الرئيسية » هاني المصري »   30 آب 2008

| | |
"جديد" رايس قديم
هاني المصري

 

حصل تطوران لافتان خلال زيارة رايس الأخيرة، الأول أن الجانب الفلسطيني طالب كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية (وفي رواية أخرى وافق على طلبها) بصياغة ورقة تبين النتائج التي وصلت إليها المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، حتى يتم تقديمها الى الإدارة الأميركية المقبلة كي لا تبدأ المفاوضات في عهدها من الصفر.

التطور الثاني، أن رايس طرحت كما صرح نبيل أبو ردينة الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية، أفكاراً جديدة، وأن الأسابيع القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لمصير عملية السلام.

 

بالنسبة للتطور الأول، فإن القيادة الفلسطينية تحاول بموافقتها على صياغة وثيقة توضح نقاط الاتفاق والاختلاف أن تختار أهون الشرور. فالمعروض عليها شرور أسوأ من بعضها، إما إعلان مبادئ يمثل تكراراً لاتفاق أوسلو، وهذا يضر ولا يسمن من جوع، أو الاتفاق على اتفاق إطار منقوص يتضمن بعض التفاصيل حول بعض القضايا، وهذا أكثر من طاقتها على الاحتمال. فلا يستطيع الرئيس أبو مازن أن يسوق اتفاقا مهما كان اسمه وشكله، يتضمن دولة ذات حدود مؤقتة وتأجيل كافة القضايا الى إشعار آخر أو اتفاقاً بدون القدس ويسقط حق العودة للاجئين ويتحدث عن حدود أقل من حدود 1967، ويوافق فيه على ضم الكتل الاستيطانية وحدود جدار الفصل العنصري. فوثيقة تتضمن أين وصلت المفاوضات أهون الشرور، ولكنها شر مع ذلك، وخصوصاً إذا عرضت هذه الوثيقة على مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لإقرارها، لأن أي وثيقة تهبط بسقف البرنامج الوطني الفلسطيني المكرس بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ستصبح هي المرجعية ونقطة البداية التي ستنطلق منها أي مفاوضات قادمة، في ظل الإدارة الأميركية الجديدة، والحكومة الإسرائيلية القادمة.

إن المفاوضات التي ابتدأت منذ مؤتمر انابوليس حتى الآن، محكومة بالفشل لأنها بدأت بدون مرجعية واضحة وملزمة تستند الى القانون الدولي، لذلك أصبحت مفاوضات تدور حول نفسها واستخدمتها اسرائيل للتغطية على مضاعفة الاستيطان وتكثيف الحقائق التي تقيمها على الأرض وتجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عملياً.

بمقدور القيادة الفلسطينية أن تستنتج، ويجب أن تستنتج، أن الاستمرار في الدوران في المفاوضات التي أصبحت هي الغاية، لا يؤدي سوى الى المزيد من التآكل بالموقف الفلسطيني، الى المزيد من التراجع في سقف المفاوض الفلسطيني بدون مقابل. فليس على القيادة الفلسطينية أن تخشى أن الإدارة الأميركية القادمة ستبدأ من نقطة الصفر، لأن اسرائيل هي الطرف الذي يجب أن يخشى ذلك. نقطة الصفر تعني إعادة الصراع الى طبيعته، إما الى المقاومة القادرة على الانتصار أو الى المفاوضات التي تسير في مسارها المفترض أن تسير فيه، وهو مسار التفاوض لإنهاء الاحتلال وفقا للقانون الدولي والشرعية الدولية، وإذا كانت اسرائيل لا تريد ذلك، كما اتضح بعد 15 عاما على توقيع اتفاق أوسلو، فلا معنى للتفاوض، بل يجب العمل من أجل نقل القضية الفلسطينية الى الأمم المتحدة واستنفار المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، وحشد كل عناصر القوة الفلسطينية والعربية والدولية لكي يتم مراكمة الضغوط على الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ودفعهما للإقرار بالحقوق الفلسطينية.

التطور الثاني الذي حملته زيارة رايس أنها اعترفت، كما أفادت مصادر فلسطينية رفيعة المستوى، بأن حدود الدولة الفلسطينية ستكون حدود 1967 بما فيها الضفة وغزة والقدس الشرقية والأغوار والبحر الميت، -باستثناء اللطرون- على أن يتفق الجانبان على إجراء تعديلات حدودية تأخذ بعين الاعتبار الحقائق التي أقامتها اسرائيل على الأرض منذ الاحتلال الذي وقع عام 1967 وحتى الآن، وهذا يعني أن المستوطنات الإسرائيلية الكبرى وحدود جدار الفصل العنصري، و80% من أحواض المياه والمناطق الاستراتيجية والأمنية والدينية يجب أن تضم الى اسرائيل في أي اتفاق نهائي.

لا أعرف ما الجديد في هذا الموقف الأميركي، ففي السابق كانت الإدارة الأميركية توافق على قرارَي مجلس الأمن 242، 338 اللذين ينصان على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967، وفي خارطة الطريق الذي قدمت عام 2003 أكدت الولايات المتحدة على وجوب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967، إن الاعتراف بحدود 1967 مجدداً كان سيكون موقفاً جديداً، لو لم يتم ربطه بضرورة أخذ الحقائق التي أقامتها اسرائيل بالحسبان، فهذا الجديد قديم، لأنه ورد في ورقة الضمانات الأميركية التي منحها الرئيس بوش لشارون عام 2004.

وإذا أضفنا الى ما تقدم أن رايس تحدثت في زيارتها الأخيرة عن آلية لتعويض اللاجئين لدرجة أنها أحضرت معها خبيراً بهذا الخصوص، متجاهلة أن قضية اللاجئين أساس القضية الفلسطينية وأكبر بكثير من تعويض وإنما تتعلق بتشريد شعب ومعاناته منذ أكثر من ستين عاماً، وحقه بالعودة إضافة الى التعويض. إن التركيز الأميركي على التعويض ينسجم مع الأفكار التي طرحها أولمرت على أبو مازن عن عودة عشرين ألف لاجئ خلال 10 سنوات الى اسرائيل في إطار "لم الشمل" وعلى اعتبار أن هذا يطوي الى الأبد ملف عودة اللاجئين.

أما بالنسبة للقدس فرايس تحدثت عن أنها جزء من حدود 1967 ويمكن أن تكون عاصمة لدولتين لكنها لم تعرف القدس وهل هي العيزرية وأبو ديس وشعفاط أم القدس الشرقية التي احتلت عام 1967؟ وبالنسبة للبلدة القديمة فقد استخدمت مصطلح "الحوض المقدس" وهو تعبير يهودي بامتياز!!

إن تركيز الإدارة الأميركية، كان في الفترة الأخيرة وسيبقى لحين رحيلها، على التوصل لاتفاق حول الترتيبات الأمنية والحدود، وهي تحاول أن يتم على الأقل اتفاقاً حول ذلك لكي يعلنه بوش في أو على هامش الدورة القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحديداً على أثر اجتماعه المقرر مع الرئيس الفلسطيني، والذي يمكن أن يصبح قمة ثلاثية أميركية - إسرائيلية - فلسطينية.

إن مثل هذا "الإنجاز" تريد أن تتوج إدارة بوش عهدها فيه، لكي يظهر بوش كصانع سلام، بعد أن كان صانع حروب ودمار وموت خلال فترتي رئاسته، ما سبب إخفاقات أميركية على امتداد العالم كله.

وأخيراً، الأنكى من ذلك وأمر، أن اسرائيل حتى الآن لم توافق على صياغة وثيقة حول النقاط المتفق عليها والمختلف عليها بعد أن كانت في السابق تطالب بها، كما يمكن أن لا توافق على "جديد" رايس رغم، أن الوثيقة المقترحة، و"جديد" رايس، يصب تماماً في المصلحة الإسرائيلية، وإذا حدث واعترضت اسرائيل على الأفكار الأميركية الجديدة، ستتراجع عنها رايس كما حدث سابقاً مراراً وتكراراً، ولكن الحكومة الإسرائيلية في النزع الأخير، وهي تعاني من صراعات حادة داخلية بين رئيسها ووزير حربه ووزيرة خارجيته، وبين الحكومة والمعارضة من أجل وراثة أولمرت المعتزل، ما يجعل حمى التطرف تسود المشهد السياسي كله، فقط أولمرت يريد اتفاقاً من أي نوع، حتى يختم حياته السياسية بإنجاز بعد أن ترنح تحت وطأة هزيمة الحرب اللبنانية عام 2006، والفضائح التي تلاحقه من كل جانب. ولكن أولمرت ضعيف، ولا يستطيع لوحده أن يقر اتفاقاً يتناول قضايا مصيرية وحساسة!! لذلك حتى وثيقة تعرض النتائج التي وصلت إليها المفاوضات على كف عفريت. ولتذهب الى الجحيم غير مأسوف عليها.

إن المطلوب إعادة النظر بالاستراتيجية الفلسطينية التفاوضية من أساسها؟ وليس البحث عن منقذ عند مسببي غرق السفينة الفلسطينية!!

 

 

مشاركة: