الرئيسية » هاني المصري »   27 تشرين الثاني 2007

| | |
حتى يكون اجتماع أنابوليس فرصة وليس متاهة
هاني المصري

 

الذهاب العربي الجماعي الى اجتماع أنابوليس دون تحقيق المطالب العربية من الاجتماع إما أنه ناجم عن الخوف والخوف فقط أو عن قناعة بأن الصمود على الحقوق العربية وعدم تقديم تنازلات جديدة هو أقصى ما يمكن تحقيقه. أو يرجع - كما اعتقد - الى كونه تحصيل حاصل لاعتماد العرب خيار السلام والمفاوضات كخيار استراتيجي وحيد بعد بعثرة الاوراق العربية التي تمكنهم من الاستعداد والتهديد باللجوء الى خيارات اخرى اذا فشل خيار السلام. فالبديل عن المفاوضات الفاشلة، عند العرب مفاوضات فاشلة اخرى، وهكذا دواليك الى أن يقضي الله امراً كان مفعولا!!


الفرصة التاريخية التي يتحدث عنها العرب، والتفاؤل الكبير الذي يحركهم، لا مكان لهما من الاعراب لأن المكتوب يقرأ من عنوانه، وما لم يحققه العرب أثناء التحضير لاجتماع أنابوليس لن يحققوه في الاجتماع. فالاجتماع ليس مؤتمراً رغم أن ادارة بوش استخدمت أخيراً في رسالة الدعوة كلمة مؤتمر في وصف الاجتماع (يا الله انجاز كبير) وهو لا يملك اية سلطة للتفاوض أو التدخل فهو مجرد احتفال للتمهيد لانطلاقة المفاوضات بعده. بالتالي لن يشهد تطورات دراماتيكية. حتى المحاولات الأخيرة التي تبذلها رايس للاتفاق في اللحظة الاخيرة على وثيقة مشتركة، لن تغير شيئاً جوهرياً، لأن الوثيقة المشتركة اذا رأت النور، ستكون غامضة ولا تقول شيئاً ولا تلزم اسرائيل بأي شيء. فإذا كانت حكومة اولمرت رفضت حتى الالتزام بخارطة الطريق الدولية دون التحفظات الاسرائيلية عليها، رغم أن هذه الخارطة مطروحة منذ أكثر من خمس سنوات وأصبحت جزءاً من القرار الدولي 5151. وما لم يحققه الفلسطينيون وهم موحدون في مؤتمر كامب ديفيد العام 2000، وأثناء تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قبل انقلاب غزة لا يمكن أن يحققوه الآن وهم منقسمون، بل المطلوب منهم أن يدفعوا ثمن انقسامهم، لذلك ما هو معروض على الفلسطينيين في أنابوليس أقل من نصف ما عرض عليهم، وعلى ياسر عرفات تحديداً في كامب ديفيد، كما قال عن حق حاييم رامون الوزير في الحكومة الاسرائيلية والمقرب جداً من اولمرت.

إذا ذهب الفلسطينيون الى أنابوليس فارغي الايدي، وهم عراة تماماً، ولا يملكون سوى ورقة واحدة، هي ورقة المشاركة الجماعية العربية، بعد أن قرر العرب بالاجماع المشاركة دون أن يربطوها بأي شيء. فالعرب وافقوا على الذهاب بعد ان تخلوا عن كل مطالبهم الكبيرة والصغيرة. فأولاً تخلوا عن مبادرة السلام العربية للمرة الثانية العام 2007 بعد أن تخلوا عنها بعد قمة بيروت العام 2000، عندما لم يصروا على اعتمادها كأساس ومرجعية لعملية السلام، بل اكتفوا بايراد الحديث عنها بعمومية ودون الزام في رسالة الدعوة الاميركية.

وثانياً تخلوا عن المطالب الصغيرة. فبعد ان كنا نسمع العرب، وتحديداً السعودية ومصر وفلسطين وسورية يقولون انهم لن يذهبوا الى الاجتماع بأي ثمن وأنهم لن يرضوا بأقل من توضيح أسس التفاوض والشروع في التفاوض الشامل على القضايا الاساسية والاتفاق على وثيقة مشتركة تحرز تقدماً في عملية السلام وعلى جدول زمني لتطبيقها وعلى وقف الاستيطان فوراً على الاقل، ذهبوا دون ذلك راضين بمجرد رسالة الدعوة الاميركية التي تحدثت عن العديد من الاشياء المتناقضة التي تتحدث عن حلول انتقالية ونهائية، مثل رؤية بوش وخارطة الطريق ومبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية إلا أنها لم تحدد مرجعية واضحة وملزمة، وعدم تحديد مرجعية يجعل مؤتمر أنابوليس اسوأ من مؤتمر مدريد الذي كانت مرجعيته واضحة وهي قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام والسلام الشامل على كافة المسارات ولكنها تآكلت عبر الزمن، ولأن المرجعية الوحيدة أنابوليس خارطة الطريق الدولية رغم أن اسرائيل لا تزال ترفضها وتصر بدعم من الولايات المتحدة الاميركية، على تطبيق خارطة الطريق الاسرائيلية.

كان العرب في أضعف الايمان يستطيعون أن يصروا على شرط موافقة اسرائيل على خارطة الطريق الدولية، ولكنهم لم يفعلوا واكتفوا بأن المؤتمر سيدشن انطلاقة المفاوضات. ألا يدرك العرب أننا في حلقات من المفاوضات بدأت منذ مؤتمر مدريد، لا تنتهي حلقة حتى تبدأ اخرى، دون ان نحقق السلام؟ وما حققناه في السابق عن طريق المفاوضات ضاع بسبب ارتداد اسرائيل على اتفاق اوسلو، خصوصاً بعد مجيء شارون الى سدة الحكم، وبعد سيطرة المحافظين الجدد على اسرائيل الذين اسقطوا الحل المتفاوض عليه، ويؤمنون بأن السلام يفرض بالقوة مرة على طاولة المفاوضات، ومرة اخرى عن طريق العدوان العسكري بكل أشكاله، ودائماً من خلال خلق الحقائق على الارض التي تجعل الحل الاسرائيلي اكثر وأكثر هو الحل الوحيد الممكن عملياً.

كان على العرب، ولا يزال الامر مطروحاً عليهم، ان يصروا على وقف العدوان والاستيطان والجدار والحصار والاغتيالات والاعتقالات وتقطيع الاوصال حتى تستأنف المفاوضات بأجواء مريحة، وعلى أساس إعطاء اسرائيل إشارة على الجدية ان اجتماع أنابوليس يعقد مع استمرار سياسة اسرائيل بخلق الحقائق على الارض التي تجحف بقضايا الصراع الاساسية، مثلما عقدت لقاءات القمة الفلسطينية- الاسرائيلية دون وقف هذه السياسة الاسرائيلية. ان استمرار هذا الواقع يجعل صوت البلدوزرات والجرافات الاسرائيلية التي تبني وتشق الشوارع الالتفافية وتوسع المستوطنات وتستكمل بناء الجدار، وتعمق فصل القدس، وصوت المجنزرات التي تقتحم المدن الفلسطينية يومياً، ورغم الخطط الأمنية الفلسطينية، وتقتل من تشاء، وتعتقل من تشاء، وصوت هدير وقصف الطائرات والدبابات والمدفعية لقطاع غزة المحاصر بشكل خانق، بحيث صوت انين اطفال غزة والجوعى والمرضى وكبار السن والعاطلين عن العمل والذين فقدوا مصانعهم وشركاتهم أعلى بكثير من صوت السلام المضلل المنبعث من أنابوليس، والذي سيعطي صفة السلام لمن يصنع الحرب والموت والدمار.

ان الذهاب بأي ثمن الى أنابوليس سيؤدي الى متاهة جديدة اسمها مفاوضات ثنائية عبثية مفتوحة دون مرجعية على الاطلاق، وبالتالي يمكن أن تؤدي هذه المفاوضات إما إلى مفاوضات من أجل المفاوضات، دون نتيجة أو الى ما هو اسوأ من اوسلو بكثير.

فأية مفاوضات في ظل اختلال ميزان القوى الفادح لصالح الاحتلال ولا تستند الى وعلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، التي تفترض الالتزام بعدم شرعية الاحتلال وضرورة انهائه قبل اية مفاوضات، حتى تكون للمفاوضات جدوى تكون مفاوضات بلا معنى وتخدم الاحتلال لأنها تعطيه الغطاء الدولي وهو يقوم بخلق الحقائق على الارض، وتجعله يملك الوقت الذي يحتاجه لاستكمال مشاريعه الاستيطانية والعنصرية، وتقطع الطريق على المبادرات الاخرى والجهود التي تستند الى الحق الفلسطيني والعربي، وتصور اسرائيل ومن يدعمها، بصورة الباحث عن السلام، رغم أنها تصنع الحرب والدمار والموت. وهنا لا معنى للحديث ان مجرد عقد اجتماع أنابوليس انتصار للفلسطينيين والعرب لأنهم هم الذين دعو دائماً من أجل عقد مؤتمر دولي، ولأن هذا الاجتماع ينهي العزلة الدولية المفروضة على القضية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين، ويعيد الاعتراف بهم كشريك من خلال استئناف المفاوضات.

الذهاب الفلسطيني والعربي إلى أنابوليس كان يجب أن يكون مشروطاً، وأزعم ان العرب لو أصروا على شروطهم لكانوا حصلوا عليها أو على انجاز جوهري على طريقها. فالدعوة الى الاجتماع ترجع الى محاولة تحقيق مصلحة اميركية واسرائيلية، وبالتالي لو قايض العرب جيداً وحتى اللحظة الاخيرة لحصلوا على شيء مثل وقف الاستيطان وقفاً تاماً على الاقل. دون تحقيق اي شيء جدي لا يصبح مجرد استئناف المفاوضات انجازاً، لأننا لا نشكو من قلة المفاوضات، رغم توقفها خلال السنوات السبع السابقة.

وإذا اراد العرب ان يحولوا الاجتماع الى فرصة، لا يزال بمقدورهم ذلك من خلال الذهاب الى الاجتماع بموقف موحد يقول إن على اسرائيل أن توافق على مبادرة السلام العربية التي تعطيها السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل. وإذا رفضت عليها وقف العدوان والاستيطان والجدار والحصار قبل استئناف المفاوضات حتى تكون المفاوضات جدية. وإذا لم توافق اسرائيل لا على هذا ولا ذاك، فلا بديل أمام العرب سوى دعم الشعب الفلسطيني وتوفير مقومات صموده وتشجيعه على شق مقاومة شعبية طويلة الامد، تعتمد الاساليب السلمية ومقاطعة البضائع الاسرائيلية التي لها بديل محلي، وتقاطع الاستيطان عملاً وتعاملاً وتجارة، وتقاوم التطبيع، وتستعيد الاساس القانوني والسياسي المستند الى القانون الدولي والشرعية الدولية والفتوى القانونية لمحكمة لاهاي، وتستعيد البعد العربي والدولي والانساني للقضية الفلسطينية الذي اثمر الحماية الشعبية وجعل القضية الفلسطينية قضية التحرر الاولى في العالم، ويمكن أن تقود الى مكانها السابق، ويمكن ان تنتصر إذا شعرت اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية انهما ستخسران من الاحتلال الاسرائيلي أكثر مما تربحان، ولكن على من تطلق مزاميرك يا داوود!!

 

مشاركة: