العالمية على فلسطين.

خامسا: النقطة الخامسة والتي هي أهم نقطة، وهي سياسية ولكن ستكون لها نتائج اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، تتعلق بأن العالم كله الآن سينشغل لفترة لا يعلم مدتها سوى الله بتداعيات الأزمة التي تجتاح العالم، والتي من الممكن أن تتفاقم أكثر، وفي كل الأحوال ليس من المحتمل أن تنتهي بسرعة. لذلك الاهتمام الدولي والأميركي بالأزمات الاقليمية وعلى رأسها أزمة الشرق الأوسط سيتراجع كثيرا مما يعطي أهمية للعوامل المحلية والمحيطة، الأمر الذي من شأنه أن يطلق يد اسرائيل أكثر لتنفيذ مشاريعها الاستيطانية والتوسعية والعنصرية بدون أي تدخل من العالم. صحيح أن اسرائيل تفعل ذلك الآن، كما فعلته خلال السنوات السابقة، ولكنها ستكون حرة أكثر، خصوصا إذا استمر الفلسطينيون في حالة انقسام سياسي وجغرافي تضعف من مكانه قضيتهم وتأثيرها ودعمها على امتداد العالم.

تأسيسا على ما سبق، فإن الأزمة المالية الدولية تضيف تحديا جديدا على الفلسطينيين يطرح أهمية إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

فالوحدة الآن ضرورية ليس فقط من أجل التقدم على طريق تحقيق الأهداف الفلسطينية، بل أصبحت شرط وجود وحياة، وعاملا لا بد منه لتقليل الانعكاسات السلبية للأزمة المالية الدولية وتداعياتها، وما يمكن أن تؤدي إليه من تطورات وتغييرات ومن اضطراب وفوضى في العالم كله لن يبقى بمنأى عنها الا من يتخذ كل الخطوات الضرورية والاستباقية الكفيلة بحمايته وحماية مصالحه وأمنه واقتصاده.

 

مشاركة: