الرئيسية » هاني المصري »   14 حزيران 2006

| | |
حتى لا نصل الى وضع لا حوار ولا استفتاء ولا وفاق
هاني المصري

 

أصدر الرئيس مرسوماً باجراء الاستفتاء اذا تعذر الاتفاق حتى موعد الاستفتاء. ومن المتوقع ان يصدر المجلس التشريعي قراراً برفض المرسوم.

التجاذب حول الاستفتاء الشعبي وصل ذروته، والى حد الزج بأسرى حماس والجهاد الاسلامي برفض فكرة الاستفتاء ورفض توظيف وثيقة الأسرى لزيادة الشقاق في حين ان غرضها تحقيق الوفاق الوطني، وهذا الخلاف حول الاستفتاء حولّه الى مجازفة كبرى بدلاً من ان يكون خشبة الخلاص. ومع ذلك ورغم المقامرة في اللجوء الى استفتاء فإنه مجازفة لا بد منها. فالحوار دون سقف زمني، ودون السعي لانجاحه والاستعداد لاحتمال فشله سيحوله الى غاية بحد ذاته، ومحاولة للاستهلاك الشعبي وتقطيع الوقت وذر الرماد في العيون انتظاراً لحدوث ظروف اخرى ملائمة لحماس اكثر من الحالية التي تجعل الحكومة في وضع لا تحسد عليه.

 

ان عدم تحديد بديل عن فشل الحوار، يعني ان الفلسطينيين سيكونون في هذه الحالة حالة فشل الحوار، امام احتمال واحد هو الاقتتال والحرب الاهلية. طرح الاستفتاء يجعل الفلسطينيين امام ثلاثة احتمالات: نجاح الحوار او فشله وفي هذه الحالة يكون الاحتكام للشعب افضل مليون مرة من الاحتكام للرصاص. كما ان تحديد موعد للاستفتاء من شأنه، اذا خلصت النيات، ان يكون حافزاً لانجاح الحوار وتحميل الجميع المسؤولية عن فشله، طبعاً يمكن ان يستخدم الاستفتاء وهو استخدم فعلاً، من البعض كبديل عن الحوار، كوسيلة للاستفزاز والتصعيد، ولكن لا يجب قياس الامور بناء على ما يريده هذا البعض، وانما استناداً الى ان الاستفتاء بديل عن فشل الحوار ولقطع الطريق على الاقتتال. فالشعب هو مصدر الشرعية والسلطات جميعاً، وهو الذي يقر القوانين، بما فيها الدستور ابو القوانين جميعاً، بحيث لا يجب النظر للاستفتاء كسيف مسلط على رؤوس المتحاورين بل حافز لتشجيعهم على الاتفاق، انجاح الحوار هو الاولوية، والواجب الذي يعلو على اي واجب آخر، ولكن فشل الحوار وارد ويجب ان نستعد له تمام الاستعداد حتى لا يأخذنا على حين غرة.

لو توفرت الارادة اللازمة، والنية الخالصة، والجدية الكافية، وتغليب المصلحة المشتركة لكان أمكن التوصل للاتفاق خلال الفترة السابقة، ولو توفرت هذه الاشياء يمكن التوصل الى اتفاق وطني، ليس خلال سبعة اسابيع (وهي المدى الذي يفصلنا عن موعد الاستفتاء بل خلال اسبوع واحد).

الحقيقة المرة التي اراها بوضوح، ان الصراع لا يدور في جوهره على البرامج السياسية والصلاحيات ومرجعية الاجهزة الامنية وقانونية تشكيل القوة التنفيذية وكيفية مواجهة الاحتلال والحصار والعدوان، والموقف من وثيقة الأسرى والاستفتاء، على اهمية كل ما تقدم، وانما يدور على الصراع على السلطة، ومن صاحب القرار الفلسطيني، ومن الحاكم الفعلي للسلطة، والمنظمة، ومن الذي يجب ان يكون!

ولو كان الامر ليس صراعاً على السلطة، كان يمكن اقرار وثيقة الأسرى بسرعة لانها وثيقة متوازنة ووسطية بين البرامج المختلفة، وفي اسوأ الاحوال كان يمكن اقرارها مع تسجيل تحفظ او اكثر عليها من الفصائل التي تعترض على بعض بنودها.

ولو كان الامر ليس صراعاً على السلطة، لكان مندوب حماس شارك في رام الله عبر الاقامة هناك اثناء مدة الحوار لكي يتجنب الحواجز الاسرائيلية. وكان يمكن نقل الحوار الى غزة، مراعاة لان المركز القيادي لحركتي حماس والجهاد هناك.

ولكن التنافس كان على من يكسر قرار من، ومن هو صاحب القرار، وكان هناك نية مبيتة بالمماطلة حتى تنتهي مهلة العشرة ايام دون نتيجة، فهناك من يعتبر ان الحوار من حيث المكان والزمان والمضمون ليس له معنى، ويستهدف الالتفاف على الحكومة واسقاطها لا اكثر ولا اقل، مع ان الدعوة للحوار انطلقت من المجلس التشريعي ورئيسه تحديداً، فبدلاً من الحوار حول قضايا الخلاف، وكيفية مواجهة الحصار والعدوان وخطة اولمرت، استنزف الحوار وادخل في دوامة مكان الحوار، ومدى تمثيل وثيقة الأسرى لكافة الأسرى وقانونية وعدم قانونية الاستفتاء. اذا كانت وثيقة الأسرى ارضية صالحة للحوار، كما اتفق الجميع في مؤتمر الحوار، واذا كانت حماس توافق عليها بنسبة 09 -59%، كما صرح اكثر من مرة قادة حماس، لماذا المطالبة بالحوار المفتوح، واعتبار الاستفتاء على وثيقة تلتزم بالحد الأدنى الوطني المشترك، جريمة، وانقلاباً، وحراماً، وتفريطاً بالثوابت، وتخلياً عن ثلثي الشعب الفلسطيني، ومقدمة للتنازل، وتعميقاً للشرخ الوطني. واذا كان الوفاق الوطني هو الهدف، والاستفتاء مجرد وسيلة لتحقيق الهدف، لماذا الاسراع باعلان فشل الحوار، رغم ان الوقت حتى موعد الاستفتاء اكثر من كاف للتوصل الى اتفاق، اذا كانت هناك نية جدية للتوصل الى اتفاق.

وثيقة الأسرى ليست مقدسة، ولكن تعديلها في نقاط اساسية يفتح الطريق لتعديلها في نقاط اخرى، وهذا ينسفها من حيث الاساس، ويضعف هدفها الرئيسي وهو تحقيق الوحدة، وكسر الحصار الخانق الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني للشهر الرابع على التوالي، هذا الحصار الذي اذا استمر -كما هو متوقع- سيؤدي الى انهيار سياسي واقتصادي وامني واجتماعي، فهل نقف وننتظر حتى يحصل الانهيار؟ ونندم وقت لا ينفع الندم!

واذا كانت الانتخابات التشريعية، رغم عقدها تحت الاحتلال، وفي ظل العدوان والحصار استفتاءً للشعب، فلماذا لا يتم الاحتكام للشعب، اذ تعذر الاتفاق بالحوار، للحسم في واقع موضوعي يتمثل بوجود برنامجين شرعيين ومنتخبين: واحد يطرحه الرئيس وآخر تطرحه الحكومة، وخصوصاً في ظل عدم وجود متسع من الوقت لاضاعته، وامام استمرار الحصار الخانق للشهر الرابع على التوالي، ومع استمرار العدوان العسكري الاسرائيلي وتصاعده، بهدف قطع الطريق على الحوار وعلى الاتفاق على وثيقة الاسرى، وكسر التهدئة عبر استدراج الحكومة وحركة حماس، لاستئناف المقاومة ما يعني تصعيداً آخرمن اسرائيل يمكن ان يستهدف قادة حماس ورئاسة الحكومة والوزراء، ويخلق واقعاً من الفوضى يحول دون تحقيق الوحدة الفلسطينية على برنامج موحد.

اسرائيل ستجد نفسها في الزاوية اذا اقرت وثيقة الأسرى عبر الحوار او في استفتاء شعبي، لان ذلك يعني ان هناك شريكاً فلسطينياً مفوضاً بالتفاوض من اجل اقامة دولة فلسطينية على اراضي 7691، ولتحقيق كافة الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق اللاجئين في العودة والتعويض، شريك مفوض كذلك بالمقاومة من اجل تحقيق هذه الحقوق اذا لم تتحقق على طاولة المفاوضات. ان اقرار وثيقة الاسرى اذا لم ينجح على المدى المباشر في تحقيق الاهداف الوطنية فيمكن ان ينجح في افشال خطة اولمرت وتدفع اسرائىل للتفكير بطرح خطة اخرى اذا ارادت تجنب دفع ثمن للمجتمع الدولي، فالمجتمع الدولي لا يؤيد حتى الآن خطة اولمرت، ولكن اذا استمرت هي اللعبة الوحيدة في المدينة، وانشغل الفلسطينيون في خلافات وصراعات واشتباكات لا تنتهي حول السلطة والصلاحيات، لن بمضي وقت طويل حتى تحصل خطة اولمرت على الغطاء الدولي، وحتى على الغطاء العربي، وعندها لا ينفع تكرار العبارات حول ان الحقائق التي يقيمها الاحتلال لا تعطيه حقاً ولا تفرض علينا التزاماً، لان حصول خطة اولمرت على الشرعية الدولية يعطيها قوة كبيرة تجعل النضال ضدها حتى في المستقبل أصعب بكثير.

جوهر المسألة ان "فتح" تريد ان تقود منفردة الى السلطة، و"حماس" متمسكة بالسلطة منفردة، ولا تريد ان تتخلى عنها، وتعتبر اي حديث عن اقرار وثيقة الأسرى او الاستفتاء، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية او تشكيل حكومة خبراء او غيرهما من الحكومات يمثل نوعاً من الالتفاف على حكومتها الشرعية، ويندرج في سياق المؤامرة الخارجية الرامية الى افشال الحكومة الفلسطينية. ولم تلاحظ حماس ان بعض اصدقائها الكبار بالساحة الفلسطينية والعربية، وبعضهم ضمن تيار الاسلام السياسي، اخذوا ينصحونها، او نصحوها بالبداية بعدم جعل الاحتفاظ بالسلطة هو الغاية، فالاحتفاظ بالسلطة له ثمن، فإما ان تستعد حماس لدفعه او تترك الحكومة لافساح المجال لتشكيل حكومة وحدة وطنية او حكومة خبراء فلا يمكن الجمع بين السلطة والمقاومة المسلحة وبين رفض الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية والطلب من الجميع وعلى الاصعدة المحلية والعربية والاقليمية دعم الحكومة.

وتخوف حماس ليس كله اختلاقاً وانما له ما يبرره، فحماس استلمت السلطة ولكنها وجدت نفسها مطالبة بأن تحكم بجهاز وظيفي مشكل بغالبيته من اعضاء وكوادر وقيادات حركة فتح، وعليها ان تحكم بجيش "فتح" المسيطر على الاجهزة الامنية، ولكن هذا واقع كان عليها أن تدركه سلفاً وهي تقدم على تشكيل الحكومة منفردة، وجدت نفسها محاصرة حصاراً ظالماً متعدد الحلقات اسرائيلياً وعربياً ودولياً ومن بعض الاوساط الفلسطينية، ووجدت نفسها مضطرة لان توافق على ان يسيطر الرئيس على المعابر والحدود خشية من اغلاق معبر رفح رئة قطاع غزة. وعندما لم تتسلم الحكومة صلاحياتها على بعض الاجهزة الامنية التزاماً بالقانون الاساسي اختارت تشكيل قوة امنية خاصة بها، وردت بذلك على الخطأ بخطأ مماثل، ووجدت خزينة خاوية، كما كانت دائماً، ولكنها ترافقت مع سد السبل امام ايصال الاموال من الخارج حتى التي تتمكن الحكومة من جمعها. اما الاعلام الرسمي فهو دائماً كان تحت سيطرة الرئيس ياسر عرفات، واخذ ابو مازن بعد الانتخابات الرئاسية يتنازل عنه تدريجياً حيث اعطى بعض الصلاحيات لوزير الاعلام، ليعود ليأخذها بعد تشكيل الحكومة الحالية، المطلوب من اجل النهوض بالاعلام وضمان حريته واستقلاله ليس نقل السيطرة على ادوات الاعلام الرسمي من الرئيس الى الحكومة وانما تحويل ادوات الاعلام الرسمية الى مؤسسات عامة تخضع للشعب كله، وجعله اعلاماً للوطن وللدولة وليس اعلاماً للحكومة او الرئاسة وذلك بجعل مرجعيته المجلسين الوطني والتشريعي.

على حماس ان تدرك اولاً: ان شرعية المجلس التشريعي او الحكومة ليست محل نقاش سواء تم الاتفاق الوطني أو لم يتم، وثانياً: ان الاحتفاظ بالحكومة له ثمن ضخم لن تدفعه حماس وحدها. واذا ارادت ان تبقى بالحكم عليها ان تطرح برنامجاً قادراً على الاقلاع، واذا كانت حماس غير قادرة ولا راغبة في تغيير برنامجها وهذا حقها، فعليها ان تفتح الطريق إما لحكومة وحدة وطنية او حكومة خبراء. اما استمرار الحال فهو من المحال، استمرار لحال سيقود اما الى الانهيار التام او الى الاقتتال او الى الاثنين معا!! فأيهما تختار؟

 

مشاركة: