الرئيسية » هاني المصري »   19 نيسان 2009

| | |
جوليانو وفيتوريو: اغتيال في الضفة وإعدام في غزة
هاني المصري

 

هل من قبيل الصدفة أن يتم اغتيال جوليانو خميس في جنين وإعدام المتضامن الإيطالي فيتوريو أريغوني في غزة في وقت متقارب؟ أم أن الحادثتين مدبرتان وهما جزء من مؤامرة تستهدف القضاء على حركة التضامن العالمية مع الفلسطينيين، خصوصًا عشية انطلاق أسطول الحرية 2، الذي يستهدف رفع الحصار الإسرائيلي الظالم عن قطاع غزة، وإظهار الفلسطينيين كمتطرفين متعصبين وجزءًا من حركة الإرهاب العالمية، لكي يسهل على إسرائيل المضي قدمًا على تصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها وأبعادها بإظهارها كقضية نزاع على الأرض، أو حول طبيعة السلام، أو بين المعتدلين والمتطرفين، وليس تعبيرًا عن الصراع بين احتلال استيطاني إجلائي استعماري عنصري وبين شعب مدافع عن نفسه وأرضه وحقوقه، ساعيًا لأخذ مكانه تحت الشمس وعلى خارطة المنطقة والعالم الجديد.

 

 

سواء إذا كان الحادثان مجرد صدفة أوعملًا فلسطينيًا يخدم أعداء الفلسطينيين، أو جزءًا من مؤامرة، فهما نقطتان سوداوان في سجل القضية الفلسطينية وكفاح الشعب الفلسطيني، ويتطلبان وقفة جادة لمعرفة الحقيقة ومن يقف وراءهما ومحاسبة الجناة عبر محكمة قانونية عادلة أولًا، ولإزالة الجذور والبيئة والأفكار والأعمال التي تجعل مثل هذه الظواهر الشاذة ممكنةً ثانيًا.

إن الاغتيال جريمة لا تغتفر والإعدام جريمة أكبر لأنهما يمثلان تدخلًا من إنسان موتور لإنهاء حياة إنسان آخر، حياة وهبتها الطبيعة وخلقها الله.

ولا يجعل الجريمة عملًا مشروعًا إذا لبس منفذها ومن يقف وراءه لباس الدين أو الوطنية أو أي أيديولوجيا تبرر قتل النفس البشرية بدم بارد تحقيقًا لأغراض سياسية. فلا الوطنية ولا الدين ولا أي أيديولوجيا تعطي لأحد الحق بارتكاب جريمة إنهاء حياة الإنسان، بعد أن تطورت المجتمعات وانتقلت من شريعة الغاب، حيث يأخذ الحيوان القوي حقه بيده بينما يكون الحيوان الضعيف فريسة سهلة بدون أية حقوق. ففي المجتمعات الحديثة التي نشأت بعد ظهور الدولة هناك سلطات متعددة ضمن نظام واحد، كل سلطة تكون مستقلة وتقوم بعملها بما يفترض أن يخدم المواطن، ومن ضمن السلطات هناك سلطة للقضاء وسيادة القانون، حيث تقوم هذه السلطة بحل النزاعات والخلافات والحكم فيها وفي الجرائم والجنح بما يضمن حقوق الأفراد والجماعات، والحفاظ على حرياتهم وممتلكاتهم الخاصة والعامة.

فكل شخص أو جماعة أو حزب أو طائفة إذا كان لديه اتهامات ضد أي كان، عليه أن يقدم أدلته وبراهينه، ويطالب بمحاكمة لمن يعتقد إنه ارتكب جريمة، أو انتهك حقوق وحريات وممتلكات الآخرين.

إذا كان جوليانو خميس الذي أقام مسرحًا في مخيم جنين، وواصل رسالة أمه إرنا خدمةً لفلسطين وقضيتها وخدمة للثقافة والفن، كما يعتقد البعض، ينفذ خطة لصالح الاحتلال انطلاقًا من المسرح الذي يديره، أو لأنه مثّل في أفلام إسرائيلية رديئة، وقدم مسرحيات وبرامج عليها علامات سؤال تصب في تشويه الوعي الفلسطيني ويمكن إدراجها في خانة التطبيع، الذي يعتبر مرفوضًا من الحركة الوطنية الفلسطينية؛ لأنه يريد أن يشوه طبيعة العلاقات التي تربط ما بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، وتحويلها من علاقات عدائية إلى علاقات طبيعية، وإذا كان ما يقدمه المسرح ويشيعه من أنماط من العلاقات والأفكار والعيش والتصرفات لا يعجب البعض ولا يتفق معهم، وبه ما لا يناسب حياة وعادات المخيم المقاوم في جنين، وبما ينسجم مع أنه خدم في سلاح المظلات الإسرائيلية، بالرغم من أنه ابن صليبا خميس المناضل الوطني الشيوعي، وابن إرنا اليهودية التي دافعت عن الحقوق الفلسطينية. إلا أنّ ماضي المرء لا ينسحب على حاضره، فهناك من كان مدافعًا عن الاحتلال والتطرف والعنصرية، ومرتكبًا لكل أنواع الجرائم ضد الفلسطينيين وحقوقهم، وأصبح من أشد المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، فليس كل يهودي عدوًا للفلسطينيين، وليس كل إسرائيلي مدافعًا عن الاحتلال والظلم والعدوان، فالصراع ليس ضد اليهود كيهود، وإنما ضد الاحتلال، وهناك من بين اليهود من يناضل بشكل مشتر ك مع الفلسطينيين لإنهاء الاحتلال.

يمكن تقديم الرأي والحجة والبرهان على أن جوليانو أخطأ وتجاوز الحدود، ولكن هذا لا يبرر اغتياله، وإنما يمكن رفض أفكاره وممارساته وإظهار ضررها، والمطالبة بمغادرته للمخيم بشكل سلمي وقانوني، كما فعل عدة أشخاص وكما فعلت ذلك القوى والفصائل بإصدارها بيانًا قبل اغتياله يطالبه بالرحيل، ما اعتبر رفعًا للغطاء عنه، وما اعتبره البعض خضوعًا من هذه الفصائل للأفكار والعادات الظلامية والمحافظة.

ولكن مرة أخرى، أشدد أنه إذا كان جوليانو ومسرحه وأفكاره وتاريخه وما يقوم به محل جدل لا يعطي لأحد مبررًا لاغتياله، ولا يغفر للسلطة إذا تقاعست عن كشف الفاعلين ومحاكمتهم محاكمة عادلة، فحتى الثورة قبل تأسيس السلطة عندما كانت تغتال العملاء كان واجبًا عليها أن تتيقن من صحة الاتهام قبل تنفيذ الاغتيال، ولقد وقعت في مسيرة الثورة الكثير من الأخطاء التي لا تزال جروحها مفتوحة حتى الآن.

وإذا كان هناك جدل حول ما قام به جوليانو المغدور، فإن فيتوريو الإيطالي لا يساور أحد شكًا بأنه نصير حقيقي للقضية الفلسطينية، وإن قَتْلَه عمل جبان خسيس، يرجع لأسباب سياسية لها علاقة بصراع حركة حماس وسلطتها في غزة مع بعض الجماعات السلفية المتشددة، والتي تعتبر حركة حماس متهاونة وخانت الشرع والدين، وتخلت عن المقاومة مقابل كرسي الحكم.

إن القتل باسم الدين لا يُحمل الدين المسؤولية، فالدين الإسلامي براء من الجريمة التي ارتكبت بحق مستأمن وهو في ضيافة الفلسطينيين، ولكن ما سبق لا يحل المشكلة؛ لأن الذي زرع أفكار التطرف والتكفير والإقصاء والتخوين، وربط ما بين الدين والسياسة والدولة يتحمل قسطًا من المسؤولية عما حدث ويحدث في الضفة وغزة وجميع أماكن تواجد الشعب الفلسطيني. فالسياسة تتعامل مع بني البشر، مع الصواب والخطأ، ومفترض أن تحل الخلافات عبر الحوار وتبادل الآراء، واعتماد الديمقراطية التي تحتكم لمبدأ الأغلبية تحكم والأقلية تعارض مع حقها الكامل في المعارضة.

أما زج الدين في السياسة فيجعلها تتعامل مع الحلال والحرام، وتصبح مسألة إلهية تتعلق بتمثيل الله على الأرض، وإذا اعْتَبَر أحد أيًا كان نفسه أنه ظل الله على الأرض، فلا يحق لأحد أن يعارضه؛ لأنه سيعتبر أي معارض له كافرًا ومارقًا يستحق القتل أو العقاب الشديد، حسبما تستوجب الحالة كما يراها ممثل الإله على الأرض.

إن الفلسطينيين مطالبون بالضغط عبر مؤسساتهم وقواهم وفعالياتهم وقياداتهم؛ حتى يتم معرفة الحقيقة ومحاسبة الفاعلين ومحاكمتهم محاكمة عادلة حتى يكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه تلويث وجه القضية الفلسطينية، بوصفها قضية عادلة يجب أن يحرص أبناؤها على إظهار عدالتها وتفوقها الأخلاقي، لأن هذا يساعد كثيرًا على إظهار طابعها الإنساني الذي يمكنها من حشد أوسع تأييد عالمي، بدونه لا يمكن أن تنتصر.

فبدون أكبر دعم دولي لا يمكن إحداث لتوازن مع التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية أقوى دولة في العالم.

 

مشاركة: